الاخلاق والفقه ودورهما في بناء المجتمع المعاصر الصدق والكذب نموذجاً
كتبه: حيدر الرماحي
حرر في: 2015/05/10
القراءات: 735

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} (سورة السراء /80) .

حينما نريد أن نصنع زورقاً لنعبر به إلى الضفة الأخرى من النهر، حتماً سنغرق إذا لم نصنع زورقاً سليماً خالياً من العيوب. والاخلاق يمثل الزورق الكبير الذي يحمل الأمة الى بر الأمان، ومن أهم وأبرز العناصر الواردة في المنظومة الاخلاقية، «الصدق» في الحديث والمعاملة، بينما يمثل «الكذب» عنصر دمار وهلاك، عندما يهدد الامة بالسقوط الاخلاقي والتقهقر الحضاري. ولعل هذا يكون مصداق البيت الشهير من قصيدة الشاعر أحمد شوقي:

 

وإنما الأمم الاخلاق ما بقيت

فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 

* لنتعلم الصدق من مجتمع النبي الأكرم

نحن هنا أمام مفردتين هامتين؛ لطالما كانتا هما سر نجاح الأمم وتقدم الحضارات، فعلى امتداد الزمن يُعد الصدق أحد أوجه الحق، بينما الكذب يجسد الباطل، هذان المعياران غير قابلين للتغير والتحول مهما تغيرت الظروف أو تبدلت المواقع - بغض النظر عن حالات الاضطرار- فالصدق مفردة من مفردات الحق ، تجلت في رسول الله، صلى الله عليه وآله، فكان الصادق الأمين، الذي أنتج لنا حضارة كبيرة امتدت بأجنحتها الى الآفاق.

وقد تمكن رسول الله، صلى الله عليه وآله، من أن يصنع مجتمعاً رسالياً متماسكاً، ثَبَتَ بُنيانه على مجموعة من الأُسس كالتوحيد والعدل والنبوة وغيرها، وكان الصدق العامل الأبرز الذي قامت عليه كل هذه الأُسس القُرآنية. وذلك يظهر جلياً من خلال إطلالة سريعة على تفسير الآية آنفة الذكر، حيث قال المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي - دام ظله- في تفسيرها: أي «الإلتزام بالصدق في المواقف، في كل مدخل ومخرج منها هو أهم واجبات الرسول الرسالي، ولأن الإنسان يحتمل أن يدخل فيما يكرهه الله، أو يخرج عما يحبه الله، فهو بحاجة إلى حاجز يمنعه عن الانحراف، وهذا الحاجز إنما هو من عند الله سبحانه، والمراد من هذه الآية: يا رب... أدخلني في الأمور إدخالاً صادقاً، وأخرجني منها إخراجاً صادقاً» (1).

 

* التعرف على الصدق والكذب؟

  ومن الناحية الشرعية «فالصدق واجب والكذب من المحرمات «(2).

  أما تعريف الكلمتين «الصدق والكذب» اصطلاحاً عند أهل اللغة، فهو كالتالي:

الصدق لغةً: « الصِدْقُ خلاف الكذب. وقد صَدَقَ في الحديث. ويقال أيضاً: صَدَقَهُ الحديثَ. وصَدَقوهُمْ القتالَ. وتَصادَقا في الحديث وفي المودّة. والمُصَدِّقُ: الذي يُصَدِّقُكَ في حديثك»(3). وهو يعطي معنى المطابقة للواقع الحقيقي .

الصدق اصطلاحاً: هو الخبر عن الشيء على ما هو به، «وهو نقيض الكذب»(4). وقال الباجي :»الصدق الوصف للمخبر عنه على ما هو به»(5). وقال الراغب الاصفهاني: «الصدق مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معاً، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقاً تاماً»(6). «وهو اشرف الفضائل المرضية، ورئيس الفضائل النفسية»(7).

أما تعريف الكذب لغةً واصطلاحاً فهو:

الكذب لغةً: ذهب ابن منظور إلى أن الكذب نقيض الصدق وأن الكاذب يُجمع على كُذَّب ، حيث قال : «الكذب : نقيض الصدق ، كَذَبَ يَكذِبُ كَذِبا ... والأنثى : كَاذبِة وكَذّابة وكَذوب . والكُذَّب: جمع كاذب ، مثل راكع ورُكَّع»(8).

 

*  والكذب اصطلاحاً :

 ذكره احد فقهائنا وهو الشيخ الصدوق - رحمه الله-:» أن الكذب هو أن يخبر بكون ما لم يكن»(9). وقال آخر : "الكذب هو مخالفة ما هو ظاهر الكلام مع ما هو في الخارج"(10). وذكر العلامة المجلسي - رحمه الله- أكثر من تعريف للكذب فقال : «والكذب؛ الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه، سواء طابق الاعتقاد أم لا، على المشهور، وقيل : الصدق مطابقة الاعتقاد، والكذب خلافه، وقيل: الصدق مطابقة الواقع والاعتقاد معاً والكذب خلافه، والكلام فيه يطول»(11).

وعلى أساس الصدق والحق تأسست وقامت الحضارة الإسلامية في الجزيرة العربية «حيث شكل العرب اللبنات الأولى التي قام عليها البناء الحضاري الإسلامي . لكن قدرة العرب على بناء هذا الصرح الشامخ المهيب لا ترتبط بأساس قومي أو عرقي، بل بالرؤية التي حملوها والقيم التي التزموا بها، والمبادئ التي دافعوا عنها. لقد استطاع الرسول الكريم، صلى الله عليه وآله وسلم، مؤيداً بوحي السماء، وجهود أصحابه الصادقة من تغيير الرؤية التجزيئية، والمنظومة القيمية القبلية للمجتمع العربي الجاهلي، واستبدالها برؤية كونية توحيدية، ومنظومة قيمية إنسانية، تجلت عملياً في مجتمع المدينة وثقافتها العالمية»(12).

وبذلك حقق الإسلام نموذج المجتمع القائم على التضامن القيمي والتعاقدي ليحل مكان نموذج المجتمع القبلي القائم على مبدأ التضامن العضوي والعقدي.

وأهمية هاتين المفردتين في المنظومة المعرفية للإنسان المسلم تبرز من خلال آثارهما وما يحققاه على أرض الواقع، فالصدق كمفردة أصيلة لها أكبر الأثر في بناء العلاقات الاجتماعية المتماسكة من خلال ما توحي به هذه الكلمة من التزام قول الحق والصدق في الحديث والعمل والوفاء بالوعد، ومن خلال ما تثمره هذه المفردة الطاهرة حيث يكون الإنسان الصادق مقبولاً في المحيط الاجتماعي ومحط احترام الجميع دون استثناء، والمثال التاريخي الأبرز لهذه الحالة هو سيرة سيد الكونين محمد، صلى الله عليه وآله، فرغم أن قريشاً ومن تحالف معها حاولوا أن يخدعوا الناس بأن النبي، صلى الله عليه وآله، كاذبٌ في دعواه ولكن لم تنفع معهم هذه المحاولة، والسبب لأن الرسول ،صلى الله عليه وآله، كان معروفاً فيما بينهم وقبل بعثته بالصادق الأمين. ولو لم يكن كذلك لما بعثت إليه خديجة، رضوان الله عليها، وأمنته على مالها وثروتها ليعمل في التجارة .

وهكذا تكون النتيجة عكسية بالنسبة الى المفردة الأخرى (الكذب)، حيث تنتزع عمن يتصف بهذه الصفة قداسة الاحترام، ويكون غير مرغوب فيه اجتماعياً ولا محط اهتمام وثقة الآخرين، وتنهدم كل علاقاته الاجتماعية والأسرية. وكل إنسان له أهداف عديدة، ولا يتمكن من تحقيقها إلا عبر التوافق الاجتماعي، وكيف يكون التوافق الاجتماعي اذا لم يكن الإنسان صادقاً في معاملاته مع الآخرين. فالصدق واستقامة اللسان علامة على سلامة القلب وحسن السريرة، كما ان التواء اللسان، ليس إلا أثراً من آثار التواء القلب واعوجاجه. فمرجع الكل إلى الإيمان وعدمه.

 

* الكذب هو الكذب

والكذب ليس فيه حالات مختلفة، فالكذب هو كذب على كل حال، وليس فيه جدّ وهزل، وهو يسقط المروءة، ويصادر كرامة الإنسان، ولذلك يقول الإمام أمير المؤمنين، عليه السلام: «لا يجد عبد طعم الإيمان، حتى يترك الكذب، هزله وجدّه»(13).

 ولا عجب بعد ذلك ان تأخذ هذه المفردة موقعاً قبيحاً جداً في النظام المعرفي للفرد المسلم، لما تحمله هذه المفردة وما تستبطنه من قبح السريرة وخبثها، لذا جاء وصفها في رواية الإمام الباقر، عليه السلام، بأنها شر من الخمر، حيث قال، عليه السلام: «إنّ الله عزّ وجلّ جعل للشرّ أقفالاً، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، والكذب شرّ الشراب»(14)

 

* ولكن من هو الكذّاب ؟! 

الكذّاب، على وزن فعّال، أي من كان كثير الكذب. لأنه في بعض الاحيان قد يفلت زمام اللسان من يد الإنسان فيكذب كذبة ثمّ يندم، فإنّ مثل هذا ليس بكذّاب ولا يترتّب على فعله هذا ما يترتّب على فعلة الكذّاب، من ذهاب البهاء وعدم التصديق والعقاب . ولذا يقول الإمام الصادق، عليه السلام، في جواب من سأله عن الكذّاب قائلاً: «هل الكذّاب هو الذي يكذب في الشيء ؟ فقال، عليه السلام، : لا، ما من أحد إلاّ ويكون ذاك منه ، ولكن المطبوع على الكذب»(15)

 وإطلالة صغيرة على المراحل التاريخية إلى يومنا الحاضر، نلاحظ كيف ان مفردة الصدق، كانت هي عنوان الصالحين والقادة الرساليين، بينما كانت مفردة الكذب، عنوان الفاسدين واصحاب الأهواء والمصالح الخاصة. فلطالما صدحت حناجر الرساليين بالصدق دفاعاً عن الحق، وبيان ما التبس على الناس، بينما اخذ اصحاب الباطل بالكذب على ابناء المجتمع حتى جندوا لهذه العملية فقهاء السلاطين لموقعهم الحساس والكبير عند الناس ، ومن هنا بالذات بدأت عملية تسويق الكذب الممنهج عبر فتاوى واحاديث وروايات ما أنزل الله بها من سلطان، كل ذلك لأجل تبرير واقعهم الفاسد وتبرير ظلمهم وحكوماتهم الباطلة.

من هنا؛ فإن طريق بناء الحضارة لا يكون إلاّ عبر سفينة الصدق التي

بعث الله بها نبيه الكريم ،صلى الله عليه وآله، حيث قال تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ} (سورة الزمر/33). فأوضح لنا القرآن الكريم ما لمن صدّق برسالة الرسول ،صلى الله عليه وآله، عند الله تعالى: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} (سورة الزمر/34). بينما كان مصير المكذبين لله ولرسوله الكريم، صلى الله عليه وآله، نار جهنم وساءت مصيرا: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} (سورة الزمر/ 32).

---------------

1- من هدى القرآن ، السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) ، ج4 : ص 471.

2- لفقه كتاب الواجبات ، السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) : ص 175.

3- الصحاح في اللغة ، للجوهري ، ج 1 : ص 383.

4- الواضح في اصول الفقه ، لابن عقيل ، ج1 :ص 129.

5- إحكام الفصول ، للباجي : ص 235 .

6- الذريعة إلى احكام الشريعة ، الراغب الاصفهاني : ص270.

7- جامع السعادات ، الشيخ النراقي :ص 428.

8- لسان العرب ، ابن منظور ، ج1 : ص 704-705

9- الهداية ، الشيخ محمد بن علي المعروف بالشيخ الصدوق، ص1 .

10- منية الطالب (تقرير بحث النائيني) للخونساري ، ج1 : ص 391 .

11- بحار الأنوار ، العلامة محمد باقر المجلسي ، ج69 : ص 233 .

12- جذور أزمة المثقف في الوطن العربي ، الدكتور لؤي صافي : 104.

13- الكافي ، الشيخ الكليني ، ج 2 : ص 340 ، الحديث 11.

14- وسائل الشيعة ، للحر العاملي ، ج 12 : ص 244 ، الحديث 16206.

15- الكافي ، للشيخ الكليني ، ج 2 : ص 340 ، ح 15.


ارسل لصديق