القرض الحسن ثمار في الدنيا والآخرة
كتبه: الشيخ إبراهيم الاشتري
حرر في: 2015/05/11
القراءات: 827

قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}،(سورة البقرة/ 245)

من منا لا يرغب في زيادة رزقه ؟ ومن منا لا يريد النمو في ماله وعياله، وبكلمة  أقول: من منا لا يرغب بالحياة الكريمة التي يكف بها نفسه وعياله عما في ايدي الناس؟!

بالطبع ومن دون ادنى ريب لا يوجد  انسان زاهدٌ بالحياة الكريمة، التي كان بنو آدم محل تكريم الخالق- عز وجل-  فيها: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}،(سورة الاسراء/70)

فإذا كان الله خلقنا وكرمنا  ورزقنا من الطيبات وفضلنا على كثير مما خلق تفضيلا   بحيث لا يمكن ان يقاس العطاء الالهي أو يحد بحدود معينة مهما كانت تلك الحدود مطلقا... فلماذا اذا لا نتبارى في ميادين التقوى التي امر الخالق ان نسبر غورها ونخوض غمارها؟ ومن ثم نكون ممن اراد الله لنا النعيم حيث يقول: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ  *  عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ  *  تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ  *  يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}،(سورة المطففين/22_26)

 وعلى العكس تماما من هذا اذا رسم الانسان لنفسه اهدافا هامشية، فستكون حياته ذات طابع هامشي، أرأيت من يقف على شاطئ بحر مترامي الاطراف ويتشاغل عنه بسمكة صغيرة تأخذه بعيدا عما في عمق هذا البحر من درر وللآلئ؟ هل ينتفع من هذا البحر العظيم من انشغل بسمكة صغيرة!

نحن ايضا امام درر الحياة وجواهرها التي صاغها الرب لنفعنا كذلك الذي تشاغل بسمكة صغيرة تاركا ما هو اكثر نفع منها.

ولعلك تسأل:  كيف يوصف الناس بالتشاغل بالرغم من سعيهم لكسب المزيد فالمزيد من هذه الدنيا؟

 

* التفاتة مدهشة في القرض الحسن

قلت ان جميع الناس يسعون للزيادة في أرزاقهم ، ويضربون في الارض سعيا لذلك وهذا امر مهم وواجب في بعض الاحيان، ولكن قد ينتقل البعض منهم الى طرق ابواب الزيادة ، الزيادة المحرمة المنهي عنها شرعا  مع  كونها ظاهرا زيادة  ولكن الشرع المقدس نهانا عنها محذرا ايانا قائلا: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}،(سورة البقرة/ 276)    

فقليل من التدبر في هذه الآية المباركة والتأمل في معانيها نجد اننا أمام بابين مكتوب عليهما (الزيادة)؛ باب زيادته محرمة وهي الربا،  وباب زيادته مضاعفة ومباركة  بالمن والعطاء الإلهي وهي باب القرض الذي تكفل به الباري -عز وجل- بالآية المباركة التي صدرنا البحث فيها

ثم إن الباري -عز وجل- عبّر في هذه الآية المباركة عن القرض الحسن وعن الانفاق تعبيراً بديعاً ومدهشاً.

 وهو كيف يمكن لله القادر والمالك لكل شيء أنْ يقترض من الإنسان الفقير والمحتاج لربه في كل حركاته وسكناته حتى في الشهيق والزفير؟

ومع لحاظ أنَّ القرض الربوي في الإسلام حرام فإنّ التعبير عن الانفاق بالقرض الحسن لا يكشف إلاّ عن اهمية الانفاق وتشجيع الناس، لأجل أداء هذا العمل بإخلاص.

ويبدو أنَّ ذكر هذه النقطة ضروري، وهي أنَّ «القرض الربوي» ناظر إلى العباد وسلوكهم بينما القرض الحسن ناظر إلى رب العباد، وهو يعني أنَّ من يقرض الله قرضاً فالله يرجعه مع أضعاف مضاعفة. والنقطة المدهشة كثيراً هنا هي أنَّ يَد الفقير- حسب الآية والروايات المذكورة - هي يد الله، وبيته هو بيت الله. وفي الحقيقة ان ما يوضع في يد الفقير يوضع في يد الله، ولذلك كانت الروايات توصينا بأنْ نضع ايدينا في مستوى ادنى من يد الفقير عند التصدق إليه، لأجل أنْ يَأخذها من أيدينا، ولأنَّ يده هي يد الله وقدرته الكاملة، وهو الذي يستلم المال من المتصدق. فحذارِ أن تصدر منا إهانة أو تحقير لفقير.

وقد تكررت العبارة المذكورة هنا في الآية 11 من سورة الحديد، كما قد أضيف لها جملة أخرى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ...}

الثاني: جاء في الآية 92 من سورة آل عمران: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ...}.

وكذا جاء في الآية الشريفة 267 من سورة البقرة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ}، أي عليكم أن لا تنفقوا الا من الطيبات فلا تنفقوا من الاشياء التي لا فائدة فيها أو مُضِرّة مثل الملابس الخلقة أو الفواكه والمأكولات الفاسدة وما شابه ذلك، بل تذهب الآية إلى ابعد من ذلك لتأمر بأنفاق ما يحبه الإنسان، والذي هو أهل لان يعطى بيد الله، فإنَّ غير ذلك ليس أهلا لوضعه بيد الله، فالإنفاق  بالأكل  ينبغي أنْ يكون من النوع الذي يحبه المنفق له ولعياله وفي الملابس من النوع الذي يحب لبسه المنفق واهل بيته. 

 

* لا نقطع سبيل المعروف

انَّ نظام القيم الحاكم في الإسلام يحكي عن منح الإسلام القيمة والاهمية لكيفية العمل لا كميته ومقداره، ولهذا يضاعف الله أجرة تمرة واحدة ألف ضعف، بينما لا يفعل ذلك في تمرة أُخرى. لأنَّها قد لا تكون مكتسبة من حلال أو قد تنفق بنية الرياء وما شابه. وهاهو القرآن يخاطبنا ويحثنا على الانفاق بكل أبعاده، ومن أبعاده؛ القرض الحسن، و ما نراه اليوم في مجتمعاتنا من حاجة ماسة الى التعاون والتراحم لتجاوز الصعاب. والقرض تنفيس عن كربة المؤمن الذي قد يحتاج الى مراجعة طبيب او شراء لازمة من لوازم الحياة وما أشبه فعندما تعطيه القرض تكون ممن أسهم في علاجه، ومالك في زكاة الى ان يرجع اليك ولك من الأجر العظيم الذي حفلت الروايات في بيانه منها ما ورد عن الامام الصادق، عليه السلام: «على باب الجنة مكتوب: القرض بثمانية عشر والصدقة بعشرة وذلك أن القرض لا يكون إلا لمحتاج والصدقة ربما وقعت في يد غير محتاج».

وهناك ملازمات اخلاقية وشرعية تتصل بالمقترض فعليه أن يكون موردا لتبادل الحسنات و مشعلا يتجاوز الخلافات التي تنشأ بسبب  المماطلة والتسويف في تسديد القروض فمشكلة عدم سداد القرض أدّت بالكثير الى العزوف عن  إقراض الآخرين وهذه مشكلة باتت قائمة في مجتمعاتنا اليوم، والأدهى من ذلك كله أن احدهم يتمنى لو ان صاحب القرض يتصرف بحقه بشكل غير لائق بسبب مماطلته في التسديد، لينقلب الحال ويكون المقترض هو صاحب الحق، فيما المقرض والباحث عن الثواب والأجر والخدمة  الاجتماعية، شخص مُدان...! فهل يعقل ان يكون جزاء المحسن الذي مد يد العون والمساعدة لكي يفرج كربة أخيه المؤمن بهذه الصورة التي تقطع سبيل المعروف وتدعو الكثير الى العزوف عن الإقراض بسبب ما تفرزه من حالة غير صحية؟!

كثيرة هي الروايات التي تشير الى فضل من يفرج عن كربة أخيه المؤمن، فعن الامام الصادق، عليه السلام: «من فرج عن أخيه المسلم كربة فرج الله عنه كربة يوم القيامة، ويخرج من قبره مثلوج الصدر»    

 فالقرض وجد لكي يفرج عن الضائقات المالية التي يمر بها الانسان، وفضلا عن ذلك كله، فإن القرض الحسن، يمتّن العلاقة بين المؤمنين عبر الاحسان المتبادل في ما بينهم، فهذا يقرض أخاه، وذاك يقوم بتسديد القرض، فتنشأ علاقة من الألفة والمحبة نابعة من التعاون الذ ي حصل فيما بينهم.

وهذه العلاقة والود النابع منها، تدعو إليها الآيات والروايات الشريفة، وهو ما يجب

على المُقرض والمقترض أن يضعوها امام عينيهما، لما لها من آثار عظيمة اجتماعية ونفسية، في الدنيا وثواب جزيل في الآخرة.

ويمكننا أن نقول: إنه  في ظل ما تمر به المجتمعات من تحديات في كافة المجالات  لا يمكن لأي مجتمع أن يستقيم ما لم يؤمن أصحابه بالقيم الحقة التي جاءت لبناء المجتمعات والرقي بالإنسان الى مصاف الملائكة، القيم التي رسمتها السماء وجسدها الانبياء والاوصياء وحفلت بذلك الشواهد التاريخية والروائية داعية ايانا للتأسي بها بعيدا عن كل القيم المادية التي لا تفرز الا الويلات والازمات.


ارسل لصديق