التغيير في قيمة النقد وآثاره الاجتماعية والاقتصادية
كتبه: محمد جواد منذور
حرر في: 2015/04/06
القراءات: 1161

ان التشريعات الوضعية في بلداننا الاسلامية تتأثر بشكل او بآخر بالمذاهب الاسلامية والآراء الفقهية، لذا نجد ان الحلول قد تكون قريبة في كثير من الاحيان مما يطرحه فقهاء الشريعة السمحاء، لما قد يواجهه المجتمع من قضايا تتعلق بالعقود والمعاملات. ومنها؛ قضية قيمة العملة المعرضة للتغير والهبوط بسبب الظروف السياسية والاقتصادية، مما ينعكس مباشرة على مجمل التعاملات والعقود بين الناس، مثل القروض ومهر الزوجة و ردّ الديون بأنواعها كافة. وهنا ثمة مقارنة بسيطة وبشكل سريع عن الحلول المقدمة من قبل الشريعة والقانون للسيطرة على هذه الأزمة. فهل العبرة برد مثل مبلغ القرض عندما استقرض مبلغاً، و أرده بعد فترة من الزمن مع ما يحدث من تضخم في السوق وهبوط لقيمة العملة او حتى سقوطها كما حدث في عام 1990 من سقوط في العملتين العراقية والكويتية، وكذلك الحال بعد سقوط النظام السابق عام 2003 وما شهدته العملة العراقية من تحسن وانتعاش اقتصادي؟

* تساؤل حائر

ماذا عمّن أقرض اشخاصاً - قرضة حسنة- على ان يكون التقسيط لفترة طويلة، ثم تتعرض العملة للانهيار وسقوط في قيمتها، فهل يكون دفع مبلغ القسط، في الظروف الجديدة، مبرئ للذمة؟ ألا يعد ذلك اجحافاً بحق المُقرض؟ ألا يؤدي ذلك الى قطع سبيل المعروف وانسحاب الآخرين من مشاريع القرض الحسن ومساعدة المحتاجين، او عدم امهال المدين بنظرة الى حين ميسرة؟ أم ان هنالك اعتبارات ومآرب أخرى ينظر إليها الشارع ليحكم برد مثل المبلغ مهما حصل من تضخم.

قديماً كان الاعتماد على تبادل المال بالمال، فإذا تشابه المالان كان لابد من التماثل في المقدار، وإلا عدّ ذلك رباً محرماً مبطلاً للتعامل، ومن ثم صار التحول الى التعامل بالذهب والفضة كعملة يتم تداولها بين الناس ومن المعروف ان الذهب (الدينار) والفضة (الدرهم) تتصف بضآلة التغيّر أو الثبات النسبي، قياساً بما عليه العصر الحديث، والحاضر منه على وجه الخصوص، وهو عصر التعقيد والسرعة والمفاجآت؛ وعصر الأرصدة المصرفية والعملة الاعتبارية. فمما ذكره المؤرخون ان الدينار كان في العصر الإسلامي الأول يساوي عشرة دراهم، لكنه صار في النصف الثاني مساوياً لاثني عشر درهماً، ثم ازداد الفارق ليصل الى خمسة عشر أو اكثر من الدراهم مقابل الدينار الواحد؛ وبقي التضخم مستمراً حتى صار سعر الدينار يساوي أربعة وثلاثين درهماً؛ إلا ان كل هذا التحول في قيمة العملة في ذلك العهد لا يمكن مقارنته بالتضخم الذي يحصل في عصرنا الحالي، إذ أصبحت العملة الرائجة هي ورقة اعتبارية لا تمثل مالاً حقيقياً كما كان في السابق، اذ ان هذه الورقة تتغير بالقوة الاقتصادية والعلاقات السياسية للبلد المصدر لها، وتزدهر كلما ازدهر الانتاج والاقتصاد العام للبلد، وتنكمش كلما كانت هنالك أزمة اقتصادية داخلية، او عقوبات اقتصادية خارجية او حروب وغير ذلك. كما ان التغيير ربما يحصل لدى تغير الانظمة السياسية، كما حصل في العراق بعد سقوط النظام واستبدال العملة.

وما يهمنا في كل ذلك هو آلية التعامل مع الديون المالية من خلال هذه العملة الورقية، كالتعامل مع "القروض الحسنة" التي تعطى لأجل طويل او المهر المسمّى في عقد الزواج الذي يؤجل دفعه عادة الى أجل غير محدد، وكذلك سائر الديون الأخرى. فهل نلزم الدائن بأخذ مثل المبلغ؟ أم ان حقه في قيمة ذلك المبلغ؟ فإذا قلنا بأن المثلية هنا هي الحاكمة فيؤدي ذلك الى خسارة الدائن لحساب المدين، واذا قلنا العكس فنكون قد وقعنا في فخ التعامل الربوي، اذا ما اعتبرنا بأن الورقة النقدية هي شيء مثلي، وعليه المثليات ترد بمثلها.

* رأيان لحل المشكلة

انقسمت آراء فقهاء الشريعة الى قسمين في التعامل مع هذه القضية؛ فقسمٌ دعا بالمثلية وآخر دعا الى ردّ القيمة. فالرأي الأول، قال بضرورة التعامل مع قضايا الأحكام من منطق الحرفية وما جاءت به نصوص الشريعة الناهية عن التعامل الربوي، هذا الرأي يؤكد ان لهذه القضية تشريعاً خاصاً بها و ثابتاً لا يقبل التبديل؛ لتُجنب حالها من السقوط في مستنقع الربا المنهي عنه شرعاً، واستندت الى الحديث الشريف المروي عن النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، "كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا"(1)؛ وعليه فإن ليس للدائن على المدين إلا بقدر ما أدانه، وحسب رأيهم فإن هذا ينطبق كذلك على العملات النقدية، عادين أي زيادة في عدد الأوراق النقدية في الوفاء رباً محرما، حيث ان العدل والانصاف من الاساسيات التي يقوم عليها الدين الاسلامي الحنيف، والتضخم أو الغلاء والرخص ينتهك هذه القاعدة. واذا ما سلمنا به في أداء الالتزامات فإنه يمكن للناس أن يربحوا على حساب الآخرين، ويمكن للأقوياء من استغلال الضعفاء. هذا من جانب أما من جانب آخر فإن في هذا الرأي رفعاً للضرر عن كل من الدائن والمدين والقاعدة الشرعية الكلية "لا ضرر ولا ضرار"، تزيل الضرر، وعليه يبقى القرض او مصدر الدين صحيحاً والشرط باطل، وذلك لأنه إذا أقرضه مالاً فنقصت قيمته وأوجبنا عليه قبول المثل عدداً تضرر الدائن، لأن المال الذي تقرر له ليس هو المستحَق، إذ أصبح بعد نقصان القيمة معيباً بعيب النوع المشابه لعيب العين المعينة، ولو أقرضه مالاً فزادت قيمته، وأوجبنا عليه أداء المثل عدداً تضرر المدين، لإلزامه بأداء زيادة عما أخذ. (2)

أما الرأي الثاني فيرى أصحابه ان مما لا شك بأن المعاملة بالمثل مبررة تماماً في مجتمع لم يشهد تحولات بارزة في القوة الشرائية للنقد، وكذا القيمة التبادلية للمال، لذلك نهى الشرع عن الربا لما فيه من الظلم، والله تعالى يقول في الآية (279) من سورة البقرة: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ)، وهي الحكمة التي صرح بها الإمامان الصادقان، عليهما السلام، (الباقر والصادق) "أن النهي عن الربا إنما ورد لئلا يذهب المعروف ويتمانع الناس" (3)، حيث يزول التعاون وتنعدم الأخوة.

ولو كانت المعاملات تجرى في البيع والشراء عن طريق مبادلة مال بمال، او التعامل بالذهب والفضة التي لم يكن ليطرأ عليها اختلاف مذكور في تغيير أسعارها، إلا ان المشكلة بدأت عند التعامل بالأوراق النقدية والتي تتأثر بالمؤثرات الاقتصادية والسياسية الاقتصادية التي تتبعها كل دولة من رفع انتاج او علاقات سياسية حسنة او رفع للأصفار كما حدث في أفغانستان او ربط العملة بسلة عملات مغايرة مما يؤدي الى تغييرات فاحشة في الأسعار زيادة ونقصاناً، او الانخفاض الطبيعي في قيمة النقود التي تعرف بظاهرة التضخم. وهو يكون مقبولاً ومعقولاً اذا ما كان لا يتجاوز نصفاً في المائة، أو واحداً في المائة في العام، عندما يكون الوضع الاقتصادي للبلد سليماً وصحيحاً، علماً بأن تضخماً في حدود (1-2%) لا يمكن عدّ نذير سوء، ولكن في حالة تجاوز معدل التضخم عن هذا المستوى، فإن هذا يعني وجود خلل اقتصادي كبير، مرتبط بما قدمنا، فهو بحقيقته سقوط للعملة الورقية وليس ارتفاعاً طبيعياً للأسعار.

فقاعدة "لا ضرر ولا ضرار" في ظل الهزات العنيفة التي تطرأ على العملات النقدية، مما يؤدي بها الى الانهيار تارة او تقفز بها الى أعلى الدرجات تارة أخرى، تؤدي في اعتماد المثلية في العمليات الورقية الى نوع من المقامرة والربح على حساب الآخر، سواء كان الدائن او المدين؛ مما يجعل القرض والدين المؤجل نوعاً من الربا لحساب الدائن او المدين حسب نوع التغيير وهذا يؤدي الى خلخلة قاعدة "لا ضرر ولا ضرار".

وأما على الصعيد القانوني فقد أخذت معظم التشريعات العربية المتأثرة بالشريعة الاسلامية بالرأي الأول حيث أوجبت هذه التشريعات ان يكون السداد بمثل عدد الدين دون زيادة او نقيصة منعا للاستغلال الربوي، إلا أنها أوجبت من جانب آخر الفوائد القانونية التي تفرض عند التأخير في سداد الديون وقد ميزت بين الديون المدنية والتجارية في سعر تلك الفائدة، كما حدت من حرية الأفراد في فرض الفوائد بوضع سقف أعلى لسعر الفائدة الاتفاقية، كما جاء في المادة (171) من القانون المدني العراقي وهي القريبة من مضمون المادة (226) من القانون المدني المصري، والتي نصت على: "اذا كان محل الالتزام مبلغاً من النقود وكان معلوم المقدار وقت نشوء الالتزام وتأخر المدين في الوفاء به، كان ملزماً ان يدفع للدائن على سبيل التعويض عن التأخير فوائد قانونية قدرها اربعة في المائة في المسائل المدنية وخمسة في المائة في المسائل التجارية، وتسري هذه الفوائد من تاريخ المطالبة القضائية بها ان لم يحدد الاتفاق او العرف التجاري تاريخاً آخر لسريانها وهذا كله ما لم ينص القانون على غيره".

من هذه النصوص يتضح لنا بأن بعض التشريعات الوضعية قد تعاملت مع القضية بازدواجية واضحة فمن جهة أوجبت المثلية لدرء الربا، ومن جهة أخرى اوجبت الفائدة في حال التأخر في الوفاء اذا كان محل الوفاء مبلغاً من النقود.

وقد خرج عن هذه القاعدة المشرع العراقي فيما يتعلق بالمهر المؤجل للمطلقة بالقرار المرقم (127) الصادر سنة 1999 من سلطة التشريعات في النظام البائد، والذي قضت باستحقاق المرأة عند الطلاق، مهرها المؤجل مقوماً بالذهب حين الطلاق(4)، وهذا ما يتفق مع الرأي الثاني الذي سبق ان بيناه، ويتفق كذلك مع آراء بعض الفقهاء المعاصرين في فتاواهم المستحدثة التي ترى ضرورة تقويم الديون اذا ما فقدت قيمتها بشكل كبير او كلي كما تشير الى ذلك فتوى سماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي بالنصّ على أن "لو اقترض مالاً نقداً بالعملات الرائجة اليوم (الاوراق النقدية)، فنزلت قيمتها تنزلا كبيرا جدا بسبب حرب او قحط او حصار اقتصادي او ما أشبه، فلابد من اعادة قيمة القرض الحقيقية وليس عدد الاوراق المقترضة، وان كان الأحوط التراضي والتصالح"(5)،  وكذلك الفتوى رقم (358) في الجزء الثالث من منهاج الصالحين لسماحة المرجع الديني السيد علي السيستاني.

وخلاصة القول؛ نجد اننا أمام أمرين: أما ان نحافظ على حرفية الحكم المنصوص في إيفاء الدين، وبه نصطدم مع العدل الذي هو الأصل في العقود والغاية من المعاملات، بل ونعمل على سد باب الخير والمعروف، لأنه يدفع الناس على تجنب إقراض الغير خشية الوقوع في الضرر من النقيصة المستردة. أما الثاني فهو ان نعمل على تغيير الحكم استناداً إلى تغير موضوعه بما يتفق مع أصل العدل الذي قامت به السماوات والأرض، وأنه من اعظم المقاصد التي تتوخاها الشريعة، وان الخدش به يعني خدشاً بالعقل والشريعة على السواء.

ونرى أنه ليس من العقل أو الشرع التضحية بمقصد ثابت هو من اعظم المقاصد واشملها قبال حكم جزئي اقل ما يقال فيه أنه من أحكام الوسيلة التي تتغير بحسب الوقائع والظروف. لذلك فمن واجب القوانين المدنية للدولة الإسلامية - وكذا الفقهاء- أن تراعي وضع التقديرات النسبية للقروض وفق معدلات التغير للقوة الشرائية للنقد؛ وان تعيد النظر في صياغاتها فيما يرتبط برد الديون التي يكون محلها مبلغا من النقود، لتقدر بإحدى الطرق المتبعة كالتقويم بالذهب او بسلة سلعة ثابتة نسبيا ورفع الفوائد الربوية.

المصادر

(1) في فقه الإمام جعفر الصادق، ج3، ص274.

(2) انظر ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار، البنك الإسلامي للتنمية ص191، وتغيرات النقود والأحكام المتعلقة بها نزيه حماد مجلة المجمع3/3/1677، وتغير القيمة الشرائية للنقود الورقية، هايل عبد الحفيظ داود ص293

(3) علل الشرائع، ج2، باب235، ص195. وتاريخ المذاهب الإسلامية، ص712

(4) الجوانب القانونية والابعاد الاجتماعية للمهر المقوم بالذهب، د. مكي عبد مجيد ود. حيدر حسين الشمري، مجلة رسالة الحقوق، السنة الثانية، الطبعة الأولى، سنة 2010،

(5) أحكام الاسلام، مطابق فتاوى المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، الطبعة الأولى، 2005، ص 229، ف7


ارسل لصديق