المنافسة و القوانين الرادعة للاحتكار
كتبه: محمد جواد منذور
حرر في: 2015/05/11
القراءات: 1566

تشكل التجارة، العصب الأساس في تلبية حاجات المستهلكين في العالم، في الماضي والحاضر، وبلغت ذروة هذه الحاجة بشكل خاص، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما خلفته من دمار وخسائر بشرية ومادية، فتنبهت القوى المنتصرة في تلك الحرب الى مستوى الخطر الذي تخلفه الحروب، لذا تحولت الاستراتيجيات التي تبنتها البلدان، من المواجهات العسكرية الى الهيمنة الاقتصادية.

من خلال افكار ومفاهيم جديدة تدعو الى تفعيل حرية التجارة والصناعة، وتشجيع روح المنافسة فيما بين المؤسسات التجارية المختلفة. هذا الوضع الجديد يؤدي بكل تأكيد الى سيطرة البلدان الصناعية التي تمتلك القدرة الصناعية والتكنولوجية، تحت مسميات «الحرية الاقتصادية»، وايضاً تحت شعارات مثل «العولمة».  

وعندما لا يؤخذ بعين الاعتبار التفاوت والاختلاف في حجم القدرات بين الدول المتنافسة في التجارة العالمية، فإن النتيجة تكون واضحة وحتمية، وهي ظهور بلدان منتجة وأخرى مستهلكة، لذا نجد مع ظهور «العولمة» وانتشارها، ثم الثورة في عالم الاتصالات، بدأت بعض الشركات الكبرى المدعومة من دول كبرى، بتدويل نشاطها من خلال عقود لتعزيز قدراتها وسحب البساط من تحت منافسيها في الأسواق المحلية والدولية، حتى ان بعض الدول بدأت تغض النظر عن قوانينها المتعلقة بالمنافسة المشروعة وممارسة الاحتكار لمواجهة هذه الشركات، وتوفير ميزة نسبية لشركاتها الوطنية، ومن اجل السيطرة على السوق الدولية ومنع اي اختراق من شركات مثيلة.

في ظل اوضاع كهذه تأتي الحاجة الملحّة لتوفير مناخات تنافسية للعمل والانتاج والتصدير، بما يمنع تحكّم فئة معينة من المستثمرين بالأسواق المحلية والتلاعب بمصير المستهلكين في فرض الأسعار التي تريدها. مثال ذلك؛ العراق، الذي شهد تحولاً جذرياً في نظام الحكم، استتبع تحولاً في النظام الاقتصادي، منذ عام 2003، فبدأت تتحول الشمولية والتخطيط المركزي الى الحرية الاقتصادية، وتضاءل دور القطاع العام مقابل نهضة القطاع الخاص، وهذا يحفز الشركات الكبرى للدخول في السوق العراقية التي تشكل سوقاً استهلاكياً مغرياً، لما يشهده من نقص حاد في الانتاج المحلّي وغياب الرؤية الاقتصادية.

لذا فإن دراسة هذا الموضوع تأخذ أهمية بالغة تفرض نفسها على الواقع، فالمنافسة ومنع الاحتكار تعد من المواضيع المهمة للدول ذات التوجه الاقتصادي الحر بهدف خلق سوق تنافسية وبيئة عمل تتسم بالشفافية وتمكين القطاع الخاص من المساهمة في عملية التنمية والبناء، وهي ترتبط ارتباطا وثيقا بموضوع اغراق الاسواق ـ الذي نترك دراسته في عدد قادم ان شاء الله ـ ويعد من المواضيع المعقدة والشائكة التي تواجه حكومات و اسواق معظم البلدان النامية.

 

* دور التشريعات في الحد من الاحتكار

ولابد من الإشارة الى ان المنتجات الصناعية في القطاعين العام والخاص تواجه منافسة حادة وغير متكافئة من المنتجات الاجنبية والمماثلة في الاسواق المحلية والدولية. فصفة الاحتكار جاءت من كثرة التكتلات الاقتصادية الاقليمية والدولية وأخذها بمبدأ التنسيق الاقتصادي فيما بينها، كما تنتشر الشركات متعددة الجنسيات التي تعتمد سياسات الانتاج والتسعير وتقسيم الاسواق دوليا، وبالنتيجة تتمتع سلعها بقدرة عالية على المنافسة العالمية من حيث الجودة والسعر، يمكنها من  الاحتكار. ولهذا فإن غياب التشريعات الخاصة بالمنافسة ومنع الاحتكار او عدم تحكيمها، او وضعها محل تفسيرات لصالح هذا الطرف او ذاك، قد أثر - وسيؤثر- سلباً على مستقبل النشاط الصناعي الخاص والسوق بشكل عام.

لذا نجد ان معظم التشريعات الوضعية قد سعت وباهتمام بليغ، الى سن قوانين تنظم المنافسة التجارية المشروعة، ومنع احتكار السلع كما فعل المشرع العراقي في قانون «المنافسة ومنع الاحتكار» رقم 14 لسنة 2010، الصادر في 9 آذار 2010، حيث جاء خلاصته، انه دُون لضمان حرية المنافسة ومنع الاحتكار في الأسواق، ولما للمنافسة ومنع الاحتكار من أهمية في خلق حافز لتخفيض الكلفة والسعر، وتحسين الجودة بالنسبة للسلع والخدمات المعروضة في السوق، مما يؤدي إلى تشجيع القطاعات الخاص والمختلط والعام، وتطويرها دعماً للاقتصاد الوطني وحسن الانسيابية للسلع والخدمات.

وتكمن فكرة المنافسة المشروعة حسب ما جاء في الكتب الاقتصادية، أنها مزاحمة بين عدد من الأشخاص او بين عدة قوى تسعى الى نفس الهدف(1)، كما تم التعبير عنها ايضاً بالعلاقة التجارية بين المنتجين والتجار في صراعهم على العملاء، او التزاحم بين التجار في اجتذاب العملاء وترويج اكبر قدر ممكن من المنتجات والخدمات ضماناً لازدهار التجارة، بشكل يؤدي الى بقاء الأصلح في السوق(2). وتكون المنافسة في أكمل أوجهها اذا كانت التعددية في البائعين والمستهلكين، وغياب ما يعكّر دخول أحدهم في هذه السوق. ولتحقيق المنافسة بأكمل أوجهها يتوجب وجود الكثرة والعلم والتجانس والحرية في العرض والطلب(3). ففي مثل هذه الحال لا يمكن للبائع الاستئثار في فرض الأسعار ولو بشكل يسير وذلك لوجود منافسين آخرين يغرقون السوق بما لديهم من سلع مشابهة(4).

إلا ان حرية المنافسة هذه لابد من تنظيم يحميها من الممارسات الخاطئة التي يتبعها بعض التجار في إطار المنافسة، والمنافسة الحرة المشروعة، حتى تحقق أهدافها، فلابد أن ترتكز على حماية شطري مبدأ حرية التجارة المتمثلين في حرية العرض وحرية الطلب، فمن جانب حرية العرض يحق لكل شخص الاشتغال بالتجارة ومنافسة غيره والانتقال من قطاع إلى قطاع، ومن جانب حرية الطلب فإنه يحق للعميل الارتكاز على مبدأ حرية التعاقد، وعليه فإن الوظيفة القانونية للمنافسة المشروعة تستهدف الحد من غلواء تطبيق مبدأ حرية التجارة؛ إذ إنه يوفر مناخاً ملائماً يشجع المنافسة العادلة بين المنشآت العاملة في السوق، ضماناً لحماية المستهلك وصغار المنافسين في السوق، بحيث تكون النتيجة انخفاض أسعار السلع والخدمات، حتى تكون في متناول من يطلبها بكل سهولة ويسر، وتحسين جودة السلع والخدمات وتقديم خيارات متعددة من المنتجات والخدمات للمستهلكين.

وتحقيقاً لتلك الغايات المنشودة، صدرت عديد من القوانين الوضعية في العالم لتنظيم هذا الموضوع،  وقد واجهت القوانين الوضعية تلك، ممارسات المنافسة غير المشروعة او الاحتكار في بنود ضمن قوانين منعزلة او ضمن القوانين المدنية او التجارية، وتضمنت هذه المعالجات بنوداً عديدة للتصدي لظاهرة الاحتكار او منع المنافسة ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، نعرض أهمها في السطور التالية:

1- أن يكون ممارسة النشاط على النحو الذي لا يؤدي إلى منع حرية المنافسة وتقييدها أو الإضرار بها، وذلك وفق أحكام القانون.

2- تسري أحكام قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار ولائحته التنفيذية، على الأفعال بما في هذا العقود، وما تضمنه من ممارسات وعقود واتفاقات سواء وقعت بالداخل أو بالخارج، لا سيما إذا ترتب عليها منع حرية المنافسة أو تقييدها أو الإضرار بها في مصر.

3- تعد الممارسة الاحتكارية في سوق معينة، اذا توافرت فيها العناصر الآتية:

أ- زيادة حصة الشخص على 25% من السوق المعنية، ويكون حساب هذه الحصة على أساس عنصري، من حيث المنتج والنطاق الجغرافي معاً، وذلك خلال فترة معينة.

ب- قدرة الشخص على إحداث تأثير فعال في أسعار المنتجات، أو في حجم المعروض منها بالسوق.

ج- عدم قدرة الأشخاص المنافسين على الحد من تأثير الشخص المحتكر، على حجم المعروض من المنتجات بالسوق المعنية.

وفي نفس الإطار تحدد المادة الثامنة، الممارسة الاحتكارية في وجود تأثير فعّال لشخص بعينه في تحديد أسعار المنتجات أو في حجم المعروض منها بالسوق المعنية، إذا كانت له القدرة من خلال ممارساته المنفردة على تحديد أسعار تلك المنتجات أو حجم المعروض منها، دون أن يكون لمنافسيه القدرة على منع هذه الممارسات.      

كما اشتملت هذه الأنظمة على نظام خاص لردع المخالفين من خلال عقوبات قانونية في حال مخالفة نصوصها، كالمعاقبة التي نصّ عليها القانون المصري الصادر عام 2005 لتنظيم المنافسة المشروعة ومنع الاحتكار بتجريم كل من يخالف أحكام المواد (7و8) من القانون بغرامة لا تقل عن (30) ألف جنيه مصري ولا تتجاوز عن (10) ملايين جنيه، وذلك دون الإخلال بالمسؤولية المدنية عن الأضرار الناجمة عن ارتكاب أي من الممارسات الاحتكارية.

د- ينشر الحكم النهائي الخاص بالإدانة بارتكاب ممارسة احتكارية في جريدتين يوميتين على نفقة المحكوم عليه.

هـ- يعاقب المسؤول عن الأحكام الفعلية للشخص الاعتباري المخالف بذات العقوبات المقررة عن الأفعال التي ترتكب بالمخالفة لأحكام هذا القانون، لاسيما إذا ثبت علمه بها، وكان إخلاله بالواجبات التي تفرض عليها تلك الإدارة قد أسهم في وقوع المخالفة.

 

* رأي الإسلام في الاحتكار

أما في الشريعة الاسلامية فقد جاء في الآية (26) من سورة المطففين، قوله تعالى: {خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}، فنجد هنا حثّاً مباشراً على التنافس الجميل وما ينبغي أن تكون فيه المنافسة، وهي بمعنى الرغبة في الشيء.

والذي يظهر من الآية - والله تعالى أعلم - أن ذلك من المطالبة والمكاثرة بالشيء النفيس، فكل يسابق إليه ليحوزه لنفسه، وجاءت هذه الآية الكريمة رداً للصورة الأولى التي نقلتها لنا بداية «سورة المطففين» المباركة حيث السعي لجمع المال بالتطفيف، فجعلت الآية المباركة لهم الويل يوم القيامة جزاءً لأعمالهم.

وعلى الرغم مما شددت عليه الشريعة السمحاء من حرية التعاقد والمتعاقدين في ممارسة الأعمال التجارية التي تبنى على صفات؛ كالتراضي والتقوى والوفاء بالعهود و اتقان العمل في وضع ما يرونه مناسباً من شروط، إلا انها حرّمت بعض العقود والشروط كالعقود الربوية والاستغلال، بكل أنواعه وصوره، والاحتكار والغشّ والى آخره من عقود وشروط تتعارض و ضمير المجتمع الاسلامي الذي سعت الشريعة الى إبقائه حيّاً، يمتثل لتقوى الله ويبتعد عن التطفيف في الميزان ويتطهر من الجشع المؤدي إليه، وهذا ما ينطبق على منع المنافسة الاقتصادية واحتكار السوق بالمعنى الحديث، أي امتلك السوق بنسبة كبيرة ومنع دخول منافسين آخرين(5).

وقد حرم الاسلام ممارسات الاحتكار بمعناه القديم ـ منع السلعة من السوق ـ وبالمعنى التجاري والاقتصادي الحديث ـ العقود الحصرية التي تحصر سلعاً ضرورية بيد فئة قليلة تتحكم بالسوق كيفما تشاء ـ ونجد الحلّ الأنجح لمثل هذه المشاكل والأزمات التي تسبب في إيجادها بعض التجّار والصناعيين، يكمن في خطوات وقائية مسبقة، يمكن أن نجدها في حديث أمير المؤمنين، عليه السلام، حيث قال:

 «فَامْنَعْ مِنَ الِاحْتِكَارِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وآله، مَنَعَ مِنْهُ، وَلْيَكُنِ البَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً بِمَوَازِينِ عَدْلٍ وَأَسْعَارٍ لا تُجْحِفُ بِالفَرِيقَيْنِ مِنَ البَائِعِ وَالمُبْتَاعِ».

فمنع الاحتكار جاء للحفاظ على توازن السوق والأسعار. فيجبر المحتكر على عرض بضاعته، استناناً بسنّة رسول الله، صلى الله عليه وآله، أما بلغة العصر بسياسة السوق، مع مراعاة الأصول الأخلاقية التي تواجه قولاً وفعلاً، كل أشكال الاستغلال والثراء على حساب الظروف الطارئة، أو من خلال خلق هذه الظروف الطارئة(6).

ولبيان جدوى هذا المنع، فقد أصدر الإمام علي، عليه السلام، في وصيته الى واليه، ببيان عقوبة «فَمَنْ قَارَفَ ـ أي خالط ـ حُكْرَةً ـ الاحتكار ـ بَعْدَ نَهْيِكَ إِيَّاهُ فَنَكِّلْ بِهِ وَعَاقِبْهُ فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ». فرغم العقوبة التي بينها الإمام، عليه السلام، إلا أنه دعا الى عدم الاسراف والمبالغة حيث أوصى واليه أن لا يسرف في معاقبته المحتكرين منهم، ومن لم يلتزم موازين العدل والأخلاق، وذلك للحيلولة دون هروب رؤوس الأموال من البلد. وهذه مسألة غاية في الأهمية، حيث يتعلّق بها مصير المجتمع من الناحية المالية والمعيشية ككل(7).

---------------

(1)- الحق في المنافسة المشروعة في مجالات النشاط الاقتصادي ـ احمد محمد ـ 1994 ـ ص 7.

(2)- المنافسة غير المشروعة للملكية الصناعية ـ زينة غانم عبد الجبار ـ 2002 ـ ص 16.

(3)- موسوعة الاقتصاد الاسلامي في المصارف والنقود والأسواق المالية ـ علي جمعة محمد ـ 1981 ـ ج1 ـ ص 39.

(4)- حماية المستهلك من منظور اسلامي ـ عبد الحق حميش ـ 2004 ـ ص213.

(5)- من هدى القرآن ـ المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي ـ ج‏1 ـ ص 460.

(6)- الحكم الاسلامي ـ المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي ـ ص 215.


ارسل لصديق