ضمير السياسي المسؤول في ميزان الإمام علي [عليه السلام]
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2015/05/11
القراءات: 981

حينما تولّى الامام علي، عليه السلام، خلافة المسلمين، توجه ومنذ اللحظة الاولى لإصلاح ما أفسده من سبقه، وولاتهم وعمَّالهم، وعلى الاصعدة كافة، وكان للصعيد الاداري موقع الصدارة فيها؛ لانه أداة الاصلاح لغيره من المجالات. وبلا شك، فانَّ الإمام علياً، عليه السلام، لو كان قد تولَّى خلافة المسلمين بعد الرسول، صلى الله عليه وآله، مباشرة؛ لظهر الاسلام على حقيقته السامية الى العالم، ولما طاله التشويه الذي نشهده اليوم، فقد تسبب المتقمصون للخلافة و ولاتهم وعمالهم بكل هذا الدمار الذي اصاب الامة. إلا ان فترة خلافته القصيرة جداً لم تكن كافية لتحقيق الإصلاح الشامل في كل ربوع الامة على ارض الواقع، لاسيما وان الامة قد عادت الى اختبارها العسير الأول، حين بُعث رسول الله، صلى الله عليه وآله، وهذا ما أكده، عليه السلام، واصفاً حال الامة يوم بيعته، بقوله: «...ألا وإنَّ بليَّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيَّه، صلى الله عليه وآله وسلم».

وهكذا يبين الامام، عليه السلام، اهدافه من وراء تولّيه قيادة الامة بقوله: «اللَّهمَّ إنَّك تعلم أنَّه لم يكن الذي كان منَّا منافسةً في سلطان، ولا التماس شيءٍ من الحطام، ولكن لنردَّ المعالم من دينك، ونُظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتُقام المعطَّلة من حدودك». فكان ردّ المعالم الضائعة المغيَّبة من الدين، وردُّ الحقّ المنتهك، وإقامة الحدود المعطَّلة؛ أهمُّ أولويات الامام، عليه السلام، وكان من اهم وسائل تحقيق هذه الاولويات، إصلاح منظومة الولاة والعمال في ولايات الدولة الاسلامية، وتمثلت بعض معالم خارطة الاصلاح هذه في ما يلي:

 

* أولا: تغيير الولاة

فلما كان للولاة والعمال في الامصار أثرهم البالغ في مسيرة الاصلاح الشامل سلباً او ايجاباً، ولما كان أغلب الولاة الذين سبقوا حكم الامام، عليه السلام، من غير النزيهين والكفوئين، أمثال الوليد بن أبي معيط، وعبد الله بن أبي سرح، وعبد الله بن عامر، ومعاوية - لعنة الله عليهم- فقد كان لابد من ابدالهم وانتخاب غيرهم لهذه المسؤولية الخطيرة، فباشر بعزلهم وانتخاب غيرهم امثال: قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وسهل بن حنيف، وعُثمان بن حنيف، بدلاً عن ابن أبي سرح وابن عامر ومعاوية، على مصر والبصرة والشام، وجعل عبيد الله بن عبَّاس على اليمن، وقثم بن عبَّاس على مكَّة.

وكانت عقبة استبدال معاوية هي الاخطر، حيث أحكم سيطرته على الشام والشاميين الذين لا يعرفون من الإسلام الا ما يعرِّفهم به معاوية، حيث انه عمل على أن لا يبقي في الشام صحابياً، فأخرج منها أبا ذرٍّ، وعبادة بن الصامت وغيرهما، لتخلو له أرض الشام فلا يعرفوا غيره!

 

* ثانيا:استحداث نظام مراقبة الولاة والعمال

إن الإمام، عليه السلام، وبالرغم من اهتمامه بانتقاء العناصر الكفؤة والورعة، كان يحرص على الإحاطة بأساليبهم في معاملة الرعية من خلال استحداث نظام المراقبة والتفتيش عليهم، فاستعان بجهاز من الرقباء والعيون؛ ليرى مدى طاعة الولاة وتنفيذهم لقواعد العدالة الإسلامية، فسلك سبيل مراقبة طرق جباية الأموال، وكيفية توزيعها على قطاعات الأمة، كما شدد على مراقبة ولاته في الأمصار، فإذا بدا من أحدهم خطأ أو تقصير، بادر الإمام إلى تقويم سلوكه بالوسائل التربوية تارة، وبالتهديد أو بالعزل إذا لزم الأمر، وهذه نماذج من وسائله تلك:

1- بلغه، عليه السلام، أن عثمان بن حنيف، واليه على البصرة، دعاه بعض شخصيات أهل البصرة إلى مأدبة، فخشي الإمام ،عليه السلام، أن تستميله تلك الوسائل أو سواها ؛فينحرف عن خط العدالة الإسلامية المرسوم؛ فيميل في أحكامه أو يجور في قضائه ومعاملته للأمة، فكتب إليه كتاباً جاء فيه: «أما بعد، يا ابن حنيف فقد بلغني أن رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة، فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان، وتنقل إليك الجفان، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم، عائلهم مجفو، وغنيهم مدعو، فانظر إلى ما تقتضمه من هذا المقضم، فما اشتبه عليك علمه، فالفظهُ وما أيقنت بطيب وجوهه، فنل منه.ألا وإن لكل مأموم إماماً يقتدي به، ويستضيء بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد..».

2- كتب إلى مصقلة الشيباني عامله على «أردشير خرّة» مهدداً ومتوعداً: «بلغني عنك أمر إن كنت فعلته، فقد أسخطت إلهك وعصيت إمامك، إنك تقسّم فيء المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم، وأريقت عليه دماؤهم، فيمن اعتامك من أعراب قومك، فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لئن كان ذلك حقاً لتجدن لك عليّ هواناً، ولتخفَّنَّ عندي ميزاناً، فلا تستهن بحق ربك، ولا تطمح دنياك بمحق دينك، فتكون من الأخسرين أعمالاً».

3- كتب إلى أحد عماله يقول: «أما بعد فقد بلغني عنك أمر، إن كنت فعلته فقد  أسخطت ربك، وعصيت إمامك، وأخزيت أمانتك، بلغني أنك جردت الأرض فأخذت ما تحت قدميك، وأكلت ما تحت يديك، فأرفع إليَّ حسابك، واعلم أن حساب الله أعظم من حساب الناس..».

 

* ثالثاً: التوصيات والتوجيهات المستمرة لولاته وعماله

رغم استعانة الإمام، عليه السلام، بجهاز من الولاة والموظفين لإدارة دفة الحياة الإسلامية، فقد كان المحيطون به خلّص اصحابه، يعدّون نماذج راقية ومتكاملة في مستواهم الروحي والفكري، وكانوا قمة في الالتزام، وايضاً في القدرات الادارية والقيادية، مثل؛ عثمان بن حنيف، ومحمد بن أبي بكر، ومالك الأشتر وسواهم. وبالرغم من أن الإمام، عليه السلام، قد زودهم بخطط هادية ومناهج راشدة، يهتدون بها في حياتهم العملية، وفي علاقاتهم مع مختلف قطاعات الأمة التي يباشرون قيادتها. إلا انه ما انفك يتعهدهم بالوصية تلو الوصية لضمان استمرار دقة وحسن أدائهم الاداري. لذا تجد الكثير من النصوص التي يوجه فيها الإمام، عليه السلام، والياً أو جابياً للمال باتجاه الطريقة المثلى في عمله المناط به، ومنها:

1- عدم الاستئثار بما هو حق عام

 فقد نهى الإمام علي، عليه السلام، ولاته من الاستئثار بما الناس فيه اسوة ، فليس له من سبيل أن يستأثر بشيء يعود لجميع المواطنين، فإنّ ذلك ينمّ عن الشره والطمع، وذلك ممّا لا يليق بالوالي النزيه، فجاء في عهده الى مالك الأشتر:» وإيّاك والاستئثار بما النّاس فيه أسوة، والتّغابي عمّا تعنى به ممّا قد وضح للعيون، فإنّه مأخوذ منك لغيرك. وعمّا قليل تنكشف عنك أغطية الأمور، وينتصف منك للمظلوم».

2- على الوالي مجالسة العلماء

أكّد الإمام علي، عليه السلام، في عهده الى مالك الاشتر على مجالسة العلماء ومحادثة الحكماء، فإنّها تفتح آفاقا كريمة من الوعي والتطوّر وتهدي إلى سواء السبيل. حيث قال: «وأكثر مدارسة العلماء، ومناقشة الحكماء، في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك، وإقامة ما استقام به النّاس قبلك».

3- الوالي وذوو الحاجات

قال، عليه‌ السلام: «واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرّغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلسا عامّا فتتواضع فيه لله الّذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك، حتّى يكلّمك متكلّمهم غير متتعتع* فإنّي سمعت رسول الله، صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم، يقول في غير موطن :» لن تقدّس أمّة لا يؤخذ للضّعيف فيها حقّه من القويّ غير متتعتع»

وقد حفل كلامه هذا بتعاليم رفيعة هي:أن يجعل الوالي وقتا خاصّا للمواطنين يلتقي بهم ليعرف حوائجهم ويطّلع على متطلّباتهم.وأن يجلس فيهم متواضعا غير محفوف بالعظمة والكبرياء، وأن يكون تواضعه لله تعالى.وأن ينحّي عن الناس الجنود والأعوان حتى يتكلّموا بحرية وأمان.

 

* رابعاً: ولاية المظالم

كان أمير المؤمنين، عليه السلام، أوّل من أسّس ولاية المظالم في الإسلام، فقد اتّخذ في الكوفة بيتا سمّاه بيت المظالم، وأمر المظلومين أن يسجّلوا فيه ظلامتهم، وقد تطوّرت هذه الولاية في العصر العباسي، وفاقت منصب القضاء، وقد عهد إليها النظر في الشكاوى التي يرفعها المواطنون ضدّ الولاة والحكّام إذا انحرفوا عن طريق الحقّ وجاروا على الرعية.و في جور العمّال إذا شذّوا في جباية الأموال وغيرها من الواجبات.وقد اهملت هذه الولاية التي هي من أهمّ المناصب وأخطرها، فقد انيط بها تطبيق العدل وصيانة الحقوق وإقصاء الظلم عن الناس.

 

* مواصفات الوالي

ان عزل الولاة السابقين لم يكن عن فراغ، وانما لانهم لم يتحلوا بالصفات اللازمة لتولي هذه المهمة الخطرة في حياة الامة. وقد توضحت صفات الولاة في عدد من خطبه ووصاياه، كقوله، عليه السلام، «... لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم، والأحكام، وإمامة المسلمين: البخيل فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الحائف للدول فيتخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع...». ومنه تتضح بعض صفات الوالي:

1- لا لتولية الجاهل

كما ينهى الامام عن تولية الجهال الذين لا يعلمون في دين الله، ولا في ادارة شؤون الناس شيئا، بقوله: «ولا الجاهل فيضلهم بجهله». ولعل الجهال انواع واصناف فمنهم من يسمى جاهلا باختصاص معين وان امتلك قاعدة عامة من الثقافة الانسانية، وهناك صنف آخر وهم الجاهلون لا في اختصاص معين بل هم جاهلون بأبسط القواعد الثقافية المطلوب توافرها في ابسط الناس .بل على العكس تراه يمتلئ بعقدة النقص القاتل التي يعكسها بتعامله مع الناس. ان الشعوب التي تحترم نفسها لا تعطي الولاية للجاهل باختصاصه حتى وان امتلك قاعدة ثقافية عامة ،بل تولي عليها من امتلك ثقافة عامة كافية وعلما متميزاً باختصاصه. الا اننا ومع شديد الاسف قد ابتلينا وفي معظم بلداننا بان ولاتنا يجهلون بأبسط القيم الثقافية اللازمة لادارة شؤون الامة علاوة على جهل فاضح بالعلم التخصصي لادارة اعمالهم فضلا عن جهل مدقع بتعاليم الدين. ولهذا كان الإمام، عليه السلام، يختار ولاته وعمّاله على البلدان من ذوي المعرفة ومن أهل البصائر. الّذين يتمتعون بالمعرفة والوعي والصلابة في العقيدة ليكونوا - الى جانب عملهم الإداري - معلّمين ورجال رسالة، وكان يوجههم نحو هذه المهمة؛ «أمَّا بَعدُ، فَأقِم للِنّاس الحَجَّ، وَذَكِّرهُم بِأيامِ اللهِ، وَاجلِس لَهُم العَصرَينِ، فَأَفتِ المُستَفتي، وَعَلِم الجاهِلَ، وَذاكِرِ العالِمِ».

 

* لا لتولية الظالم في توزيع المال

وهذا ما ذكره الامام علي، عليه السلام، بقوله:» ولا الحائف للدول فيتخذ قوماً دون قوم». والمراد بالحائف بالدول: الظالم في توزيع المال حيث يفضل قوماً على قوم في العطاء.وهذا ما تشهده اليوم تطبيقات الولاة في امتنا الاسلامية ؛فترى الولاة يصطنعون اليوم مسميات مختلفة لشرعنة الظلم في توزيع الاموال: كالعائلة الملكية والانتماء القبلي، او مسمى الدرجات الخاصة، او الذات الاعتبارية، وهنا يقول الامام علي، عليه السلام، في وصيته لعبد الله بن عباس حين ولاه البصرة: «أنصف الله، وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده...».

2- لا لتولية المرتشي

والى هذه الحقيقة يشير الامام، عليه السلام، بقوله :» ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق...» نعم فالرشوة هي الآفة التي تحطم كل شئ، فبالرشوة تضيع الحقوق، وتُطمر الكفاءات وتتخلف تبعا لذلك الامم،ويدخل الحرام بطون الناس ؛فينشا تبعا لذلك مجتمعا انعقدت نطف أبنائه من الحرام، وتنحرف الذرية عن الطريق القويم؛ وتموت القيم، وتنحرف المسيرة، ويحل الدمار الشامل بالامة.

وبالرغم من قصر المدة التي قضاها أمير المؤمنين، عليه السلام، في قيادة الأمة، فإن الفكر الذي طرحه، كفيل بتغطية حاجات الإنسان عبر امتداده التاريخي على هذه الأرض، فقد جاءت خطبه ورسائله وأوامره وإرشاداته زاخرة بهذا اللون من الفكر، مجسداً أروع أطروحة وأنضجها لإدارة شؤون الحياة الإنسانية. فقد طرح، عليه السلام، نظاماً متكاملاً لعلاج المشكلات، وحدد برامج واضحة تتجاوز الأخطاء المتراكمة. ولم يلتمس الإمام، عليه السلام، المواقف الوعظية في علاج المشكلات المختلفة فحسب، وإنما سلك- إلى جانب مخاطبة الضمائر والاستفادة من رصيد الإيمان بالله فيها- سلك سبيل استخدام الضوابط القانونية والعيش الرغيد، وإنهاء دور الظلم في المجتمع، في تحقيق التوازن.

-----------------

* التتعتع : هو العجز عن الكلام لخوف من السلطة.


ارسل لصديق