الحوزات العلمية في الطليعة
الفكر المقاوم في حركة الرسالات الالهية
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2015/05/06
القراءات: 662

قسمان من الناس في مجتمعنا، تَعقد الدهشة ألسنتهم، وترفع حواجبهم حتى قمة رؤوسهم، حين يكون الحديث عن حركة تغييرية وثورية، كانت لدى الانبياء او الائمة تهدف الى إسقاط حكم الطاغوت، وإقامة العدل والحرية وتحكيم القيم والمبادئ في المجتمع.

القسم الاول: يتمثل في الجيل المتزمّت، الذي لم يفهم الدين، فهماً شاملاً ومتكاملاً، وإنما أخذ جزءاً منه، وترك أجزاء اخرى، ثم إن قسماً كبيراً من ابناء الأمة، ونظراً لظروف التخلّف الفكري والثقافي، فهم الدين فهماً خاطئاً، وذلك لاسباب نفسية وموضوعية عديدة.

ومن أجل تعليل اسلوب حياته، وتبرير طريقة معيشته اليومية، القائمة على الاهتمام بالجوانب الشخصية في الشؤون العبادية من الدين، وترك الجوانب العلمية والعملية، نراه يلجأ الى تفسير الدين بطريقته الخاصة.

وكما فهم الدين فهماً خاطئاً، فإنه فهم سيرة حياة القادة ايضاً، فهماً خاطئاً، فثمة شريحة كبيرة بالمجتمع، عندما تقرأ الكثير من الكتب التي تتحدث عن حياة الرسل او الائمة، لا ترى في شخصية هؤلاء، السمات الحقيقية لهم، وفي مقدمتها سمة القيادة، بقدر ما يرون شخصية الكاتب وأفكاره «تقولبت» في إطار تاريخ حياة هؤلاء القادة!

مثال ذلك؛ الكاتب الفقير، إذ نراه يؤكد على دور التكافل والتعاون في الاسلام، وأن «الفقراء أحباب الله»؛ ولكن الكاتب الغني والميسور الحال، نراه يقوم بالبحث والتنقيب عن أي حديث ورواية وموقف من الإمام المعصوم، تثني على الاغنياء، او أن أحد الأئمة كان يهتم بمظهره وملابسه، وهكذا...

 

* الأنبياء وتجربة الثورة

من هنا؛ يمكن القول: إن أمتنا، في الفترة السابقة، ورثت افكار الخنوع والركوع من اجيال التخلف الماضية.

لذلك نشهد عجزها عن الحركة والتغيير. لذا بات طرح فكرة أن لأولياء الله - تعالى- تيارات وحركات عاملة ضد الحكام الفاسدين في عصورهم، مجرد طرح الفكرة، مدعاة للاستغراب ومثار للدهشة والاستنكار.

أما القسم الثاني: فهو الجيل المنهزم؛ الذي نشأ في ظل ردود فعل خاطئة على الظروف التي عاشتها امتنا الاسلامية، فأصبح لا يرى الامور إلا من خلال منظار التشاؤم والاحباط، ولا يرى في الواقع شيئاً حسناً وايجابياً يبعث على التفاؤل، بينما نلاحظه متأثراً بالنموذج الاجنبي، وتجارب الحياة خارج بلاده.

هذا الجيل، ايضاً يصاب بالدهشة عندما يسمع بأن الانبياء والرسل والأئمة ومن بعدهم، قادوا ثورات ونهضات اجتماعية وسياسية عارمة، غيّرت وبنت وأسست، لانه - ببساطة- لا يعلم ثورة، قبل الثورة الفرنسية، التي أسست للفكر العالمي، او الثورة الصناعية في بريطانيا والمانيا، التي جاءت بالتقنية الحديثة وغيرت حياة الانسان، وبالنتيجة؛ فإن الثورة - في تصور هذا الجيل- إنما هي تجربة جاءت الينا من «وراء البحار»!

هذان الجيلان، غاب عن ذهنهما، أن الهدف من بعثة الانبياء، والغاية من كل التضحيات والجهود التي قدموها، بل ووجود 124الف نبي ورسول، فلم يكن هدفهم تحقيق الخير والرفاهية للناس فقط، وان كان هذا أحد أهدافهم، كما لم يكن هدفهم إسقاط الحكام الطغاة، والقساة، وان يزيلوا المستكبرين عن رقاب المستضعفين فقط، مع أن هذا ايضاً؛ كان أحد أهدافهم، إنما الهدف الاساس لرسالة الانبياء، عليهم السلام، القيام بثورة تغيير شاملة لكل نواحي المجتمع البشري، فهي تشمل الفكر، كما تشمل السلوك والاخلاق وجميع جوانب الحياة، لكي تتحقق للانسان حريته وكرامته وحياته الهانئة في ظل عبادة الله، وهذا مصداق الحديث المروي عن أمير المؤمنين، عليه السلام: «ان ينقلوا الناس من عبادة العباد الى عباد رب العباد»، ثم تتحقق الآية الكريمة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}،(سورة الذاريات/56).

 

* بين الفكر المقاوم وفكر السلطة

وكلنا يعلم، ان التغيير الشامل يبدأ بالقاعدة وينتهي بالقمة. بمعنى؛ انه يبدأ بالجماهير وينتهي بسقوط حكم الطاغوت، عبر نشر ثقافة المقاومة، وبغير ذلك لن يكون التغيير شاملاً. فلا يمكن ان تتغير الجماهير وتتمسك بدينها وتمارس حريتها، وتصل الى حيث يريد منها دينها، مع وجود السلطة الطاغية على رأس البلاد. فالكيان السياسي الحاكم الذي تمثله السلطة، عادة ما يكون مسيطراً على الحياة العامة، لاسيما الجانب الفكري الذي يمثل الموجه للتصرفات والافعال والمواقف، إن لم يكن هناك إعلام وفكر مقاوم للفكر الحاكم، نظراً الى أن السلطة، تمتلك امكانيات وثروات البلد، وتوظفه لتكريس ثقافتها وفكرها من خلال وسائل الاعلام الخاصة بها، وايضاً وسائل التأثير الاخرى، مثل الدعاية والاشاعة والترويج.

وتمثل العلاقة بين الحاكم والجماهير- كما جاء في روايات عديدة- كعلاقة منبع النهر والقنوات المتفرعة، فإذا كان منبع النهر صافياً، عذباً، كذلك تكون القنوات، أما اذا كان مُرّاً علقماً، فإن القنوات لن يكون حالها بأفضل من النبع.

ولهذا نلاحظ أول ما يواجهه الانبياء والرسل، عليهم السلام، من مجتمعاتهم؛ التكذيب والاستهزاء، وحتى التهديد بالموت، ولفترة قد تطول وقد تقصر من الزمن، وذلك بفعل سيطرة الاعلام الجاهلي على المجتمع، لتوسيع الفجوة بين المجتمع وبين حركة الانبياء. وهذا ما نلاحظه اليوم، في مجتمعاتنا الاسلامية، حيث نلاحظ موقف الرفض والعداء من الشعوب الخاضعة لإعلام السلطات، إزاء الثوار والمجاهدين والمصلحين. 

ولنا أمثلة عديدة في عدة بلاد اسلامية، منها ايران؛ ففي الفترة التي سبقت اندلاع  الثورة الاسلامية، حيث كان النظام الملكي الفاسد، هو سيد الموقف، كانت ثمة شريحة في المجتمع الايراني تراقب الشباب المعارضين والعاملين مع قادة الثورة، وتشي بهم لدى الاجهزة القمعية لاعتقالهم، لانهم في نظرهم أناس «مخربون ومجرمون». وتكررت التجربة في العراق، في ظل حكم حزب البعث البائد، وإبان سطوة الطاغية البائد، كذلك في زمن حكم حزب البعث المقبور، و إبان سطوته على الشعب العراقي، وذلك لهيمنة الاعلام المضاد والطاغوتي عليهم. ولكن؛ لنلاحظ  الموقف أثناء أحداث الثورة في ايران، وتصاعد وتيرة التظاهرات والاحتجاجات في الشوارع والجامعات في مختلف مدن ايران، بدأت عملية التفاعل الجماهيري مع الثورة والثوار، فاضحت البيوت، الملجأ الأول للمتظاهرين والمعارضين، المطاردين من قبل عناصر جهاز «السافاك» البائد.

ولكي يتكامل التغيير المطلوب، كان لابد من مقارعة أنظمة الجور والظلم، بهدف الاطاحة بها، وهذا ما أكده القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر. وهذا تحديداً؛ كان دور الانبياء، عليهم السلام، خلال أداء رسالاتهم السماوية، فهم خلال مشروعهم التغييري في مجتمعاتهم، كانوا يفكرون في إزالة الطواغيت وأئمة الكفر، فكان أمام  ابراهيم، عليهم السلام، «نمرود» فيما كان أمام موسى، عليه السلام، «فرعون»، كما كان أمام نبينا الأكرم، صلى الله عليه وآله، ابو سفيان وكفار قريش.

 

* الحوزات العلمية ومشروع المقاومة

وهنا لابد أن نتساءل؛ هل كنّا نتوقع ان يواجه الانبياء، عليهم السلام، هؤلاء الطواغيت الذين كانت لديهم القوة العسكرية والامكانات المالية، والتخطيط، ببعض الخطب والكلمات ليسقطوا عروشهم؟! وهل نتوقع ان يقاوم رجل لا يملك شيئاً مما في يد طاغوت، ثم ينتصر عليه دون توفير مقدمات الانتصار؟!

للجواب نقول: صحيح ان الله مع الانبياء والمؤمنين، وإنه - تعالى- وعدهم بنصره، ولكنه طلب منهم، لكي ينصرهم، ان يعدّوا العدة للعدو ما استطاعوا الى ذلك سبيلا:  ﴿...من قوة ورباط الخيل وغيره، واذا لم تكن القوة متوفرة، فالله يطالبهم على الأقل بتوفير الخطّة والتنظيم الجيد للمواجهة.

ونستطيع القول: ان الفرق الوحيد بين مشروع التغيير في عهد الانبياء والأئمة، عليهم السلام، وبين مشروع التغيير لدى التيارات الرسالية في الوقت الحاضر، انما هو في الشكل والتعبير، أما المضمون والجوهر فهو واحد.

إن هناك أوجهاً من الشبه بين حركات الانبياء وحركات أحفادهم و اتباعهم الرساليين، الذي تقودهم وترعاهم الحوزات العلمية الفاعلة والناهضة في الوقت الحاضر؛ هذه الأوجه قد يتصل بعضها بالمنطلقات، كون الحركات والتجمعات الايمانية الحالية تنطلق من تلك المبادئ التي تحرك الانبياء والمرسلين، عليهم السلام، في ضوئها، وعلى رأسها، توحيد الله - سبحانه-.

وقسم يرتبط بطبيعة نشوئها واهدافها، حيث انها تنشأ في وسط القلوب المنكسرة والجماهير المستضعفة، وتهدف الى تحريرهم و إسعادهم في ظل دولة ترعاهم قيم الله.

ان الحركات الرسالية المقاومة للطواغيت، تنشأ وتنمو وتتكاثر وسط الفئة المسحوقة المستضعفة، فهي الفئة الناقمة على الوضع السائد، ومن هذا المنطلق تثور لتغييره. كما كان الانبياء والرسل، عليهم السلام، حيث كانوا من الطبقة المستضعفة، ويمتهنون مهنة رعي الاغنام، إلا ادريس فإنه كان خياطاً، وهذا ما أثار حفيظة الكافرين المعارضين لرسالة الانبياء وثورتهم التغييرية.

فعن النبي موسى، عليه السلام، يقول فرعون - كما جاء في القرآن الكريم-: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ}،(سورة الزخرف/52). وعن رسول الله، صلى الله عليه وآله، يقول كفار قريش، - كما في الآية الكريمة-: {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}،(سورة الزخرف/31) وترى أن قوم نوح، عليه السلام، ينكرون على نبيهم، أن يجمع حوله الفقراء والشريحة المستضعفة في المجتمع، ويتخذون هذا مبرراً لكفرهم: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ}،(سورة هود/27) بل كانوا يطالبونه بطرد المؤمنين المستضعفين لكي يمكن الجلوس معهم والاصغاء اليهم.

من هنا؛ فان من يتوقع النصر الحقيقي، سواءً في المواجهة مع أنظمة الحكم الفاسدة، أو خلال الحرب ضد التيارات الضالة، ومنها ما نلاحظه اليوم تحت عنوان «داعش»، فما علينا إلا ان نعود بمشروع المواجهة الى منطلقاتها الصحيحة، لضمان الانتصار والتغيير الشامل في المجتمع والحياة، كما فعل الانبياء والرسل والأئمة والقادة المصلحون من بعدهم.


ارسل لصديق