الثقافة المهدوية في مواجهة الفتنة الطائفية
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2015/06/07
القراءات: 770

ان من أجلى المظاهر المباركة للظهور الميمون وتأسيس الحكومة الكونية للامام المهدي -عجل الله تعالى فرجه الشريف- هو القضاء على الجاهلية وحميتها ووليدتها، الفتنة الطائفية، والعنصرية المقيتة، وتلك الظلمات المولدة لجهل البشرية وسفاهتها، تلك الجاهلية والسفاهة التي أنزلت المقام السامي للانسان، من ذروة الملكوت الى أدنى المراتب الحيوانية، بحيث يتلذذ بتعذيب وقتل الآخر من بني البشر، بل من ابن الدين الواحد بدوافع جاهلية، دنيئة.

وقد تحدثت الكثير من الروايات والاحاديث الشريفة عن مكافحة الامام المهدي- عجل الله فرجه الشريف- للمناهج الجاهلية التي أطبقت على العقل الانساني، فهدرت الكرامة وجيّرت العلم والمعرفة لغير الطريق الذي رسمه الله - تعالى- ومضى عليها الانبياء والاوصياء والمصلحون.

 

• إزالة مظاهر الجاهلية والتخلّف

ومن مظاهر هذه الجاهلية المنتجة للتخلّف، والذي أنتج بدوره - وما يزال- التطرّف والتحجّر، نذكر ما يلي:

أولاً: غياب المرجعية القيادية الرسالية، في حين ان اول سمات حكومة الامام المهدي -عجل الله تعالى فرجه الشريف- هي تحديد الإمامة والزعامة، بما لا يكون مجال للشكّ والريبة.

ان الله تعالى وضع زعامة الحكومة الموحدة الكونية بعهدة عبده الصالح، الحجة ابن الحسن- عجل الله تعالى فرجه- إذ هو الانسان الوحيد على وجه الارض الذي أقرّ الله سبحانه وتعالى معصوميته من الدنس والخطأ والعيب.

فقد روى يونس بن عبد الله الرحمن، ان الامام علي بن موسى الرضا، عليه السلام، كان يأمر بالدعاء لصاحب الأمر: «اللهم، فإنّ عبدك الذي استخلصته لنفسك واصطفيته على غيبك وعصمته من الذنوب وبرأته من العيوب وطهّرته من الرجس وسلّمته من الدّنس...».(1)

ان الامام المهدي- عجل الله تعالى فرجه الشريف- وبهذه الصفة المميزة (العصمة) سيقطع الطريق امام دعاة الولاية والوصاية الجاهلية على العالم والامة، من أدعياء الدين نفاقاً وزوراً، وممن يمهدون لحكومة الفاسدين والطغاة.

ثانياً: انه سيظهر ليرتقي بالانسان الذي خضع للجهل والتحجّر والتضليل والميوعة، الى مدارج ومراقي العلم والمعرفة. انه نظير لجدهّ، الامام علي بن أبي طالب، عليه السلام، في العلم والمعرفة حيث تموُج العلوم العلوية في صدره. انه كنز العلم الالهي في الارض، ووريث جميع علوم الانبياء السابقين، وانه ملمٌ بجميع زوايا وخفايا هذا العالم المترامي الاطراف.

عن الامام الباقر، عليه السلام، قال: «اذا قام قائمنا، عليه السلام، وضع يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم، وكملت بها أحلامهم»،(2) وعن الامام السجاد، عليه السلام، قال: «العلم، سبعة وعشرون حرفاً، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان، لم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين، فاذا قام القائم أخرج الخمسة والعشرين حرفاً، فبثها في الناس وضمّ اليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفاً». (3)

ثالثاً: ومن أجل القضاء على جميع آثار وتداعيات جاهلية القرون والاعصار، ووليداتها المقيتة، فإن اصحاب الامام المهدي- عجل الله فرجه الشريف- يبايعون بأن: لا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يسبّوا مسلماً، ولا يسفكوا دم مسلم من دون وجه حق، ولا يهدروا ماء وجه أحد، ولا يعتدوا على منزل، ولا يضربوا أحداً دون وجه حق، وألاّ يكنزوا الذهب والفضة والقمح والشعير، وألاّ يأكلوا مال الفقير، وألاّ يشربوا الخمر، وألا يلبسوا الحرير والفرو، وألا ينحنوا أمام الذهب والفضة، والاّ يقطعوا الطريق على أحد، وألاّ يهددوا أمن الطرق، وألاّ يتبعوا المثلية، وأن يقنعوا بالقليل، وان ينتصروا للطهارة، ويبتعدوا عن الدناءة، ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر و...»(4). وهذا ما يفعل خلافه تماماً، التكفيريون والدواعش وحملة راية المشروع الاموي في مناطق مختلفة اليوم من بلادنا، مما يوضح التناقض بين المنهجين والمشروعين والرايتين.

كما أن الامام المهدي- عجل الله تعالى فرجه الشريف- يتعهد بـ «أن يسلك طريقهم، وأن يلبس كما يلبسون، وأن يمتطي مركباً مثل مركبهم، وان يكون كما يريدون، وأن يقنع ويرضى بالقليل، ويملأ الارض قسطاً وعدلاً بإذن الله، كما ملئت ظلماً وجوراً، ويعبد الله كما يستحق والاّ يختار لنفسه حارساً وحاجباً و...»(5).

وهذا ايضاً، ما يفعل خلافه، أمراء البترول وسلاطين الجور الداعمين للفكر الطائفي والتكفيري، وكذلك ما يفعله شيوخ الفتنة ووعاظ السلاطين وأبواق الشيطان الذين يشرعنون لحكام الجور سياساتهم، وللجماعات التكفيرية، أعمال القتل والذبح على الهوية.

رابعاً: لقد كان المسببون الرئيسيون للضلال الفكري وقلب الحقائق وتغيير النصوص الدينية على امتداد التأريخ، ثلاث مجموعات هي:

أ‌- رجال الدين من عبدة الدنيا والتابعين للحكام الفاسدين، من شيوخ ودعاة الفتنة ووعاظ السلاطين كما اليوم.

ب- الرأسماليون والمترفون، حسب التعبير القرآني؛ تجار المال المحرم والهوى والحروب والهيمنة، والغرب والاستكبار وأذنابه نموذجاً.

ج- الحكومات غير الاسلامية، والاسلامية في الظاهر، والمتسترة المتسربلة بسربال الدين والشرع لتضفي الشرعية على سلوكها الفاسد. والحكومات الوراثية والعميلة للغرب، والمساهمة في اذلال شعوب المسلمين، خير نموذج على ذلك.

ومن أصعب نضالات الامام المهدي- عجل الله تعالى فرجه الشريف- هو مكافحة هذه المجموعات و أفكارهم الجاهلية والطائفية والاستكبارية، قديمها وجديدها، لأن هذا النضال يشمل كافة الاتجاهات الفكرية، والسياسية، والاقتصادية في مجتمعاتنا والتي تتلبس بلبوس الحق.

يقول الامام علي، عليه السلام، عن سلوك ونهج الامام صاحب العصر والزمان-عجل الله فرجه الشريف: «يعطف الهوى على الهدى، اذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الرأي على القرآن، اذا عطفوا القرآن على الرأي».(6)

وعن النبي الاكرم محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «يقيم الناس على ملتي وشريعتي، ويدعوهم الى كتاب ربي عز وجل».(7)

خامساً: ان الأمن الفردي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي أصبح اليوم مهدداً في المجتمعات الانسانية، ولاسيما مجتمعاتنا الاسلامية بسبب محاولة الفكر التكفيري للهيمنة والسيطرة بالقتل والذبح والتهجير الطائفي، الا ان عصر الامام المهدي- عجل الله تعالى فرجه الشريف- هو عصر إعادة الحق الى أصحابه، عصر نجاة المظلوم من الظلم، وعصر انقاذ الانسان من شرك الضياع والخراب، وعصر تحرر الانسان من قيود الدناءة والحضارة.(8)

ان عصر الجاهلية الاولى قبل الاسلام، كان عصر الوحشية والخيانة والتدهور الامني والحرب وسفك الدماء، واليوم يشهد العالم المتحضر كل هذه الجرائم التي تقودها وتشرف عليها وتضع مناهجها، دول كبرى، كأنها تريد إعادة الحروب الصليبية بأسلوب جديد، وذلك عبر محاربة ومقارعة المسلمين من الداخل بواسطة تسليح الجماعات التكفيرية والدول المتخلفة لتقاتل جيرانها، كما يحصل اليوم ضد اليمن.(9)

سادساً: إن عصر الجاهلية كان عصر انعدام الهوية والعبودية و وأد البنات وعصر ضياع الكرامة والشخصية الحقيقية للمرأة، وعصر التبرج واستمتاع الرجل بالمرأة بدافع الهوى والشهوة، فقام النبي الكريم محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، بأمر من الله، بإدخال الأمل الى قلوب اليائسين والمضطهدين، وأعاد الشخصية والهوية الحقيقة للمرأة، فبرزت خديجة بنت خويلد، وفاطمة الزهراء، عليهما السلام، ملتحقات بأبرز نساء أهل الجنة بل سيداتهنّ، وبرزت نسوة عظام بفضل نور الاسلام.

 

• إعادة المرأة الى مكانتها اللائقة

كذلك من احدى ثمرات النهضة العالمية للإمام المهدي- عجل الله تعالى فرجه الشريف- تتمثل في اعادة الهوية والشخصية الحقيقية للمرأة بعد ان أغرقوها في تبرج الجاهليتين؛ الاولى والمعاصرة. ومن نماذج الجاهلية المعاصرة عند التكفيريين، التي أعادت المرأة الى عصر الجاهلية، من خلال ابتداع «جهاد النكاح»، وتنظيم رحلات لمئات النسوة الفتيات من بلاد شتى، الى الاراضي التي يقاتل فيها الارهابيون التكفيريون، بهدف الترفيه الجنسي عنهم، بسبب انقطاعهم عن الحياة الطبيعية لفترات طويلة، تحت شعار ومسوّغ: «جهاد النكاح»! حيث يتم تزويج هؤلاء النسوة لمن يرغب باشباع غريزته الجنسية، ثم طلاقها بين يوم وليلة!

في المقابل، فان المرأة في عصر الظهور، من انصار الامام القائم- عجل الله فرجه الشريف- يستغرقن في العفة والعفاف، فيقول الامام الباقر، عليه السلام، عن تلك النساء الطاهرات: «ويجيء والله ثلاث مائة، وبضعة عشر رجل فيهم خمسون امرأة، ويجتمعون بمكة على غير ميعاد قزعاً كقزع الخريف»(10)، والفئة الثانية: هي أربع مائة امرأة مختارة ينزلن لنصرة الحكومة الكونية الالهية للامام- عجل الله تعالى فرجه الشريف- مع السيد المسيح، عليه السلام، الى الارض، وعن النبي الاكرم محمد، صلى الله عليه وآله وسلم: «ينزل عيسى ابن مريم بثمانمائة رجل واربعمائة امرأة أخيار من على الارض وأصلحاء من مضى».(11)

 

• الثقافة المهدوية، جامعة للمسلمين

عودٌ على بدء، فان الروايات الصحيحة، عند المسلمين كافة مجمعةً على خروج الامام، وصح منها المئات، منها (33) رواية ناهيك عن الحسنة والمرسلة عند أهل السنة والجماعة، ومنها:

- قال الامام احمد في مسنده: «حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف عن ابي الصديق الناجي عن ابي سعيد الخدري: قال رسول الله: «لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً، قال: ثم يخرج من عترتي- او من أهل بيتي- يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، ويملك سبع سنين».

- عن ام سلمة قالت: «سمعت رسول الله يقول:» المهدي من عترتي من ولد فاطمة».

- قال الحافظ ابن القيم الجوزية في المنار المنيف، ص 147- 148،

- عن جابر، قال رسول الله :» ينزل عيسى ابن مريم، فيقول اميرهم المهدي: تعال صلِ بنا، فيقول:» لا إن بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الامة، وهذا اسناد جيد».

لهذا فان الامة الاسلامية جمعاء، مدعوة اليوم، لا سيما وان كبار زعماء الفكر التكفيري وائمتهم كأحمد بن حنبل وابن الجوزية يقرون بالامام المهدي- عجل الله فرجه الشريف- وخروجه، وانه من العترة الطاهرة، ومن ولد فاطمة الزهراء، عليها السلام، فالأمة مدعوة بكافة مذاهبها وطوائفها ان تترك المطاحنات الطائفية جانباً وتلجأ الى ثقافة الامام المهدي الوحدوية، الكونية، والورود في مدرسة الامام، عليه السلام.

فاذا اختلفنا في مكانة ومقام العترة؛ هل أنها أعظم من الانبياء أم لا؟ فهذا عيسى بن مريم ينزل ليصلي خلف ابن العترة الطاهرة المهدي المنقذ.

واذا اختلفنا، ان الامام علياً، عليه السلام، وعترة النبي هم الأولى بالخلافة بعد النبي، فلماذا لا نجتمع على قيادتهم الربانية لا نفاذ المسلمين والعالم تحت راية زعيم العترة الطاهرة اليوم وغدا الامام المهدي-عجل الله فرجه الشريف.

واذا اختلفنا، ان فاطمة الزهراء، عليها السلام، هل ظلمت او هوجم بيتها وماتت ودفنت ظلماً وسراً، فان المسلمين أجمعوا على عظمة ابنها وانه من ولد فاطمة

فلماذا يا ترى نتفرق ويكفّر بعض من شذاذ آفاق الامة، البعض الآخر، ليذبح أخاه المسلم؟

ان الثقافة المهدوية تدعونا الى ان نرتشف من معين أطروحة الامام- عجل الله فرجه الشريف- وننضوي تحت راية المبادلة وقبل فوات الأوان، تمهيداً وتعجيلاً لظهوره المبارك وتقديراً لسنة الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، وعترته الطاهرة.

-------------

1-فروع الكافي، ج6، ص400

2-منظومة حقوق المرأة، ص287

3-جمال الاسبوع، ص507

4-منتخب الاثر، ص483

5-منتخب الاثر، ص507

6-كمال الدين وتمام النعمة ، ص411

7-بحار الانوار، ج52، ص223

8- الجاهلية الحديثة( الثانية)، اسماعيل حاجيات، موقع(موعود).

9-اشارة الى محاضرة سماحة السيد المرجع المدرسي الاخيرة الذي اتهم بعض دول الخليج التي تقوم بحرب صليبية نيابة عن الغرب داخل البلدان الاسلامية

10-معجم الامام المهدي، ج 1 ،ص 534

11- بحار الانوار، ج 10، ص104.


ارسل لصديق