الأطروحة المهدوية الربانية وزيغ الأدعياء
كتبه: سماحة السيد محمود الموسوي
حرر في: 2015/06/07
القراءات: 1281

«كل مدّعي المهدوية، والإمامة، وكل من يزيد في الأئمة أو ينقص، هو مبتدع ضال عن المنهاج الذي أسّسه رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وأكد عليه أهل بيته الأطهار، بخطوات فكرية محكمة».

لم يترك النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل البيت، عليه السلام، مسألة التحدّيات العقائدية دون أن يضعوا لها أسساً ويعبّدوا لها طريقاً يحقق صحة مسارها ومسار كل معتنق لها.

فمنذ اليوم الأول من انطلاقة الدعوة الإسلامية، برز تيار العداوة الذي اعتمد المجابهة المباشرة للدعوة الرسالية، ولما فشل في تحقيق غرضه في هزيمة من يحمل الراية، اعتمد سياسة التحريف، والتحريف هو عداء خفي، يبتغي ليّ المسار للوصول إلى غير الأهداف الإلهية، فكان جهاد النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، على التنزيل وتأسيس الدين وقيمه، فيما كان جهاد الإمام علي، عليه السلام، ومن بعده من الأئمة، على التأويل، أي على الإنطباق الصحيح لقيم السماء في الواقع، وقد أخبر النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، أميرَ المؤمنين بهذه الحقيقة، «أنا أقاتل على التنزيل وأنت تقاتل على التأويل».

فكان النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل بيته واعين لكل ذلك أشد الوعي، وعملوا على تحصين العقول من التشويش والانحراف، وأسّسوا البناء الفكري الرصين ليحفظ الحق ونور الحق إلى آخر العصور، وهذه من أبرز مهامهم الرسالية سلام الله عليهم.

فمن السياسات التحريفية التي يمكن أن يدخل منها الشيطان وأعوانه، أو يسوّل بها الشيطان لبعض البسطاء أو المصابين بلوثة الفكر أو القلب، هي إدعاء المقامات السامية المحورية في الدين، كي يكون الدين والمسلمون في قبضتهم، يسيّرونه إلى حيث يريدون، وبهذا تتحقق مآرب أعداء الله، سواء بيد عدوٍ مباشر لله، أو بيد من يسيّره الأعداء من حيث لا يشعر.

 

* إحكام منصب الإمامة والمهدوية

وكي لا يتخلّل أحدٌ في هذا الفراغ، ولا ينصّب نفسه من لا نصيب له من شأن الولاية، عمد النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل بيته، عليه السلام، إلى إحكام هذا المنصب، وصيانته من التحريف، سواء في النقيصة أو الزيادة، كل ذلك كي تكون محورية الإمامة آية محكمة لا ينفذ إليها المضلّون ولا يتخللها المشكّكون، فقطع الطريق على كل محاولات التحريف التي حاولت اختطاف منصب الإمامة.

فالروايات الواردة عن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، وكذا عن أهل بيته، عليه السلام، التي ذكر منها صاحب كتاب منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر(1)، ثلاثمائة وعشرة أحاديث، أسّست عملية الإحكام في الإمامة من خلال عدة تأسيسات:

1/ أن الأئمة من بعد النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، اثنا عشر إماماً، عدد لا ينقص واحداً ولا يزيد، وربط هذا الرقم بآيات القرآن الكريم، عدد النقباء، الأسباط، الشهور، وكلها لا تتغيّر ولا تتبدّل، وهي معلومة مشهورة مسطورة في كتاب الله.

فقال، صلى الله عليه وآله وسلم،: «خلفاؤكم اثنا عشر، عدّة نقباء بني إسرائيل».

2/ حدّد هويتهم العامة، بأنهم من قريش، وكذا حدّد هويتهم الخاصة فإنهم من أهل بيته وعترته.

فقال الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم،» اثنا عشر خليفة كلهم من قريش» و «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة»(2).

3/ حدّد صلتهم به، بل وأسماءهم واحداً واحداً.

4/ أكد على أوّلهم وعلى آخرهم، فعلي، عليه السلام، هو أولهم، والمهدي هو آخرهم وقائمهم. كما فقال، صلى الله عليه وآله وسلم،: «يا علي أوّلهم أنت وآخرهم قائمهم».

5/ حدّد موقعية المهدي وأنه هو الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وهو الغائب المنتظر ولا أحد سواه، وعلى كل الناس أن ينتظروا خروجه هو بعينه، ليلتحقوا بركبه المبارك.

 

* التحديات والغربلة الإيمانية

إن المؤمنين يعلمون بنور بصيرتهم بأن هنالك من سيخرج مدعياً الإمامة وخصوصاً المهدوية في عصر غيبته، وأن ذلك أحد مواطن الغربلة والامتحان الإيماني، فقد قال الإمام الباقر، عليه السلام،: «لا يكون فرجنا حتى تغربلوا، ثم تغربلوا، ثم تغربلوا ـ يقولها ثلاثاً ـ حتى يذهب الله الكدر ويبقى الصفو»، فالأصفياء هم الذين يثبتون على ولايتهم المحكمة من الله ونبيه وأهل بيته، فينتظرون الفرج، وهو القائم الخاتم من الأئمة، عليهم السلام،. وقد قال الإمام الصادق، عليه السلام،: «طوبى لمن تمسّك بأمرنا في غيبة إمامنا، فلم يزغ قلبه بعد الهداية»، فالهداية العقائدية متحققة عند المؤمنين، وكل من يأتي بجديد في أمر الولاية فهو ضال لا يلتفت إليه بحال. 

 

* علامات الظهور تثبيت للمهدوية

لقد أكثر أهل البيت، عليه السلام، من ذكر علامات الظهور المقدّس لصاحب العصر والزمان- عجل الله فرجه -  وذكر الحوادث المرافقة لظهوره الشريف، وهذه العلامات أوضحت للمؤمنين على مر الزمان أن العالم ينتظر مهدياً واحداً محدداً، وهو من نسل فاطمة الزهراء، عليها السلام، وابن الإمام الحسين، عليه السلام، وأبوه الإمام الحسن العسكري، عليه السلام، وقد ولد في عصره، وغاب عن الأنظار غيبة صغرى وتلتها غيبة كبرى، وسوف يظهر في آخر الأمر عندما يأذن الله تعالى، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً.

وهذه الشخصنة الدقيقة في تحديد هوية الإمام المنتظر- عجل الله فرجه الشريف- هي تثبيت لفكرة المهدوية، فلا يمكن لأحد أن يسرقها من عقول وقلوب الموالين الواعين، كما أن ذلك الظهور سوف يكون واضحاً غير ملتبس، لأن العلامات الحتمية التي سوف ترافقه هي علامات يستدل بها المؤمنون بل والتائهون، فلا غموض فيها ولا شك في ظهورها لكافة الناس.

 

* أدعياء المهدوية

في عصر الأئمة كان الشيطان يدعو أولياءه للتلبس بلباس الإمامة من خلال التالي:

1/ اغتصاب منصبها الدنيوي، وادعاء الشرعية للمنصب من أجل التحكّم في مسار الأمة الإسلامية ومنع الأئمة الحقيقيين من قيادة الأمة، وقد قام بهذه المهمة أمثال بني أمية، وبني العباس، وما زال الحكام يحاولون السيطرة على الخطاب الديني وتقييده من أجل أن لا يخرج عن عباءتهم خارج، فهذا هو المنهج، هو نفسه المتبع تاريخياً.

2/ إدعاء الإمامة وإدعاء الأحقية، بطريقة التأويل الخاطئ بليّ الحقائق إلى جهة فرقة أو شخصية، لينسب لها الشرعية الإلهية، وبالتالي يمكنها التصرف في قيادة الأمة وإقصاء القيادة الحقيقية المتمثلة في أهل بيت النبوة وموضع الرسالة.

وقد قام بهذه المهمة العديد من الأشخاص، بدءاً بمدّعي النبوة والإمامة أو تحريف معنى النبوة أو الإمامة، أمثال مسيلمة، وسجاح، ومحمد بن ابي زينب الأسدي(3)، في عصر الإمام الصادق، عليه السلام، وأبي منصور العجلي الذي أسماه الإمام الباقر، عليه السلام، أنه «رسول إبليس»(4) ولعنه، وعلي بن أبي حمزة البطائني الذي أسس الواقفية وأنقص من عدد الأئمة، وغيرهم.

وبعد الغيبة الكبرى لصاحب الأمر- عجل الله فرجه- استغل الشيطان وجود النفوس المريضة، وسوّل لها إدعاء المهدوية، باعتبار أن الخفاء للإمام الحقيقي متحقق إلى أمد بعيد، فاعتبر الفرصة سانحة لهدم الولاية ومسار الحق الرباني، ولذلك خرج الكثير من الأدعياء الذين باءت مشاريعهم بالفشل وتلاشت من صفحات التاريخ، إلا أنهم لوّثوا عقول بعض الضعفاء، ومازالت بعض صباباتها الملوّثة تخدم الباطل وأهله.

ولكن أهل البيت، عليه السلام، كانوا على بصيرة بهذا الخط وهذا الانحراف، فأخبروا شيعتهم عن ظهور هؤلاء وحذروهم منهم، وأخبروا بأنه سيأتي من شيعتهم، من يدّعي المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، وحكموا عليه بالكذّاب المفتري، وقال الإمام الصادق ،عليه السلام، عن العلامات الواضحات قبل خروجه كي يقطع الطريق على كل مدّعي الإمامة أو المهدوية:

فعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عليه السلام، أَنَّهُ قَالَ: لِلْقَائِمِ خَمْسُ عَلَامَاتٍ ظُهُورُ السُّفْيَانِيِّ وَالْيَمَانِيِّ وَالصَّيْحَةُ مِنَ‏ السَّمَاءِ وَقَتْلُ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ وَالْخَسْفُ بِالْبَيْدَاءِ. وعنه، عليه السلام، في كمال الدين: «قبل قيام القائم خمس علامات محتومات».

 

* الهدم من الداخل

السياسة التي اتبعها أعداء الدين لهدم الدين، هي أن يقوموا بنخره من الداخل، كي ينتهي إلى الضعف وعدم القدرة على مواجهة التحديات وكي يسير في ركابهم، وهي سياسة هدم الدين باسم الدين، فهي أسهل طريقة لاجتذاب من كان لديهم الحس الديني، وجعلهم معاول هدم من غير أن يشعروا، وفي الحقيقة إن هذه السياسة هي تستفيد من الجذوة الإيمانية التي خلقها الدين في النفوس، ولكن مع تغيير اتجاهها نحو اتجاه آخر مختلف عن مقاصد الدين وعن حقيقة الدين، إلى أن ينتهي الأمر إلى تبنّي فرقة مغايرة أو مذهب آخر أو دين جديد.

وهذا ما حصل مع العديد من الفرق التي خرج أدعياؤها باسم الدين في البدء ثم شيئاً فشيئاً ترى عجلتهم تسير باتجاه المقاصد الغربية ومقاصد أعداء الدين.

 

* الزايد فينا كالناقص منا

عبر السياسة الفكرية المتكاملة التي اتبعها النبي وأهل بيته، عليه السلام، بشأن الأطروحة المهدوية، أصبح الإمام المنتظر، عليه السلام، آية مُحكمة، يُردّ بها كل متشابه، فعند تشابه الفتن وتتابعها على العقل، ما عليه إلا أن يرجعها إلى الفكرة المهدوية المحكمة، فإن وافقتها فقد وافقت الحق، وإن خالفتها فقد خالفت الحق، فلا مهدي قبله ولا مهدي بعده، فهو المهدي الخاتم سلام الله عليه.

لذلك فإن من أنقص من الإئمة عن عددهم الحقيقي الإثني عشري، وأنكر بعضهم كالواقفية والكيسانية والزيدية، كمن زاد فيهم وزادهم على الإثني عشر، فهم سواء في بعدهم عن الحق وفي انحرافهم عن أمر الولاية والمهدوية المقدّسة.

وهذه الحقيقة يذكرها الإمام الحسن العسكري، عليه السلام، بوضوح تام لا لبس فيه، فقد سأل الإمام الحسن العسكري أحد أصحابه عمن وقف على أبي الحسن موسى بن جعفر ،عليه السلام، «وكان عمه قد توفي» قائلاً: أتولاهم أم أتبرأ منهم؟

فكتب له العسكري ،عليه السلام،:»لا تترحم على عمّك، لا رحم الله عمّك، وتبرأ منه، أنا إلى الله منهم بريء فلا تتولاهم، ولا تعد مرضاهم، ولا تشهد جنائزهم، ولا تصلّ على أحد منهم مات أبداً.

سواءٌ من جحد إماماً من الله، أو زاد إماماً ليست إمامته من الله، أو جحد، أو قال: ثالث ثلاثة.

إن جاحد أمر آخرنا جاحد أمر أولنا، والزايد فينا كالناقص الجاحد أمرنا» (5).

وقد بينت الروايات أن أولهم علي، عليه السلام، وآخرهم القائم، وعدتهم اثنا عشر، فالزيادة عليهم جحود لأمرهم، عليهم السلام.

----------------

* عالم دين من البحرين

----------------

(1) إلى الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني، أفرد المجلد الأول كله للروايات الناصة على أئمة الإثني عشر بالعدد والمواصفات والشخوص.

(2) راجع صحيح مسلم وصحيح البخاري وسنن الترمذي وسنن أبي داود والمعجم الكبير والصغير وغيرهم من كتب العامة.

(3) انظر اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) للشيخ الطوسي، حديث 509 صفحة 302 وحديث 521 صفحة 307

(4) رجال الكشي، ح546 ص369

(5) الخرائج والجرائح 1/452 و كشف الغمة 3/319.


ارسل لصديق