الدعاء هو العبادة {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2015/05/11
القراءات: 1356

الدعاء عبادة يمارسها الانسان في جميع حالاته، لأنه يترجم عمق الصلة بين العبد وربه، ويعكس حالة الافتقار في ذات الانسان إلى الله - سبحانه- والاحساس العميق بالحاجة إليه والرغبة فيما عنده.

فالدعاء مفتاح الحاجات ووسيلة الرغبات، وهو الباب الذي خوّله تعالى، لعباده كي يلجأ إلى رحمته وخزائن مغفرته، وهو الشفاء من الداء، والسلاح في مواجهة الاعداء، وهو من أقوى الاسباب التي يستدفع بها البلاء، ويُردُّ به القضاء، ولذلك فإنّنا نجد الدعاء من أبرز القيم الرفيعة عند الانبياء والاوصياء والصالحين، ولقد اهتمّ المعصومون، عليهم السلام، بالدعاء اهتماماً خاصاً، وحفلت كتب الدعاء الكثيرة المروية عنهم، عليهم السلام، بتراث فذّ من أدعيتهم، يُعدُّ صفحة مشرقة من صفحات التراث الاِسلامي، فهو من حيث الفصاحة والبلاغة آية من آيات الادب الرفيع ، ومن حيث المضمون وسيلة لنشر تعاليم القرآن وآداب الاِسلام وتلقين أصول العقيدة وتهذيب النفوس وصفائها وتنمية نزعاتها الخيرة لتصل إلى درجات الطاعة والفضيلة.

 

* حقيقة الدعاء

«الدعاء مخُّ العبادة» وجوهرها الذي جعله القرآن الكريم في نصّ آخر مرادفاً للعبادة: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}،(سورة غافر/ 60) فجعل الدعاء هنا مماثلاً للعبادة ومترجماً لها. قال الامام الصادق، عليه السلام: «إنّ الدعاء هو العبادة « ثم تلا هذه الآية الكريمة التي تعبر عن هذا المعنى  وقال: «هي والله العبادة، هي والله العبادة»، يريد الدعاء.(1).

  ومن ناحية اُخرى تعطي هذه الآية الكريمة صورة الدعاء المقابلة لصورة الاستكبار، بمعنى أن ثمة صورتين متضادتين، تعكس الأولى خصائص العابد العارف بحق ربه- تعالى شأنه- والعارف بحقيقته عبداً لله، وصلته بخالقه ومولاه، فيما تعكس الثانية، ملامح عاصٍ عنيد جافٍ بعيدٍ عن إدراك كل تلك المعاني الأولى، ليعود بنا هذا المشهد إلى تصديق دلالة الدعاء على العبادة، وكون محلّه منها محل المخّ واللبّ والجوهر والمعنى، وهذا الذي يفسّره لنا النصّ القرآني الذي يفيد بأنّ أفضل العبادة هو الدعاء، ذلك أن غاية العبادة هي التقرب إلى الله - تعالى- بمعرفة حقّه، ولا تتجلى هذه المعاني في شيء مثل تجليها في الدعاء، فهو أفضل وسيلة  للتعبير عنها وامتثالها وجداناً وسلوكاً، حاضراً ومستقبلاً، إنّها الحالة التي تتجلى فيها العبودية في أروع صورها وأتمّها، فلا غرابة في أن تكون هي أحب حالات العبد إلى الله تعالى، ففي حديث أمير المؤمنين، عليه السلام: «أحبُّ الاَعمال إلى الله عزَّ وجلّ في الاَرض الدعاء» (2).

  وهكذا كان شأن هذه الشريعة السمحة مع الدعاء التي عرّفت الناس بآدابه، والتي في مقدمتها الصدق والاخلاص في التوجه إلى الله تعالى، والثقة به، واليقين بأنّه سميعٌ مجيب، وحُسن التأدّب بين يديه، يرجو نظرته - تعالى- ولطفه ورحمته كما عرّفتهم بشروطه التي بها يكون دعاءً صحيحاً يترجى من ورائه أحسن الآثار العاجلة منها والآجلة.

 

* مفهوم الدعاء وعلاقته بالعبادة

الدعاء في اللغة العربية هو ميل الشيء إلى صاحب الدعاء بصوتٍ وكلامٍ يكون منه كما تقول: دعوت فلاناً، أدعوه دعاءً، أي ناديته وطلبت إقباله، وأما الدعاء في الاصطلاح فهو طلب الادنى للفعل من الاعلى من جهة الخضوع والاستكانة إليه تعالى. ودعاء العبد لربه جلَّ جلاله، طلب العناية والتمني لاستجابة الدعاء، إذ يقال، دعوتُ الله أدعوهُ دعاءً أي، ابتهلتُ إليه بالسؤال، ورغبتُ فيما عنده من الخير.

 

* الادعية المأثورة على نوعين:

الأول: الاوراد والاذكار المقررة في كلِّ يوم وليلة المشتملة على تجديد العقائد وطلب المقاصد والارزاق، ودفع كيد الاعداء ونحو ذلك، وينبغي للمرء أن يجتهد في حضور القلب والتوجه والتضرع إلى الله تعالى عند قراءتها، لكن يلزم أن لا يتركها إن لم يتيسر ذلك.

ثانياً: المناجاة، وهي الادعية المشتملة على صنوف الكلام في التوبة والاستغاثة والاعتذار وإظهار الحب والتذلل والانكسار، ولا ينبغي أن تقرأ إلاّ مع البكاء والتضرع والخشوع التام، وينبغي أن تترصد الاوقات لها، وهذان القسمان من الدعاء ببركة أهل البيت، عليهم السلام، عندنا كثير، وهي مذكورة في مصباحي الشيخ الطوسي والكفعمي، وكتابي «التتمات» و «الاقبال» لابن طاووس، ضمن التعقيبات وأدعية الاسبوع وأعمال السنة، وهي متوفرة أيضا في كتب أخرى كالأدعية الخمسة عشر، والمناجاة الأخرى المعروفة، ودعاء «كميل» وغيرها، والصحيفة السجادية وهكذا.

وأما علاقة الدعاء بالعبادة فله مفهومان: الاول؛ المفهوم اللغوي، والثاني؛ المفهوم الاصطلاحي، فالأول، وتدل عليه آيات قرآنية كثيرة وردت في هذا السياق منها: {لن ندعو مِن دُونِه إلهاً} أي لن نعبد إلهاً دونه، فهذه الآية وغيرها تبين الصلة اللغوية الدائمة القائمة بين العبادة والدعاء، أما الصلة الاصطلاحية بين العبادة والدعاء، فإنّ الدعاء في نفسه عبادة، لانّهما يشتركان في حقيقة واحدة، هي إظهار الخشوع والافتقار إلى الله تعالى، وهو غاية الخلق مع الباري -عز وجل- وعلّته الآية المباركة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} و{قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ}. فالدعاء والعبادة يعكسان الفقر المتأصل في كيان الانسان إلى خالقه تعالى مع إحساسه العميق بالحاجة إليه والرغبة فيما عنده، فإنّ الدعاء هو معظم العبادة وأفضلها، ويؤيد ذلك حديث الاِمام الباقر عليه السلام: «أفضل العبادة الدعاء»(3). عن سدير قال: قلت لاَبي جعفر الباقر، عليه السلام: أيُّ العبادة أفضل؟ فقال، عليه السلام: «ما من شيء أفضل عند الله عزَّ وجلَّ من أن يُسأل ويُطلب ممّا عنده»(4). وإلى ذلك يشير قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}،(سورة غافر/ 60) فالآية تدعو إلى الدعاء وتحثّ عليه وتزيد على ذلك حيث تسمي الدعاء عبادة، فقد عبّرت أولاً بالدعاء «ادعوني» ثمّ عبرت عن الدعاء بالعبادة «عن عبادتي» أي عن دعائي، بل إنّ الآية تجعل مطلق العبادة دعاءً، حيث إنها تشتمل على الوعيد لترك الدعاء بالنار، والوعيد بالنار إنّما هو على ترك العبادة رأساً، لا على ترك بعض أقسامها دون بعض، فأصل العبادة إذن دعاء، وأخيرا قوله تعالى، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}،(سورة البقرة/ 186).

 

* الدعاء في البلاء والرخاء

الدعاء، كونه عبادة تسمو بالنفس وتشرق بالروح وتوصل الانسان بربه -عزّ وجل- يجب أن لا ينحصر في وقت الشدّة والاضطرار، بل يجب أن يكون في جميع الاَحوال، نابعاً من التسامي النفسي والانفتاح الروحي والكمال الانساني. فالدعاء في البلاء، يؤكد علاقة الانسان بربه، بشكل ذاتي متأصل في نفس الانسان، ولكلِّ امرئ طريق من قلبه إلى خالقه، وثمة باب في القلوب يفتح إلى من بيده مجريات الاحداث، وهو بكلِّ شيء محيط، فحتى أشقى الاشقياء، نجده عند الابتلاء بالمصائب والمحن، وعندما تغلق في وجهه الابواب، وتنقطع به العلل والاسباب، يسعى للتقرب إلى خالقه وينقطع إليه ضارعاً منكسراً، وهذا أمر ذاتي يتساوى فيه الناس مهما كانت اتجاهاتهم وميولهم وهذا ما تأكده الآية القرآنية {وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ}،(سورة يونس/12) وهناك آيات كثيرة تشير إلى هذا المعنى كثيرة، وكلّها تدلُّ على أنّ التوجه إلى الله تعالى في حال الشدة والاضطرار أصيل في فطرة الانسان وطبيعي في وجوده.

قال: رجل للإمام الصادق، عليه السلام: يا بن رسول الله، دلّني على الله ما هو؟ فقد أكثر عليَّ المجادلون وحيّروني، فقال له:  «يا عبدالله، هل ركبت سفينة قط؟ قال: نعم، قال عليه السلام: فهل كُسر بك حيث لا سفينة تنجيك، ولا سباحة تغنيك؟ قال: نعم، قال، عليه السلام: فهل تعلّق قلبك بأن هنالك شيئاً من الاَشياء قادرٌ على أن يخلصك من ورطتك؟ قال: نعم، قال، عليه السلام: فذلك الشيء هو الله، القادر على الانجاء حيث لا منجي، وعلى الاغاثة حيث لا مغيث» (5).

 لقد جعل الاِمام الصادق، عليه السلام، الرجل يعرف الله تعالى عن طريق قلبه وفطرته التي فطر الناس عليها، مع ذلك فإذا اقتصر الانسان على الدعاء في حال الاضطرار والشدة، فان ذلك لا يمثل كمالاً إنسانياً ولا إخلاصاً عبادياً، بل هو جفاء وقسوة وابتعاد عن رحاب الرحمة والمغفرة، أما الدعاء في الرخاء، فقد قال رسول الله، صلى الله عليه وآله، موصياً الفضل بن العباس: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة»(6). يعني؛ أدع الله في الرخاء ولا تنسه حتى يستجيب لدعائك في الشدّة ولا ينساك، ولا تكن من الذين نسوا الله فنسيهم، عندما يكون الانسان في حال رخاء واطمئنان، يجب أن يعلم بأنّ ما هو فيه من نعمة هي من الله تعالى، وانه هو القادر على أن يسلبه إياها كما هو القادر على أن يزيده منها، وذلك لأنه خالق الكون والانسان والحياة، وأنه اللطيف بعباده الرؤوف الرحيم.

 

* الدعاء يردُّ القضاء ويدفع البلاء

الدعاء من أقوى الاَسباب التي يُستَدفع بها البلاء ويُكشف بها السوء والضُرُّ والكرب العظيم، تقول: الآية الكريمة: {أمّن يُجِيبُ المضطرَّ إذا دعاهُ ويكشفُ السُّوءِ»، «وأيوبَ إذ نادى ربَّهُ أني مَسَّني الضُرُّ وأنتَ أرحمُ الرَّاحمين* فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضرٍّ}   وعن زرارة، عن أبي جعفر الباقر، عليه السلام، قال: قال لي: «ألا أدلّك على شيءٍ لم يستثنِ فيه رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم؟ قلتُ: بلى، قال: الدعاء يردُّ القضاء وقد أبرم إبراماً»(7).

وقال الامام أبو الحسن موسى الكاظم، عليه السلام: «عليكم بالدعاء، فإنّ الدعاء لله والطلب إلى الله يردُّ البلاء وقد قدّر وقضي ولم يبقَ إلاّ إمضاؤه، فإذا دُعي الله عزَّ وجلّ وسُئل صرف البلاء صَرَفه» (8).

 

* آثار الدعاء في الدنيا والآخرة

لقد اهتم الاَئمة الأطهار، عليهم السلام، بالدعاء وما يترتب عليه من آثار تعود لصالح الداعي في الدنيا والآخرة، ولا يدرك ما عند الله تعالى إلاّ بالدعاء والابتهال، فهناك بعض الآثار المترتبة على الدعاء في الدنيا والآخرة، أما الآثار الدنيوية للدعاء يُطلب من خلاله كل ما يحتاجه الداعي في الدنيا من زيادة الاعمار وصحة الابدان وسعة الارزاق والخلاص من البلاء والهمّ الغمّ،  قد أذن الله لك في الدعاء، وتكفّل لك بالإجابة، فإذا ناديته سمع نداك، وشكوت إليه همومك، وسألته خزائن رحمته، فعند هذه المقدمات سيجعل الله تعالى في يدك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه، أما آثاره الأخروية، فإن الدعاء سلم المذنبين الذين يصلون به إلى آفاق التوبة لينالوا درجة الانسانية الكريمة. قال الاِمام أمير المؤمنين، عليه السلام: «الدعاء مفاتيح النجاح، ومقاليد الفلاح»(9).

قال الاِمام الصادق، عليه السلام: «أكثروا من أن تدعوا الله ، فإنّ الله يحبُّ من عباده المؤمنين أن يدعوه، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة، والله مصيّر دعاء المؤمنين يوم القيامة لهم عملاً يزيدهم في الجنة» (10). من هنا؛ فإن الناس لن يدركوا نجاح الحوائج عند ربهم بأفضل من الدعاء والرغبة إليه والتضرع إلى الله والمسألة، فالجدير بنا جميعاً أن نرغب فيما رغبنا الله فيه، وأن نجيب الله إلى ما دعانا لنفلح وننجو من عذاب الله يوم نلقاه، حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

---------------

(1) الكافي 2 : 339 / 7

(2) ميزان الحكمة/ج20/ص15

(3) الفصول المهمة في أصول الأئمة

(4) عوالي اللآلي /ج4/ص7

(5) بحار الانوار/3:41/61

(6) من لا يحضره الفقيه 4 : 296 / 896

(7) الكافي 2 : 341 / 6     

(8) الكافي 2 : 341 /8

(9) الكافي 2 : 340 /2

(10) الكافي 8 : 7 / 1


ارسل لصديق