(بَلْ هُمْ أَضَلُّ)
كتبه: مرتضى محمد
حرر في: 2015/05/07
القراءات: 734

حينما يخيّم الظلام، لا يكاد يرى المرء شيئاً، حتى أنه (إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا) ، ذلك أن العين لا يمكنها أن ترى شيئاً إذ لم تهتد الى الأمور بنور الشمس أو السراج!

وهذا هو حال كل من أطبق الظلام على عقله، (بَلْ هُمْ أَضَلُّ)، فهل يمكنه أن يرى الحقيقة، من أغلق نوافذ النور على عقله، فصار لا يرى الحق إلا باطلاً والمستقيم إلا مائلاً؟!

في مثل هذه الأيام، لا تحتاج الى الكثير لتثبت حقائق كهذه؛ فهي ـ مضافاً إلى كونها واضحة وجليّة ـ تكاد تكشف عن نفسها لكل بني آدم ساعة بعد ساعة.

فربما كشفت شاشات التلفاز ومواقع التواصل الإجتماعي وغيرها من وسائل الإعلام ـ أكثر من ذي قبل ـ الوجه الحقيقي لهذا النوع من البشر، عندما يطبق الظلام على عقله، كيف يتيه في ضلال مبين، فيلبس الإسلام «لبس الفرو مقلوباً»، كما جاء في تعبير أمير المؤمنين، عليه السلام، ويعمل بما يخالف كل قيمة إنسانية جاءت بها فطرته، و صدّقتها رسالات السماء السمحاء. فبدل أن يُحيي نفساً كان (من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)، صار يُزهق الأرواح جملة وأفراداً، غير آبه بما يفعل بل ويتقرب الى الله بسفك الدم الحرام، لا ولم يكتف بذلك، حتى يصنع من جرائمه أفلاماً يوثقها بأحدث التقنيات لكي لا يُتعب من بعده في توثيقها!

أما الأموال (التي جعل الله لكم قياما)، وأمر تعالى، بني البشر مخاطباً إياهم بأشد العبارات أن (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)، وضرب لبني آدم، مثلاً رائعاً في من ينفق أمواله (في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل)؛ هذا المال، أصبح نقمة لبني البشر، فصار دولة بين الفجرة والبغاة وأصبحوا (ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله)، ولا يخفى على أحد كيف تنفق أموال البترول لزرع الموت في أرجاء العالم.

والفروج التي أمر الله بأن تصان، واحتاط فيها كل فقيه في الأحكام، ومدح الله بها المؤمنون (الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم للزكاة فاعلون، والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم)، وحرّم النظر المحرم على الجنسين لصيانة الأعراض، صارت مُباحة كما كانت الجاهلية، فعادت «ذوات الأعلام»، لكنهن بثوب جديد ومن بلاد شتى، وصارت عدّة المرأة أن ينهي الأول حاجته، حتى يأتي الآخر! وبهذه الطريقة؛ ألبسوا النساء عندهم رداء «الجهاد».

لا تحدثني عن التعاون...! فليس التعاون على البر والتقوى، إلا مزحة عند هؤلاء القوم، بل لعله من المحرمات التي يستحق فاعلها الجلد، إنما التعاون كما أمر الله تعالى مقلوباً: (على الإثم والعدوان).

وبذلك تعرف حال سائر أحكام الدين وتعاليمه، فهي كلها فرع العدل الذي قد فُقد، فما من ظلم إلا وركبه هؤلاء الذين (ختم الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم غشاوة ولهم عذاب أليم)، فصاروا يلعبون بالفتاوى لعب الصبيان بالكرة، يتلاقفوها الواحد من الآخر، كتلاقف بني أمية خلافة الله على الأرض، بأمر من جدهم أبي سفيان -عليه وعليهم لعنة الله-.

فمن توزيع كوبونات الغداء مع رسول الله، صلى الله عليه وآله، لمن يقتل الرافضة! ومن توزيع قطع الجنة على من يذبح الأطفال، وحتى فتوى «النكاح جهاداً»، وتفخيخ المغرر بهم، وتفجيرهم دون علمهم، كل ذلك والقادم أفضع، ألم يقل العرب قديماً: «لو عشت أراك الدهر عجبا».

وبعد كل ذلك ـ وكل ذلك في بلاد المسلمين وبإسم الدين ورب العالمين ـ تُرى هل أحتاج الى أن أقيم الدليل على مقالتي؟!

نعم؛ ربما لا يرى كل ذلك فضيعاً، من كان الظلام مخيم على قلبه، والضلال غطى عقله فصار في تيه من أمره لا يرى المعروف إلا منكراً والمنكر إلا معروفاً.

أقول ـ واستعين بالله فيما أقول ـ إن واجب الأمة برمتها أن تعيد فتح منافذ البصيرة عند بني جنسهم، لينقذوهم من براثن الجاهلية، فما نحصد اليوم ليس إلا نتيجة طبيعية لغلق هذه المنافذ منذ أن أغلقت بعض الطوائف باب الإجتهاد خوف الفتنة. (ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين).


ارسل لصديق