حرب الإشاعة داخل المُدن
كتبه: طارق عبد الله
حرر في: 2015/05/06
القراءات: 472

بينما يعيش العراقيون أجواء الحرب والمعارك التي يخوضها أبنائهم في الجبهات ضد عناصر «داعش»، يفاجأ بجبهة خطيرة تفتح عليه، لا توجه الرصاص والقنابل، إنما بما هو أكثر خطورة، فهي جبهة الحرب النفسية التي تهتم بها الدول المتحاربة في العالم، لتكون عاملاً آخراً يُضاف على عوامل الحسم وتحقيق الانتصار.

وهذه ليست المرة الاولى التي يخوض فيها «داعش» الحرب النفسية، فقد درج في هذا النوع من المواجهة منذ الايام الاولى لظهوره في العراق، وقبلها في سوريا، من خلال نشر مقاطع الذبح والحرق وقطع الأيدي والجلد، وكل أنواع القسوة والوحشية، والاهداف من وراء ذلك عديدة؛ اهمها: تعريف الطرف المقابل بهوية «داعش» وطريقة عمله، ليختار؛ إما الموت أمامه أو الرد بالمثل، بما يوحي لهذا الطرف، بصعوبة المواجهة.

وقبل الحديث عن الهجمة الجديدة لـ «داعش» في هذه الحرب، يجدر بنا الاشارة الى الصمت واللامبالاة إزاء ما فعله «داعش» خلال الفترة الماضية، من ملء صفحات «الفيس» ومواقع النت والفضائيات بمقاطع و اخبار عن الذبح والقتل والنسف والتشريد، كلها تصبّ في حالة التغوّل الداعشي وظهوره بمظهر العدو المتوحش الذي لا يُقهر.

ذلك كان في فترة تمدده وحاجته الى تثبيت وجوده في العراق، كما حصل بالفعل في الموصل وفي المناطق التي احتلها فيما بعد. وعندما بدأ مسلسل الهزائم، وانكشف زيف القوة الداعشية أمام بسالة وتضحيات ابناء الشعب العراقي من قوات الحشد الشعبي والقوات المسلحة الاخرى، بانت الحاجة الى سد الثغرة الكبيرة في جبهة «داعش» فكان اللجوء الى «الإشاعة» لخلق أحداث مزعومة أو تهويل حدث بسيط وتحويله الى قضية كبيرة تستهدف ليس فقط القوات المسلحة، وإنما من هم خلف هذه القوات في المدن، من المواطنين من ابناء الشعب العراقي، فالحديث عن استشهاد 140 عسكرياً وضابطاً كبيراً في منطقة سد الثرثار، استهدف بالدرجة الاولى، مشاعر الناس ومعنوياتهم بتذكيرهم بالشهداء الذين سقطوا باعداد كبيرة في ما يعرف بـ «مجزرة سبايكر»،وبعدها في «الصقلاوية»، وفي سجن «بادوش»، وربما مجازر عديدة أخرى يبحث الناس - حتى الآن- عن المسؤولين الحقيقيين وراء حصول هكذا مجازر، وسقوط ابنائهم قتلى في ظروف غامضة. وإذن؛ فقد استفاد «داعش» من اللقطات المنشورة عن مجازر «سبايكر» لاستحضارها في أذهان العراقيين، وإعطاء الاحتمال الكبير بصحة المعلومة الجديدة، واستشهاد عدد آخر من ابنائهم بسبب قصور وأخطاء في القيادة العسكرية.

ليس هذا فقط، بل تمكن «الدواعش» من نفث سمومهم وايصالها الى كربلاء المقدسة، على أن المدينة مهددة بهجوم وشيك، وأن «داعش» على أطراف المدينة...!

في ظل هكذا نوع من الحروب، ليس من الصواب توجيه اللوم فقط على الناس، بقدر ما يجب دراسة الاجواء المساعدة لانتشار الإشاعة، وكيف تتحول الإشاعة الى خبر مؤكد من شأنه تشريد عوائل بأكملها من بيوتها ومدنها، او التراجع عن مواقف وسط المعركة. فالإشاعة - كما هو معروف - هي جزء من الحرب النفسية، وهي مشابهة لحرب التجسس، فهذه وتلك لن تفلح، ما لم تتوفر الأرضية الصالحة لانتشار الإشاعة، ولحرية حركة الجاسوس وذوبانه في المجتمع، ثم الدولة وتحوله الى عضو موثوق، بل ومفيد ومؤثر، بحيث يسهل عليه جمع المعلومات الحساسة، حتى من أعلى المستويات في الدولة. وفيما يتعلق بالإشاعة، فان أرضيتها الصالحة، هشاشتها وفقدانها عناصر القوة التي يفترض ان توفرها الدولة من المعلومة الصحيحة والموثقة بشكل سريع عن آخر اخبار الجبهات وخطوط القتال، بما يفيد الناس ويخفي عن العدو تفاصيل المعارك. وهذا بحاجة الى ذكاء إعلامي خارق في ظروف كالتي نعيشها في العراق، يشترك فيه ثالوث الاعلام الناجح: الاعلامي ووسيلته الاعلامية، ثم الدولة ومصادر الحدث، ثم الجماهير وهم المخاطب والمستهدف من وسائل الاعلام. فالمسؤولية تقع على الجميع، فيما يجب ان يُقال ولا يقال، وما يصحّ تناوله من معلومات من سيل الكلام المتدفق من مئات القنوات الفضائية، وما لا يصحّ، بل يجب التشكيك به. والمشكلة - بالحقيقة- في العراق؛ إما الصمت وعدم الحضور الفاعل في موقع الحدث ونقل الوقائع، وإما الصراخ عالياً عند وقوع حدث ما يمسّ المشاعر والعواطف وتكون له مردودات سريعة، مثل سقوط قتلى باعداد كبيرة، او احداث لها صلة بالمال والسلطة والفساد الاخلاقي والسياسي.


ارسل لصديق