جامعتنا ودور العلم في حسم المعركة ضد الارهاب
كتبه: فارس تايه علوان
حرر في: 2015/05/06
القراءات: 520

تحتل الجامعات اليوم موقعها المحوري والمتميز في حياة الشعوب. ولها يعود الفضل في دفع مسيرة التقدم المادي في حياة البشر الى الامام عن طريق ما تقدمه من علوم طبيعية، و كوادر وخبرات وعلماء في شتى ميادين الحياة، ترفد بها مراكز الدراسات والبحوث المختلفة والشركات العاملة في شتى مجالات الحياة، غير ان هذه الجامعات ليست على مستوى واحد في العطاء، فمنها ما هو جامعة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ومنها ما لو قيمنا انجازاتها المتواضعة؛ لقلنا انها لا تعدو كونها محاكاة لجامعة ليس إلا! وما بين هذا وذاك نجد درجات متفاوتة منها. والحقيقة ان معظم جامعاتنا الاسلامية لا تزال - وللاسف- لم تصل الى مستوى الطموح الذي ترتقي معه الى مصاف الجامعات العالمية المؤثرة في المسيرة العلمية العالمية، ولأسباب عديدة، مما انعكس سلباً على التطور الحضاري المادي في الامة؛ فاضعفها بين الامم الى حد مخجل وبائس، حتى باتت عاجزة عن توفير مستلزمات حياتها، فضلاً عن التفكير في مواجهة تحديات القوى المحدقة بها في العالم.

 

* التطوير ضرورة حضارية

من لم يطرق ابواب المستقبل بحزم، اقتحم المستقبل داره بقوة، وسواء أعددنا انفسنا لاستقبال التطورات العصرية التي لم يسبق لها مثيل، أم انطوينا على انفسنا، وعشنا في كهوف الاماني والذكريات، فان هذه التطورات سوف تلف حياتنا لانها اصبحت اليوم عالمية.

قبل قرون كانت اوربا تتطور، وكانت بقية شعوب الارض ونحن منهم في معزل عن ذلك. ولكن التطور اصبح اليوم سمة عالمية، لقد انتشر في كل مكان ودخل في كل بلد، بل في كل بيت، بل واصبح هوى في كل قلب، وتطلعا اساسيا لكل انسان. لقد استطاع الانسان الذي سخر له الله سبحانه ما في الارض جميعا، ان يهيمن على الطبيعة، يغور في أعماق المحيطات ويمور في آفاق الفضاء، ويفلق الذرة، ويسخر الرياح، ويلين الحديد، ويستخدم الالكترون، والى جانب ذلك أمسى الانسان أقدر على تدمير حياته بيده، حتى باتت وسائل التدمير الحديثة، قادرة على إفناء الحياة من وجه الكرة الارضية عدة مرات. وكل شعب يرى انه لو تطور فإن آفاق الرفاه تنتظره، ولو تخلف فان وسائل الدمار تفنيه.

لقد عصفت بالبشرية ثورتان عارمتان الاولى عندما اكتشفت الزراعة، والثانية باختراع الصناعة الحديثة. واليوم ثورة الذرة والنواة والثورة الالكترونية. والثورة المعلوماتية والتخصصات الدقيقة كافة.

وأخشى ان نفيق في لحظة لنرى انفسنا طافحين فوق امواج سيل هادر من التطورات. وبناء على ذلك فانّ عصرنا الآن يختلف عمّا كان عليه قبل ثلاثين عاماً، وكما انّ هذا العصر قد اختلف، فعلى اهل العصر ايضاً ان يتغيّروا، أمّا اذا اراد الانسان ان يعيش عيشة الاجيال السابقة لكان مصيره الفشل الذريع. وتتحمل الجامعات دوراً اساسياً في هذا التطور.

 

* الشعور بالمسؤولية بداية التغيير

إننا اليوم يائسون من الأنظمة، فلو كان بإمكانها أن تفعل شيئاً لفعلته حتى الآن، ولو كانوا صادقين في شعاراتهم لحققوا جزءاً منها على الأقل، ولما تردّت أوضاعنا يوماً بعد آخر، ورجاؤنا الحقيقي في الله تعالى أولًا، ثم في الشعوب المؤمنة ومؤسساتها وعلى رأسها الحوزة والجامعة. فكل واحد منّا لابد أن يراجع حساباته من جديد، ويفكر في مستقبل أمته، فمن لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم. وعلى هذا فإن الاهتمام هو بداية المسيرة التغييرية، فكل واحد منّا يجب عليه أن يفكر في امته وفي تخلفها في جميع جوانب حياتها، وكيف نُعيد امتنا هذه إلى سابق مجدها، فالمهندس المسلم الذي يذهب إلى الغرب لابد أن يفكر كيف يعود بأفضل مستويات العلم والتجربة من الغرب، وهكذا الحال بالنسبة إلى أساتذة الجامعات، والطلاب، والعمال، والفلاحين، فالعامل والفلاح ينبغي أن يفكرا في مستقبل امتهما، فالعامل الذي يفكِّر في زيادة الأجور، والفلاح الذي تكون الراحة همّه الأول، مسؤولان عن تخلف الأمة. إننا جميعاً مسؤولون عن هذه النهاية التي آلت إليها امتنا.

والحل يكمن في التضحية من أجل دعم الصناعات المحلية، حتى وإن كلف الأمر تحمل تكاليف اكثر من المستورد، وايضاً في سحب أرصدتنا من الخارج، واستثمارها في داخل بلداننا في مجال الصناعة والزراعة.

 

* دور الجامعات في مقارعة الارهاب

لو لم تصبح القضايا اليومية الملحة من ضمن اولويات دراسة الجامعات، ولم تعالجها بشجاعة و حكمة، فان الجامعات لن تحقق التقدم المنشود، فليست مسؤولية الجامعات قراءة ما يكتشفه الغرب من اختراعات فحسب، وليست مسؤوليتها إعادة كتابة المشاكل التي مرّ بها الماضون، كما هو سائد اليوم في جامعاتنا. وانما عليها ان تهتم بمشاكل محيطها وايجاد الحلول لها، وما تعانيه بلداننا بالدرجة الاولى، اذا ما ارادت حقاً، ان ترتقي بمستواها العلمي وتخدم بلدانها، ولعل من مشاكلنا البارزة اليوم هي مشكلة الارهاب، والفكر التكفيري، وسبل مواجهته ودحره، وهذا ما يستدعي التفكير بجدية في انتاج وسائل الردع والدفاع عن النفس، لذا تأتي الصناعات العسكرية في مقدمة المشاريع المطلوبة في هذا الطريق.

في ظل الاوضاع التي نعيشها صار من الضروري للجامعات توجيه جهدها العلمي، في الاقسام ذات الصلة، لاسيما في علوم الفيزياء والكيمياء، لخدمة التصنيع العسكري ودعم هذا القطاع الانتاجي، بما يحقق الاكتفاء الذاتي، وصار لزاما على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الاهتمام بهذا الامر، من خلال فتح كليات متخصصة بالصناعة العسكرية، وكل بحسبه. كما يفترض بوزارة الدفاع هي الاخرى ان تقوم بفتح كليات خاصة بالصناعة العسكرية تابعة لها، وتقوم بسد حاجاتها الصناعية مباشرة، وهو الاسلوب الامثل والانجح لاحياء هذه الصناعة ونجاحها. وينبغي ان يتم اختيار طلبة هذه الكليات من المتميزين في الكليات الاخرى، ممن يظهر عليهم اهتماماً بالصناعة العسكرية وهي خطوة ليست بالصعبة اذا ما توفرت الارادة الحقيقية لتنفيذها.

طلبة هذه الكليات من جانبهم، ممن لهم علاقة بالصناعات العسكرية كطلبة الهندسة والاتصالات والكلية العسكرية والكليات التقنية والفيزياء والحاسوب وغيرها، ان يستشعروا عظيم المسؤولية؛ فيجاهدوا في سبيل الله بالعلم، الى جنب اخوانهم المجاهدين في جبهات القتال، فمنجزاتهم العلمية ستقلل دماء المقاتلين وستعزز النصر.

 

* دعم القوات المسلحة اعلاميا

تعيش شعوب العالم اليوم، ما يُعرف بـ «القرية العالمية» نظراً لتطور وسائل الاعلام والاتصال الالكتروني الذي قرب المسافات الى حدٍ كبير جداً، وجعل الناس جنباً الى جنب، تتماوج افكارهم وعواطفهم، وتتواصل تجاربهم و اخبارهم؛ وبسبب هذا الدمج المركز، اصبحت القوى السياسية اقدر على مصادرة حرية الناس، والتحكم بشؤونهم. ففي السابق لم تكن الانظمة الديكتاتورية قادرة على ضبط سلوك الناس، كما تفعل اكثر الانظمة حرية اليوم. صحيح ان الاساليب تغيرت ولكنها بالتالي تفقدك حريتك ‏في التصرف. لقد اثبتت المعارك والحروب الاخيرة في العالم ان الحرب الاعلامية لها موقع الصدارة فيها؛ لما لها من تأثير بالغ الخطورة على معنويات المقاتلين سلبا وايجابا؛ فرب كذبة اعلامية هزمت جيشاً أو نصرت آخر. ان ما يتميز به الارهاب اليوم هو وجود شبكة اعلامية كبيرة تدعمه بشتى اساليب الكذب والتحريف الاعلامي وعلى رأسها قنوات فضائية معروفة للجميع.

الا ان الجديد في الامر ان الارهاب استغل وسائل التواصل الاجتماعي أيما استغلال، حقق فيه نصراً اعلامياً مشهودا، وحقق تبعاً له تقدماً عسكرياً ملحوظاً في اكثر من مكان، فقد وصل عدد مواقعه على الشبكة ارقاما خيالية، وجميعها تنشر الفكر المتطرف المنحرف، حتى ان معظم من تم تنظيمهم للارهاب كان عن طريق الشبكة العالمية.

يقابل ذلك نشاطاً غير منظم وغير مدروس لاعلامنا فكانت آثاره سلبية. واليوم يستطيع طلبة الجامعات ان يقوموا بدور جهادي بالغ الاثر عن طريق استغلال مواقع التواصل الاجتماعي؛ لتحقيق غايتين اساسيتين، كفيلتان باضعاف داعش الى حد بعيد على المستوى القريب، والقضاء عليها على المستوى البعيد؛ الاولى: فضح داعش، وكشفها على حقيقتها بانها عبارة عن فكر منحرف مأجور ومنظم بشكل مدروس من قبل اعداء الامة الاسلامية، جاء للقضاء على الاسلام والامة الاسلامية، وتشويه الاسلام لوقف انتشاره، أولاً؛ وتكريهه في نفوس الآخرين ثانياً. والغاية الثانية التي يجب ان يظهرها الاعلام الطلابي الجامعي هو نشر فضائل واخلاق النبي الاكرم وآله، صلوات الله عليهم، فإمامنا الرضا، عليه السلام، يقول: «...فان الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا...». وثمة أمر في غاية الاهمية، وهو ان يكون اسلوب النشر مقبولاً، فان الاسلوب المتشنج لايحقق أثره بل يأتي بنتائج عكسية؛ فيضيع الحق، ويرسم صورة مشوهة عن اهل الحق وهذا ما يبتغيه العدو.

والحقيقة اننا قد اخفقنا اعلامياً والى حد بعيد في بيان حجم مظلوميتنا للعالم، فضلا عن تسويق تلك المظلومية وتسخيرها لايقاف ذلك الظلم الواقع علينا، وادانة الدول الداعمة، رغم حجم القتل والمظلومية التي تعرضنا لها، وهذه المسؤولية تقع على عاتق مؤسساتنا الاكاديمية والتعليمية، وفي ظل توفر مواقع التواصل الاجتماعي للجميع فان هذا العبء ينبغي ان ينهض به المثقفون وبخاصة طلبة الجامعات.

 

* دعم المقاتلين والاهتمام بعوائلهم

ان العامل النفسي عامل مهم في حسم المعركة وتحقيق النصر. وتتفنن الدول والمجتمعات في اساليب الدعم لجنودها وعوائلهم، من اقامة المؤتمرات والندوات، ونظم القصائد، وانتاج الافلام والمسرحيات، والزيارات الميدانية، وصولاً الى الدعم المادي للمقاتلين وعوائلهم، والاهتمام بعوائل الشهداء ورعايتهم. واليوم فان علينا مسؤولية توفير هذا الدعم المعنوي للمقاتلين مستفيدين من التوزيع والانتشار الجيد لطلاب الجامعات بين الناس، حيث لايكاد يخلو شارع من عدد من الطلاب، فهذا الانتشار يسهل القيام بمسؤولية الدعم النفسي من خلال زيارة المقاتلين في بيوتهم اثناء اجازاتهم، والثناء على دورهم المشرف، والاهتمام بابنائهم ورعايتهم، وقد يكون كتابة لافتات الثناء عليهم في الشوارع وعلى المحلات والمؤسسات أمراً غاية في الروعة، وتوديع افواج المتطوعين واستقبالهم، وتأسيس لجان في المناطق لعلاج المصابين منهم، وتوفير معاشاتهم، كل هذه امور في غاية الاهمية للفوز بالمعركة، ومن بين خير من يقوم بهذه المهمة هم طلبة الجامعات. وقد يكون من المهم ان تتولى رئاسات الجامعات تنسيق هذا الجهد بين الطلاب تنسيقا غير مباشر من خلال تشجيع الطلاب واعطاء الحوافز عليه.

 

* شمولية الاستعداد للمواجهة

واذا كانت الصناعات العسكرية، من المسؤوليات الاساسية للجامعات؛ لدعم القوات المسلحة وكذا المسؤولية الاعلامية، فان التقدم الحضاري المادي في جوانب الحياة الاخرى لاتقل اهمية؛ وذلك لتشابك نواحي الحياة كافة وشمولية المعركة، فبدون زراعة تؤمن لنا الامن الغذائي وما يتصل بها من صناعات اخرى، فان عوامل النصر تنحسر، وكذا بدون صناعة مدنية قوية تؤمن لك حاجات البلاد التي تغنينا عن الحاجة الى غيرنا، وكذا اتصالات ومواصلات حديثة، وبنى تحتية، وتقدم صحي وغيرها، وهذا كله مرهون بتحمل الطلبة لمسؤولياتهم، ونهوض الجامعات من جديد. وقد يكون تأسيس الوزارات والمؤسسات والشركات المختلفة لكليات خاصة بها، يعد بوابة التقدم والانطلاق الواعد الى الامام، حيث تنصب وتتمحور مناهجها حول ما تحتاجه هذه الوزارات والشركات من اعمال تخصصية، اضافة الى تأسيس مراكز الدراسات المتخصصة، حيث ان معارك اليوم وكما هو معلوم، معارك شاملة ثقافية وفكرية و زراعية وصناعية وصحية واقتصادية واجتماعية علاوة على انها عسكرية.

 

* الجامعة والدور الثقافي والاجتماعي

يسعى البعض الى إبعاد الجامعات وطلبتها واساتذتها عن دور اساسي من ادوارهم كمثقفين، ألا وهو دور التفاعل مع الاحداث وتحمل مسؤولياتهم الشرعية والوطنية، والقول: ان الجامعة هي مؤسسة علمية، ولا يصح ان تتفاعل مع أي شيء آخر، عدا أخذ المعلومة، ولو احترقت البلاد والعباد. وقد يكون هذا التوجه لدى البعض انما هو بحسن نية؛ لابعاد الجامعة عن التجاذبات، إلا ان النتيجة على ارض الواقع، هي إبعاد هذه الشريحة عن مسؤولياتها، وتخلي هذه المسؤسسة عن شعورها واحساسها الشرعي والوطني، ففي الظروف الحرجة، وحالة الطوارئ تضيف على كل المؤسسات أعباء اضافية وفق ما يتطلبه الموقف. فحري برئاسات الجامعات ان تتحمل مسؤولياتها المضافة وتكون عامل دعم وتفاعل بدلا من ان تكون عامل تقييد وتثبيط.


ارسل لصديق