الدكتور راشد الراشد في حوار مع مجلة «الهدى»:
عندما تخلّت الأمة عن مسؤولياتها حدث التراجع ولا يمكن استعادة الكرامة إلا بالتصدي وتحمل المسؤولية
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2015/06/07
القراءات: 591

 • في خضم الاحداث المتسارعة والمتشابكة في الساحة، تزداد الرؤية ضبابية والازمات تعقيداً، رغم انتشار وسائل الاعلام وسهولة التواصل السريع عبر العالم، إلا ان الغريب حقاً؛ أن شعوب العالم عامة، وشعوبنا الاسلامية خاصة، لا تزداد عن الحقيقة إلا بعداً، بسبب فقدان المعايير الصحيحة والاحتكام الى غير القيم والمبادئ. ومع قرب ذكرى مولد منقذ البشرية صاحب العصر والزمان الإمام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، اغتنمنا فرصة وجود الدكتور راشد راشد، الكاتب والباحث الاسلامي من البحرين، في كربلاء المقدسة، في محاولة لبلورة العلاقة بين «المنقذ» وعصر الظهور، وبين الواقع الذي تعيشه شعوبنا والعالم، فكان الحوار التالي:

• بالرغم من التضحيات التي تقدمها الشعوب على أمل الخلاص من واقعها الفاسد، نلاحظ أنها دائماً أول من يدفع ثمن المشاكل والازمات والحروب، فهي لا تصنع الحدث، إنما يقع عليها الحدث، ما السبب في هذا المآل باعتقادكم؟

 

- هنالك سببان؛

الأول: عندما تخلّت الشعوب عن تحمل مسؤولياتها تجاه أوضاعها وحدثت النكسة في أن الغرب تحديداً، استطاع ان يهيمن على هذه الشعوب وأن يبعدها عن مصادر القرار والسيادة، سواءٌ في قرارها السياسي، او الاجتماعي، او الاقتصادي، او الثقافي، كما استطاع الغرب من استخدام القوة لإلغاء قدرة الشعوب في ممارسة دورها، وإبعادها عن دورها.

الثاني: بث الفكر الانهزامي في الأمة، وإشاعة روح الاستسلام، التي سعى لها الغرب، و بالنتيجة كان للأمة، اضافة الى الفوارق في ميزان القوة مع الغرب، استسلمت للكثير من الافكار الانهزامية والاستسلامية، واستراحت الى ثقافة تبرير خنوعها واستسلامها عما يجب ان تتصدى له وتتحمل المسؤولية في ساحة المواجهة.

في السنوات الخمس الماضية، عندما انطلقت الهبّات الجماهيرية والشعبية، في تونس واليمن ومصر والبحرين وسوريا، استغل الغرب، ايضاً، استراتيجيات تحول دون تحقيق الشعوب انتصارات لهذه الهبّات الجماهيرية، وحدث ما سُميّ بـ «الثورات المضادة»، الهدف منها أن لا تقوم قائمة للشعوب العربية والاسلامية لتصل الى مصادر القوة والنفوذ، والسيطرة على مقدّراتها وثرواتها، فابتدعت استراتيجية الثورات المضادة من داخل الشعوب، وعندما لم تنجح هذه الاستراتيجية في عدد من البلدان، عمد الغرب هذه المرة، الى استراتيجية جديدة، باسم «استراتيجية الحرائق المشتعلة»، ومن الأمثلة على ذلك؛ تشكيل جماعات «داعش» و»جبهة النصرة» وغيرهما، بهدف التفتيت من الداخل، ومن ثم إضعاف الأمة وشعوبها، وإبعادها عن أية اسباب قوة وقدرة لديها.

ولكن؛ مع ذلك، فان بارقة الأمل الموجودة اليوم، هي في بروز فكر متصدّ، يتحمل المسؤولية، من خلال انتشار فكرة المقاومة، التي تتصدّى لفكرة الاستسلام والهزيمة والقبول بالامر الواقع.

وما نقرأه اليوم من مشهد، أن هنالك في الامة اليوم، روحاً جهادية دخلت في صلب المعادلة، بعد أن تمّ إبعاد الأمة طيلة أكثر من ألف عام، عن مسرح التفاعل مع الاحداث، وتزريق افكار تبريرية، تبرر عدم المواجهة وفكرة الاستسلام والهزيمة والخنوع.

 

• الاحتكام الى منطق القوة، بفعل القوى المضادة للتغيير الجماهيري، اشغل الجماهير عن اهدافها الحقيقية بمقارعة النظام الفاسد وتحقيق التغيير والإصلاح، لذا فهي اليوم تواجه «مشكلة داخل مشكلة». كيف تنظرون الى منطق القوة كعامل حسم؟

 

-  تحدث الخطاب القرآني في الآية الكريمة: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}،(سورة الانفال/60).

ان البلد الغني بالثروات والقدرات، لا يمكنه الحفاظ على ثرواته وقدراته اذا كان ضعيفاً. وللأسف الشديد، نحن، منذ أمد بعيد، نواجه أطماع وصراع إرادات، فلا يكفي حسن النية او القيم الاخلاقية المجردة، دون ان تحميها و تمدّها بأسباب القوة لكي لا تسهل عملية اعتداءات الطامعين في ثروات ومقدرات الأمة.

الضعف الذي نشكو منه طيلة السنوات الماضية وحتى الآن، إن الغرب لا يريد لأي من الدول الاسلامية ان تكون في موقع القوة، لذا نلاحظ طيلة القرن الماضي عدم وجود جيش عربي او  اسلامي حقيقي قادر على الدفاع عن نفسه فيما اذا تعرض الى اعتداءات وتهديدات حقيقية، ولا يستطيع درء المخاطر الحقيقية التي تتهدد وجوده. ويتم تكريس هذا الواقع بناءً على لعبة توازنات تحفظ هذا الضعف. وقد اكتشفنا مؤخراً كيف أن الانظمة السياسية العربية تهاوت بفعل الهبّات الجماهيرية، وبانت هشاشتها في جزئية مهمة تسمى «الدولة»، وقد يتم تحطيمها الآن لمزيد من الضعف في الدولة.

لذا فإن الحق لا ينتصر بمجرد الأماني والأحلام، او أنك صاحب النبل وحسن النوايا، وبذلك تتمكن من الحفاظ على كرامة الاوطان، والحفاظ على ثرواتها ومقدرتها. لذا فأنت تحتاج الى القوة للدفاع عن النفس، كما تحتاج الى القوة لحماية المنجزات والمكتسبات في الامة. أما اذا كانت الامة تتعرض لدسائس ومؤامرات من قبل أعداء الأمة، فأنت بأمسّ الحاجة لإعادة التوازن في القوى لردع  الطامعين في خيرات الاوطان، من خلال امتلاكك ما يردعهم. فاذا تعجز عن الدفاع عن نفسك، فانك تعطي العدو الفرصة للسيطرة عليك واستعبادك.

 

• هنالك ثلاثة شعوب في المنطقة تخوض صراعاً مريراً من أجل البقاء، الشعب العراقي والشعب اليمني والشعب البحريني، ما هي الأدوات المفضلة باعتقادكم، لتوفير عامل القوة الحقيقي لدى هذه الشعوب، في مقابل عوامل ضغط تواجهها من الانظمة احياناً ومن الجماعات التكفيرية احياناً اخرى.

 

- ان التكفير والطائفية والمذهبية، هي عناوين تغطي صراع الارادات، ففي القرن الماضي، وتحديداً في بداية الثمانينات، كانت اليافطات، تحمل عناوين مثل: «الشيوعية» و»الجيش الأحمر»، وغيرهما، كما كانت هنالك يافطات بعناوين «القومية» و»العروبية» و»الناصرية»، كما كان هنالك الخطاب العنصري، المتعلق بالفارسية والمجوسية والصفوية وغيرها، وبتقديري؛ كل ذلك، يمثل يافطات لتمرير شيء يتعلق بالسيطرة والنفوذ، فاذا تطلب اليوم شعاراً دينياً، او سياسياً، مثل «الديمقراطية»، فان الحكومات والانظمة لا تتوانى في اتباعه واستخدامه، لأن الأولوية لديها هي السلطة والحكم، وليس شيئاً آخر، فاذا تعرّضت السلطة للتهديد فإنهم مستعدون لارتكاب مجازر بشرية مريعة. وإلا ما الذي يرسل سبعة جيوش الى البحرين لقمع الناس لانهم يطالبون باستحقاقات وطنية ودستورية، وان يكون لهم دور في بلدهم.

وطيلة عشرة قرون، كانوا يقولون: «لا يجوز الخروج عن ولي الأمر»، و» لا يجوز عدم طاعة ولي الأمر»، ويستدلون بالآية القرآنية، {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}،(سورة النساء/59) لاستصدار هذه الثقافة، ولتثبيت عرش الحاكم بحيث لا تجوز مخالفته حتى وإن كان ظالماً فاجراً، مغتصباً للسلطة والنظام السياسي بغير وجه حق، لكن نجدهم اليوم، ونظراً لحسابات الربح والخسارة، وحسابات النفوذ، عمدوا الى تحطيم هذه القاعدة، ودعم من يقاتل ويسفك الدماء من اجل إسقاط بشار الأسد - مثلاً- وايضاً إسقاط القذافي، مع أني لا أدافع عن هؤلاء، بيد أن هذه الاحداث تؤكد أن دعاوى الطائفية والعنصرية والقومية، مجرد يافطات لأهداف على الارض للسيطرة  وإخضاع الآخر، وليس شيئاً آخر، لذا نلاحظ المجازر المروعة والذبح بالجملة، كما حصل في مجزرة «سبايكر» في العراق عندما تمت إبادة اكثر من 1700 انسان باطلاق رصاص عشوائي، وهذا يؤكد أن القضية لاتتعلق بدين، بقدر ما هو مرتبط بصراع ارادات وسيطرة ونفوذ.

 

• الذين يقتلون ويبادون بالجملة في بلادنا الاسلامية ينتظرون البديل والمنقذ، كيف يمكن صياغة بديل ينقذ هذه الشعوب مما تعيشه من مآس وويلات؟

 

 - البديل يكمن في ثلاثة عوامل: الاول: تنظيم هذه الشعوب لنفسها. والثاني: زيادة منسوب الوعي بين ابناء الأمة، لما يحاك ضدها من مؤامرات، والعامل الثالث: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ. نحن لا نستطيع ان ندافع عن اعراضنا وكرامتنا، ونحن أمة مستضعفة لا تمتلك من اسباب القوة شيئاً، لذا نحتاج الى التنظيم بالاستفادة من التجارب الناجحة، مثل تجربة حزب الله في لبنان، وحتى في اليمن، ففي هذين البلدين هناك أوجه تنظيم لطاقات شباب هذه الامة في خندق المقاومة.

هنا أشير الى نقطة مهمة؛ إن ديننا لا يجيز الاعتداء ابتداءً على الأمم الاخرى، كما لا يجيز اعتداء البشر على بعضهم البعض، وبالنتيجة هنالك فلسفة مفادها؛ أنك طالما تستطيع ان توجد القوة للدفاع عن نفسك، حتى لا تسهل عمل الطامعين في خيراتك، فإن هذه العملية تصبح من أوجب الواجبات.

فمن خلال هذه العوامل الثلاثة، نستطيع ان نحمي ونصون منجزات الامة وثرواتها.

 

• المآسي والمحن التي تعيشها الأمة دفعتها لأن تفكر دائماً بقرب يوم الظهور، و وصول المنقذ، متمثلاً بالامام الحجة المنتظر -عجل الله فرجه- لينقذهم من الفتن والحروب. ما هي رؤيتكم الى هذه القضية؟ 

 

- المسألة اعتقادية، فنحن نعتقد بوجود منقذ للانسانية من هذه الآلام والغصص التي تتجرعها بسبب جهل البشر وبالتالي هي عقيدة تتعلق بما وردنا من احاديث وروايات تتعلق بمن سيخرج ليملأ الارض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، أما توظيف هذه القضية في صراع الارادات بالشكل الحالي، فان فيه مخاطرة كبيرة جداً، لاننا نلاحظ عندما تشتد الازمات وتحتدم المواجهات، نجد هذه الافكار تقفز بقوة الى الواجهة، ففي بداية انتصار الثورة الاسلامية في ايران قفزت مثل هذه الافكار، كما شهدنا ذلك خلال الحرب العراقية الايرانية، حيث قفزت هذه الفكرة مرة اخرى وبقوة، وأنه «اذا اشتعلت النيران بين فارس والعرب فإن الظهور قريب...»! وجاء الاعتداء على الكويت ايضاً من قبل صدام، وعندما اشتعلت آبار النفط، ايضاً قفزت الفكرة من جديد، بانه «اذا رأيتم النيران مشتعلة....»! وهكذا كلما اشتدت الازمات تبرز هذه الافكار وخطورتها انها تأتي في وقت تحتاج فيها الامة لتتسلح بأسباب القوة، بينما هذه الافكار تعبئ الناس باليأس وليس الأمل، بانهم غير قادرين على المواجهة في صراع الارادات، لذا فهم ينتظرون «خشبة للخلاص»، توهمهم بأن هناك من سيخلصهم غداً او بعد غد من جحيم اعتداءات الاعداء. فبدلاً من أن تدرس الأمة المخاطر التي تتهددها وتضع خارطة طريق للتفوق في صراع الارادات وتتحمل المسؤولية، نراها تستريح على فكرة أن هنالك من سينقذها من هذا الجحيم، فيما اعداؤنا يتسلحون تقنياً وتكنولوجياً، يتآمرون ويتحالفون، يجمعون المال بالحلال والحرام بأي طريقة، من اجل التعبئة وشراء الذمم والضمائر، ويخططون ليل نهار، لكي يحتلوا اراضينا وبلادنا، ويهيمنوا علينا.

هنا أؤكد على أن فكرة ظهور المنقذ، كفكرة عقائدية، ربما تتحقق بعد سنة وربما بعد الف سنة او مليون سنة، لكن لا ينبغي أن تتحول الى ثقافة أمة، من أجل أن تتخلى وتتنصل عن مسؤوليتها وتبرر عجزها، ففي فلسفة الانتظار لا أحد يمنعك من أن تتسلح بأسباب القوة لتدافع عن نفسك، ولذلك أن ترادف عملية الانتظار، العجز والإعاقة، تمثل مفسدة في الاتجاه المعاكس لهذه الفكرة العقائدية الكبرى.

من هنا؛ أرى ان الذين يصرون ويشتغلون ليل نهار لترويج فكرة «أننا في عصر الظهور»، ليس لديهم أي مشروع يتعلق بالمواجهة، مع إيماننا بأن عصر الظهور، بدأ منذ الغيبة الكبرى للإمام المنتظر - عجل الله فرجه- وسيأتي اليوم الذي يظهر فيه، ولكن الذين يمتهنون هذا العمل، ويشيعون هذه الفكرة بالطريقة السلبية،، ليس لديهم مشروع للمواجهة.

         

• ما هي الخطوات التي توفر للأمة الشروط المطلوبة لتكون مؤهلة فعلاً ليوم الظهور؟

- ان نكون امةً مؤمنة متحملة للمسؤولية من خلال قوة التنظيم، تنظيم ارادة الامة وحشد طاقاتها، وتعبئتها وتهيئتها وتمكينها.

مثال ذلك؛ المآخذ التي وردتنا من بعض الشخصيات العلمائية على ثورتنا الشعبية في البحرين، على «أنكم لا تمتلكون اسباب اسقاط نظام الحكم في البحرين فلماذا ورطتم انفسكم...»! ففي الإجابة على هكذا سؤال؛ نقول: كأن هذا الخطاب يطالبنا بالاستسلام للأمر الواقع، ولقدرنا بان يتسلّط علينا حثالات فاسدة، وكأننا أمة عاجزة، والامر الآخر؛ بأنه اذا لم تكن لدينا الامكانات والقدرات، من المفترض ان يكون صاحب الاعتراض هو من يمدنا بالمال والسلاح والإعلام وسائر الإمكانات، فهذه مسؤوليته، ولذلك نحنُ في زمن الانتظار لم يقل لنا احد: اتركوا اسباب القوة والتحضير والجهوزية والاستعداد، ولم يطلب منا أحد عدم التمكين وهذا من أهم الواجبات في زمن الغيبة، فالذي لا يستطيع ان يكون في مقدمة الامة في المواجهة بامكانه الدعم من الجبهات الخلفية، لا ان يبرر التقاعس وعدم تحمل المسؤولية، بحجة أننا في زمن الانتظار، والمحصلة؛ تتعرض الامة للاغتصاب والنهب والاستضعاف، وتتعرض ارواح الناس الى هذه الحروب العبثية، بسبب أننا أمة قد تخلت عن مسؤولياتها في بناء قدراتها ومنعتها.

إذن؛ نحن مطالبون بالتفوق، وهذا التفوق يتطلب تنظيم امورنا. و»الله الله في نظم امركم»، وهذه وصية من سيد المتقين، كما نحن بحاجة الى التخطيط ووضع استراتيجيات وخارطة عمل لتوجيه طاقات الامة وتعبئتها وتمكينها من اجل الدفاع عن كرامتها وعزتها.

 

• ضمن عوامل التغيير لواقع الأمة، كيف تنظر الى وسائل إعلامنا، وهل هي بالمستوى المطلوب؟ وكيف يمكن ان تكون عاملاً لإشاعة روح الأمل في النفوس؟

 

- اذا أردنا ان نقيم الدور الذي يقوم به الاعلام في زمن، ما زلت أعده، زمن الاستضعاف، نحتاج الى عمل كبير جداً للنهوض بمستوى الوعي الذي أشرت اليه، فما زالت بعض وسائل الاعلام تعيش في وادٍ بعيد جداً عن المعارك الاساسية التي تواجه الامة والتحديات التي تواجهها. فالبعض ينفّث عن صراعات بينية داخلية، لا تسمن ولا تغني من جوع. فيما البعض الآخر، يعكس ثقافة ليست لها صلة بالواقع، لا تؤثر فيه ولا تتأثر منه، قليل ذلك الاعلام الرسالي المسؤول الذي يتحدث في سياقات المواجهة والتحديات الكبرى التي تواجه الامة، ولذلك نحن نحتاج الى نهضة وعي كبيرة جداً في نفس الامة، وبالذات النخب المثقفة والمتصدية لخطابنا الاعلامي سواءٌ السياسية والدينية والثقافية لتضعه في مكانه الصحيح، لا ان تنزلق الى الانشغال بأمور جانبية. وبالتالي نحنُ نتطلع الى نهضة حقيقة في  وعي ووجدان الامة لترتقي الى مستوى التحديات وان تكون متفاعلة مع هذه التحديات وتجيب على ثغرات هائلة تصنعها هذه التحديات في عقل الامة وفي وجدان الامة وفي نفسية الامة، لا ان تكون منفصلة ومنعزلة او تعيش مجمدة في حوادث التاريخ.

 

• كيف تنظرون الى رسالة علماء الدين والمثقفين و دورهم لمواجهة حالة التشاؤم والاحباط لدى الشعوب؟

في ظل ضخامة التحديات القائمة اليوم التي وصلت الى مراحل بشعة بوحشيتها ودمويتها، لابد للعلماء والخطباء والمثقفين، أن يدركوا طبيعة وحجم هذه التحديات لكي يتعاطوا معها من منطلق المسؤولية الاخلاقية والادبية والرسالية، لمواجهة هذه الاخطار و ردع تهديداتها عن الامة، وعن الحضارة والعقيدة، وبغير ذلك فاذا عاش الخطيب او المثقف او الاعلامي او السياسي، منفصلاً منشغلاً بالقشور، ومنشغلاً بالصراعات البينية، ربما في لحظة من اللحظات تبتلعهُ وتبتلع امتهُ من جذورها، تحديات خارجية هي اكبر بكثير اليوم من ان نلهو عنها بخلافات جانبية او معارك ليست من صميم هذه التحديات.

أن الاعلام اليوم يتم توجيهه، كما هنالك حرب الشائعات، فيما البعض يتكلم اليوم عن «أن المعركة شيعية - سنية»، في حين أنها لا علاقة لها بالشيعة ولا بالسنة، ففي فلسطين، التي هي جزء من تحديات الامة الراهنة، ليست هنالك علاقة للمعركة الدائرة بالقضية الطائفية، وكذلك الحال في تونس، أو في ليبيا، وكما أشرت آنفاً؛ انما هذه يافطات فقط تستخدم في بازار السيطرة. مثال ذلك الثورة الجماهيرية في البحرين، فهي تطالب باستحقاقات وطنية، فتتهم بأنها طائفية، مع انها الآن دخلت عامها الخامس ولم ترفع شعاراً طائفياً او مذهبياً واحداً، إنما كل شعاراتها وطنية. لذا من الخطأ ان يهب أي منّا في تحدي معركة عملاقة وضخمة بنفس طائفي ومذهبي، فيما الأعداء يحاولون استفزازنا في هذا الاتجاه. من هنا نعتقد ان المعركة تتعلق بالسيطرة والنفوذ، ولا يعنيهم ان تكون شيعياً او سنياً او حتى شيوعياً، طالما انت مستضعف وخاضع للسيطرة والنفوذ، اخضع ولا يهم ما تعتقد به وتؤمن به، ولك ما تشاء، ربما اذا اردت ان تبني اكبر حسينية او مسجد او مأتم او صومعة او معبد، فإنهم سيساعدونك في بناء ذلك طالما انت خاضع بلا ارادة بلا حول ولا قوة. فالمعركة اذاً؛ ليست سنية - شيعية، لأن من يقودها اليوم من النظام السعودي والقطري، لا يعنيهم لا السنة ولا الاسلام، وهذه الأسر معروفة بفسادها الاخلاقي قبل فسادها السياسي وفسادها الاقتصادي، فضلا عن أني لا اعتقد أن الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، يهمه اليوم ان نصلي اليوم خمس ركعات او ثماني او الف ركعة، بينما هم مستعدون لارتكاب أفظع المجازر بحق السنة أو الشيعة او أي فئة أخرى لا فرق لديهم، اذا شعروا أنهم مصالحهم ونفوذهم في خطر.

وعليه؛ يجب أن يرتقي إعلامنا بوعي هذه الامة الى مستوى التحديات الكبرى، لا يجب أن نصدق أننا اليوم امام معركة مذهبية لندافع عن مذهبنا وعن طائفيتنا، المطالب تتفوق على العرق واللون والاثنية، أن الاوطان والانسانية تتعرض للتمزق اليوم، كما تتعرض كرامة البشرية والحضارة الانسانية للعدوان والانتهاك، وليست طائفة بعينها.

 

• هل من قاسم مشترك تجتمع حوله الأمة لتتخلص من ثقافة اللامسؤولية، وتنطلق لمواجهة التحديات؟

 

- هناك تحديات داخلية، ويحاول الخصوم و الاعداء، الاستفادة منها لاشعال المعارك البينية، وإحداث انهيارات وتشكيك، فالآخر يقود اعلاماً عالمياً، ولديه المليارات يوظفها لخلق كيانات ومؤسسات في داخل مجتمعك، لذا من اجل زيادة منسوب الوعي، لابد ان نرتفع عن الخلافات الجانبية، وان لا ننجر الى معارك ليست هي ساحات المعارك الحقيقية بالنسبة الينا، إنما نتجاوزها، وهذه مسؤولية ضخمة جداً تحتاج الى عمل كبير ومنظم، يستهدف الارتقاء بوعي الامة بحيث تكون على مستوى حجم التحديات والمخاطر القائمة حولها، وبالتالي تستطيع ان تشخص بعض ادوات خصوم الامة وأعدائها، الذين يزرعون المؤسسات والشخصيات و الافكار الهادفة ربما الى التشويش أو صرف الانظار عن الأمور الاكبر، او ربما لزعزعة الثقة بالذات للتشكيك بسلامة المنهج والرؤية، وهناك علماء نفس وعلماء اجتماع يشتغلون ليلاً مع نهار لتحطيم هذا المجتمع من داخله، يعني هناك حرب شاملة موجهة، تستهدف هذه الامة في اوطانها، وفي افكارها وفي معنوياتها، وأخطر هذه الحروب ما يتصل بالحروب النفسية، مستخدمين أسلحة التشكيك والاشاعات وغيرها، بهدف احداث هذا الانهيار واليأس بداخل نفوس الأمة، والإيحاء لها انها غير قادرة على التصدي والنهوض والمواجهة. لذلك فهي حرب شاملة، نلاحظها في جانبها الدموي الوحشي على الارض، وهناك حرب خفية غير مرئية، ولكنها ترتكب مجازر بالفكر وفي الاعتقادات وفي الروح، عندما يتسلل الاحباط واليأس في نفوس الامة.

وهذا ما نتعرض له في البحرين، حيث نواجه هذه الحرب القذرة التي تريد ان يتسلل اليأس الينا، باننا غير قادرين على التغيير، فاذا دبّ اليأس والاحباط في نفوس الامة، وحدث الانهيار المعنوي، سيكون الانهيار المادي سريعاً، وهذا ما يحصل حتى عند الانبياء والرسل، عليهم السلام، وهي حقيقة يشير اليها القرآن الكريم: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ،(سورة يوسف/110) لان العدو يستهدف احداث انهيارات معنوية، فاذا يئس الناس، يستسلمون «عن يدٍ وهم صاغرون» الى من يحتل بلادنا، و من ينهب ثرواتنا. لذا تحتاج الامة الى جرعات ضخ من الوعي الذي يضعها في مكانها الصحيح، لتفهم طبيعة وحجم هذه التحديات ونوع المخاطر التي تتعرض لها ومسؤولياتها بشكل محدد تجاه هذه المخاطر والتحديات، وما يحصنها معنوياً وأخلاقياً للثبات في المواجهة.

 

• هل ترون من قدرات حقيقية في افراد الأمة، من شرائح الشباب أو المرأة للتفاعل مع الاحداث وخوض المواجهة؟

- الامة تمتلك من الموارد الطبيعية والبشرية الخير الكثير، واذا ما استطعنا ان نوجهها التوجيه الصحيح، فيما يحميها ويحمي ويصون كرامتها واوطانها، ستجدهم في المقدمة.

اليوم فتوى المرجع السيد السيستاني-حفظه الله- بالجهاد الكفائي، واستجابة الامة، أعادت التوازن الى موازين القوى اليوم في العراق، وبالتالي هذه الامة لديها الكثير، بيد أنها تحتاج الى التنظيم والى الوعي والتعبئة، كما تحتاج الى التمكين، ولذلك نحن لا نريد ان نستجلب مرتزقة ليدافعوا عن مقدساتنا وعن أوطاننا وفيها الملايين الذين اذا ما تم توجيههم بالشكل الصحيح، واذا ما ارتفع منسوب الوعي بما يرفعهم الى مستوى ادراك ما يستهدفهم من تحديات تتهدد وجودهم ووجود امتهم ومقدساتهم، سينطلقون الى جبهات المواجهة، وهذا ما حدث في العراق، وهذا ما حدث في لبنان، وإلا كيف استطاع حزب نشأ من الصفر بأن يقف ويواجه كل هذه التحديات؟ إن المبررات الأخلاقية والشرعية كلها قائمة، بلد يتعرض الى الاحتلال والانتهاك، في كل لحظة، وهذه اسباب كافية لشحن طاقات الامة وتوجيهها نحو مواجهة العدو. وفي اليمن اليوم ايضاً تبرز المعركة عندما تتلخص فيها كرامة الامة والمبررات الاخلاقية والشرعية لمواجهة العدوان، ورد الاعتداءات، تجد الامة تلتف حول مشروعها، ولذلك الامة فيها ما يفوق حتى حاجاتنا الى المواجهة، اذا احتاج العدو ان يشتري بالمال السياسي القذر عشرات الآلاف من المرتزقة من هنا وهناك، فنحن نستطيع ان نجند طاقات الامة ونعبئها اخلاقياً ودينياً بما يبرر التبرير الاخلاقي والشرعي لوجودهم في الخطوط الامامية للمواجهة عن العقيدة والدين والاوطان، وحماية الذات وردع الاعتداءات على الكرامة والعرض والشرف والناموس، إنما كان الخلل، في عجز النخب خلال العقود الطويلة من أن صياغة قيادات قوية ومتصدية. فعندما حاول الامام الخميني الراحل، التصدّي لنظام حكم الشاه في ايران، قيل له ايضاً: «كيف تستطيع ان تهزم اقوى خامس جيش في العالم»؟ فهو لم يحمل سلاحاً على منكبه، ولم يكن لديه دبابة ولا مدفع، لكنه قاد الامة ووظف طاقاتها لدحر الفساد والظلم الذي كان قائماً، واستطاع أن يخلق الانتصارات. وهذا ما نحتاجه نحن تحديداً، فيما لا يريده الأعداء لانهم لا يريدون لهذه الثقافة من وجود، و لكي لا تقوم قائمة لنا كأمة قوية مقتدرة تستطيع أن تردع العدوان وان تدافع عن نفسها. ولكن نحن في بدايات هذا التحول الكبير، فنحن لسنا كالأمس، اليوم لدينا ثقافة مقاومة، ونعتز بانتماءاتنا، كما نعتزّ بهويتنا كأمة واحدة، ندافع عن مقدسات هذه الامة ونختزن ثقافة هائلة نستمدها من هذا الاسلام العظيم. تقول الآية الكريمة: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}،(سورة الانبياء/92)وإذن؛ فان التحديات التي تستهدف الفلسطيني اليوم هي بوضوح، نفسها التي تستهدف العراقي، وهي التي تستهدف البحريني، وهي التي تستهدف اليمني، ومصادرها واحدة، وبالتالي من الخطأ الفادح ان نختزل كل ذلك في إطارات مذهبية أو أثنية. 


ارسل لصديق