التكفير، جريمة يوظفها جهلاء الدين والسياسة
كتبه: الشيخ حيدر الشمري
حرر في: 2015/05/07
القراءات: 753

* المقدمة:

 من المؤكد أن الإنسان حينما يريد ان ينطلق في أي عملٍ، فإنه لابد ان يبدأ من خلفية تعطي المبرر لذلك العمل، لكي لا يقع في حساب الضمير الذي لا يفر منه حتى أبالسة الزمان.

وحينما ننظر في الخلفيات الفكرية لكل واحد ممن تبنّى الفكر التكفيري، فانه ينطلق من زاوية ضيقة جداً، وهي التوظيف الديني للنصوص الشرعية، سواء أكانت من القرآن الكريم أو من السنة الشريفة أو حتى من السيرة النبوية رغم أنَّ السيرة فيها الكثير من المواقف العملية المناقضة لذلك، في محاولةٍ منهم بغية الربط بين الخلفيات السيكولوجية النفسية الذاتية مع المتصيد من المفاهيم من تلك النصوص.

وقد يتساءل البعض لماذا يجري هذا التوظيف وما هي الغاية في ذلك؟!

وهذا سؤال جدير بالاهتمام ولابد من الإجابة عليه بشيء من الموضوعية. وقد نقول للوهلة الأولى في الاجابة على ذلك السؤال: انَّ هناك عوامل شخصية ذاتية هي التي كانت الدافع الاول في مثل ذلك المنهج من التكفير، كما جرى مع «سيد قطب» الذي غيّر الكثير من افكاره بعد خروجه من السجن، ونيله أشد العذاب فيه - حيث قال في كتابه «ضلال القرآن»: «لقد استدار الزمان كهيئة يوم جاء الدين بلا إله الا الله، فقد ارتدت البشرية الى عبادة العباد والى جور الاديان ونكصت عن: لا إله الا الله...». هذا أولاً؛

وثانياً: هناك توظيف سياسي ارتبط تاريخياً مع ذلك المنهج من التكفير، كما نرى ذلك في أول جماعة تبنته وهم الخوارج، وفي نظيرتها الحركة الوهابية. وخصوصاً عند مفكري هذه الحركة في الآونة الأخيرة. وهذا ما نحاول البحث عنه في هذا البحث المتواضع والمختصر.

 

* التوظيف الديني للنصوص الشرعية لتكفير الآخر

لا يمكن لأحدٍ أن يقول أن الدين الاسلامي، هو دين يدعو الى الارهاب و التكفير للآخر، إلا في حالة قلب المنظومة المفاهيمية عند الانسان، وفق الماورائيات والاهداف والاغراض الشخصية. هناك بعض النصوص التي حاول البعض أن يرضي من خلالها تلك الغريزة الدموية والعقدة النفسية التي أججت تلك الحالة النرجسية، حيث باتت تُشعر صاحبها أنه الوصي على الانسان وأنه من ألقي على عاتقه التجديد في هذا الدين.

ومن هذه النصوص الشرعية التي جاءت في القرآن الكريم:

(وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللهِ إلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ). (سورة يوسف/ 106)

وكذلك: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ)،( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ)،( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ)،(سورة المائدة/ الآيات 44-45-47)

وقد استدلوا بهذه الآية لكي يبرروا قتل مخالفيهم ومناوئيهم في السياسة: (إ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ

فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)،(سورة المائدة/ آية 33)

كل هذه الآيات التي اخترناها وكذلك العشرات غيرها، حاولوا أن يسوقوا مفاهيمها بالاتجاه السياسي الذي يتبنونه، خصوصاً أن اكثر هذه الآيات جاءت وهي ترسم معالم الصراع بين القيادة النبوية المتمثلة بشخص النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، من جهة، وبين الكفار والمشركين من جهة أخرى.

وبالتالي، حاولوا ان يوظفوها باتجاه كل من يخالفهم ويثبتوا كفرهم، خصوصاً اذا عرفنا إن هناك علاقة وطيدة بين العقيدة والسياسة عند تلك التيارات التكفيرية، والتي تدعو الى اقامة تلك الحكومة الدينية الممزوجة بالأفكار الميكافيلية.

 

* شواذ الأمة والمنهج التكفيري

كما أن هناك في كل مكان نبيٌاً ورسولاً ومؤمنين صالحين، كذلك هناك منافقون متمردون وشذاذً مبتدعون، يحاولون أن يجدوا لهم مكاناً في التأريخ، حتى وإن كان على حساب الابرياء والمساكين.

وقد جاء التأريخ يحدثنا عن نشأة الانحراف في التكفير منذ وقت مبكر في تأريخ الامة، وذلك بخروج الخوارج على أمير المؤمنين على بن أبي طالب، عليه السلام، سنة سبع وثلاثين، إثر تحكيم الحكمين في واقعة صفين، فأنكروا عليه هذا، وكفّروه، والحكمين، ومَن رضي بالتحكيم.

وكما يقول ابن كثير في «البداية» و «النهاية»: لما بعث علي، أبا موسى ومن معه من الجيش الى دومة الجندل، اشتد امر الخوارج وبالغوا في النكير على عليٍ وصرحوا بكفره.

وقد ذكر المحققون في «الفرق»: اجماع الخوارج على إكفار علي، وعثمان، وأصحاب الجمل، والحكمين، ومن رضي بالتحكيم، وصوب الحكمين، أو أحدهما.

وكما يقول الشيخ ابراهيم الرحيلي في كتابه «التكفير وضوابطه»: «ولذا، عد العلماء بدعة التكفير بغير دليل والغلو في ذلك هي اول البدع ظهوراً في تاريخ المسلمين».

وينقل كلام عن ابن تيمية: «ولهذا يجب الاحتراز من تكفير المسلمين بالذنوب والخطايا، فإنها أول بدعة ظهرت في الاسلام، فكفر أهلها المسلمين واستحلوا دماءهم وأموالهم».

ولقد وصفهم النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، كما روى البخاري، وصاحب مجمع الزوائد (6/228): «عن شريك بن شهاب قال: كنت اتمنى أن ألقى رجلاً من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وآله، يحدثني عن الخوارج فلقيت أبا برزة في يوم عرفة في نفرٍ من أصحابه، فقلت يا أبا برزة حدثنا بشيء سمعته من رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، يقوله في الخوارج. قال احدثك بما سمعت أذناي ورأت عيناي: أُتي رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، بدنانير فكان يقسمها وعنده رجلُ أسود مطموم الشعر عليه ثوبان ابيضان بين عينيه أثر السجود، فتعرض لرسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، فأتاه من قبل وجهه فلم يعطه شيئاً... فقال: والله يا محمد ما عدلت في القسمة منذ اليوم! فغضب رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، غضباً شديداً ثم قال: ... يخرج من قبل المشرق رجالٌ كأن هذا منهم هديهم هكذا، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لا يرجعون إليه ...، فإذا رأيتموهم فأقتلوهم! قالها ثلاثاً، شر الخلق و الخليقة، قالها ثلاثاً...).

ومن كل هذا نفهم أن التكفير هو بدعة ما ظهرت إلا على يد من هم أجهل الناس في الاسلام، ولا يعرفون حتى قيمة نبيهم بل يتهمونه بعدم العدل و الانصاف.

ورغم ما فعلوا، فان الامام علياً، عليه الاسلام، لم يعدهم كفاراً بل عدّهم منحرفين ومخطئين وقال قولته الشهيرة:

«لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطاه كمن طلب الباطل فأدركه» (نهج البلاغة الخطبة رقم 61) .

 

* الاسلام دين السلام

على خلاف ما فهمهُ التكفيريون فأن هناك العشرات من النصوص الشرعية التي وردت في القرآن الكريم والسنة الشريفة والتي تعد الضياء في ظلمة الأخيلة و الاوهام المنحرفة.

فقد جاء في القرآن الكريم: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)،(سورة المائدة /15- 16).

وكذلك: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ)،(سورة المائدة /32).

وكذلك (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً)،(سورة الاسراء/ 33).

ولعل أجمل ما يعبر به القرآن الكريم عن مشروع النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، هو أنه قال له (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ). ونحن أمة النبي أفلا يكون مشروعنا هو الرحمة.

وقد ورد في السنة الشريفة ما هو أكثر وضوحاً من الآيات المباركات، فقد جاء عن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: «بنيَ الاسلام على خصال: شهادة أن لا إله الا الله، وأن محمداً رسول الله والاقرار بما جاء من عند الله والجهاد ماضٍ منذ بعث رسوله الى آخر عصابة تكون من المسلمين فلا تكفروهم بذنب ولا تشهدوا عليهم بشرك».

وقد قال لعلي بن أبي طالب، عليه السلام،: حينما ذهب لمحاربة اليهود «قاتلهم حتى يشهدوا ان لا إله الا الله وأن محمداً رسول الله، وأن فعلوا فقد منعوا منك دمائهم وأموالهم الا بحقها وحسابهم على الله».

وقد وبخ النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، أسامة بن زيد الذي قتل امرءاً وقال له: أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله، وحين ردّ بأنه قالها عن غير يقين، أو قالها وهو خائف، قال له رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، موبخاً: فهل شققت عن قلبه ؟ في اشارة الى أن خبايا النيات موكولةٌ الى الله وحده.

وروى أبو هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، قال : «أمرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الا الله ، فمن قال لا اله الا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه ، وحسابه على الله»

وقال: صلى الله عليه وآله وسلم، «إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه «.

وأيضا : «ومن قذف مؤمناً يكفره فهو كقاتله». و»إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فهو كقاتله ولعن المؤمن كقتله» .

 

* الخاتمة

أن جميع المذاهب الاسلامية تعتقد بما جاء في تلك الاحاديث الشريفة وهي مذمة تكفير المسلم وأن من قال لا إله إلا الله فقد حقن دمه، ولم يشذ من الامة إلا خوارج الماضي وخوارج الحاضر، الذين قالوا بتكفير المسلمين تحت ذرائع مختلفة من دون معرفة بكتاب الله ولا سنة رسوله.

وكما قال الشيخ ابن تيمية: «فإن الايجاب والتحريم، والثواب والعقاب، والتكفير و التفسيق، هو إلى الله ورسوله، ليس لاحدٍ في هذا حكم، وإنما على الناس إيجاب ما أوجبه الله ورسوله، وتحريم ما حرمه الله ورسوله».

وكما قال الشيخ الرحيلي وهو من كبار علماء السلفية في كتابه التكفير وضوابطه :»ويُعد التكفير بغير دليل ولا مستندٍ شرعي من أخطر البدع وأشدها على الأمة، وذلك لاستباحة التكفيريين دماء، وأموال، وأعراض الأمة متقربين بذلك الى الله، معتقدين في ذلك أعظم الأجر والمثوبة من الله».

ولازالت الامة في واقعها المعاصر تعاني ما تعاني من هذا الانحراف الخطير، بسبب انتشار التكفير بغير دليل بين أوساط كثير من أفراد الأمة، خصوصاً الشباب منهم الذين تأثروا بأهل البدع واعتنقوا أفكارهم، حتى اصبح تكفير الحكام و العاملين تحت ولايتهم شائعاً عند هؤلاء، بل وصار الأمر الى تكفير العلماء القائمين بأمر الدين علماً وعملاً وفتوى وحسبة، ونصاً وتوجيهاً لأمة المسلمين وعامتهم، بل بلغت الفتنة بهؤلاء الى تكفير سائر المجتمعات الاسلامية المعاصرة من غير استثناء لفرد من افراد الأمة، بدعوى؛ أنه لم يبق في الناس اليوم دين ولا ايمان.

--------------

* باحث إسلامي


ارسل لصديق