منهجية الاقتداء في القرآن الكريم
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2015/06/07
القراءات: 1100

خلق الله الخلق و أودع فيهم كوامن الخير، وفطرهم على معرفته والايمان به، ووجههم بالاتجاه الصحيح حيث الصراط المستقيم.

وينشأ النشىء، وفيه رغبةٌ في الاتباع والتأسّي بمن حوله وبمن يحبه، فالبنت تحاكي سلوك أمها منذ نعومة أظفارها، فتمثل دور الأم في رعاية الطفل عبر رعايتها لدميتها، والولد يحاكي اباه بممارسة مهنته ومزاولة عمله - أياً كان- ويستمر الطفل في الاقتداء بهما حتى تبنى شخصيته كنسخةٍ عن شخصية أبويه، مؤمنين كاناً او كافرين، وكما في الحديث النبوي: « كل مولود يولد على‏ الفطرة حتى يكون أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه‏».(1)

وبمزيد من الاحتكاك بالمجتمع تزداد حالة المحاكاة لدى الطفل، فينمو وتنمو معه هذه الحالة، التي يتقمص عبرها شخصية أناسٍ يحبهم ويرغب أن يكون كأحدهم، وبالرغم من ان هذه الحالة تبدأ عفوية، الا أن توجيهها يبقى بيد الانسان ذاته، فيكون هو المسؤول عن اختياره للقدوة المناسبة.

وكما لم يغفل الله سبحانه عن الحاجات المادية للانسان، فوفّرها له بأفضل ما يكون، لم يغفل ايضاً عن حاجاته المعنوية والنفسية، فواتر اليه انبياءه ورسله وانزل عليه الشرائع تلو الشرائع، ليحفظوه من الانحراف ويقوّموا مسيرته نحو الخير والصلاح، ومن ذلك حالة الاتباع لديه.

 وحيث كان الانسان يخطئ الاختيار- بطبيعته الجهولة والعجولة- دلّه البارئ - سبحانه - رحمةً منه، على من يصلحون للاقتداء والتأسي، فلم يكتف بانزال الكتب و مواترة الشرائع، بل أرسلها عبر رجالٍ من لحم ودم، يبلّغون الدين الصحيح، ويطبقونه على انفسهم أولاً، لكيلا يتحجج الناس بعدم امكانية تطبيق الدين وأنه مثالياتٌ لا يمكن للانسان ان يصل اليها، أو انهم يجهلون كيفية التطبيق لما ورد في الشرائع وغيرها، وبكلمة؛ لكيلا يكون للناس حجة على الله سبحانه.

وبعد كل ذلك، من ارسال الرسل والشرائع، أمر الله سبحانه أن يقتدي الناس بالانبياء والرسل، ويجعلوهم نماذج يقتدى بها في حياتهم، قال الله سبحانه: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}،(سورة الممتحنة/4) وقال سبحانه وتعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}،(سورة الاحزاب/12)

وبالتدبر في هذين الآيتين نستفيد بصائر عدة:

الأولى: ان الله سبحانه يدعو الناس للاقتداء بأعظم أنبيائه ورسله، مما يحدو بالمرء ان يكون دقيقاً في اختيار الأسوة الحسنة، وان لا يجعل أمر ذلك الى الهوى والتفكير السطحي.

الثانية: الانبياء معصومون من الخطأ، مطهرون من الزلل، ولكن ذلك لا يعني ان يفصلهم الانسان عن حياته العملية وسلوكه اليومي، لأن المعرفة المجردة للانبياء والمرسلين والرجال الصالحين، لا تنفع المرء شيئاً ان لم تترجم الى واقع عملي في حياة الانسان. نعم لا يمكن للانسان ان يصل الى مقام النبوة حتماً، ولكن بإمكانه ان يسعى في سبيل تقريب سلوكيات حياته الى سلوكيات العظماء، وهذا ما نستفيده من الآية الاولى، حيث الدعوة صريحة الى اتباع المؤمن لابراهيم، عليه السلام، ومن معه، من الذين لم يكونوا معصومين او انبياء، في موقفٍ عمليٍ عسير خاضوه ونجحوا فيه.

وكذلك الأمر بالنسبة الى الآية الثانية، التي تدعو الى التأسي بالنبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، حيث وردت في سياق الحديث عن الحرب وصفات القائد الرسالي لجيش الحق والايمان.

إن عدم الوصول الى مقام النبي، لا يمنع من الاتباع والاقتداء فيما يستطيع الانسان، وكما يقال «ما لا يدرك كله لا يترك كله»، وقد قال أمير المؤمنين، عليه السلام، بعد بيان طريقته في المعيشة وزهده فيها: «...أَلَا وَ إِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَ لَكِنْ أَعِينُونِي‏ بِوَرَعٍ‏ وَ اجْتِهَادٍ وَ عِفَّةٍ وَ سَدَاد».(2)

الثالثة: بمقدار الهدف يكون الاقتداء، فكلما زاد طموح المرء، وجب عليه اختيار القدوة المناسبة لذلك الطموح، فمن أراد الثروة فعليه الاقتداء بأصحابها، ومن اراد العلم فعليه اتباع العلماء، وهكذا فمن أراد النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة، فعليه الاقتداء بالشخصيات التي دعا الرب سبحانه الى التأسي بها في كتابه، وهم الأنبياء والصالحون، فرسول الله، صلى الله عليه وآله، أسوةٌ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً، يقول سماحة المرجع المدرسي، دام ظله، في تفسير هذه الآية: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ولكن؛ هل بامكان أي أحد من الاقتداء بالرسول؟ كلا. بل الذي ارتفع بإرادته وروحه وسلوكه عن حطام الدنيا، وتطلع إلى الآخرة.

{لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}، أما الذي يكون هدفه شهواته أو زينة الدنيا، فإنه لا يستطيع الاقتداء بالرسول، صلى الله عليه وآله، الذي أخلص نفسه ووجهه لله، وزهد في درجات هذه الدنيا الدنية، وزخرفها وزبرجها.

أما الصفة الأخرى لمن يتبع الرسول فهي: تذكر غايته الأساسية وهي رضوان الله، والاستقامة عليها، وحين يعرف الإنسان وجهته يعرف - بوضوح- سائر أهدافه، وتتوضح له استراتيجياته ومعالم سلوكه، إذ يجد المعيار السليم لمعرفة كل ذلك‏»(3).

الرابعة: كلما كانت القدوة اعظم كان الاقتداء اصعب، ودون الوصول اليه الوان المصاعب والمتاعب التي تثني من لا عزيمة له عن الوصول الى بغيته، و لهذا كان سلاح الإيمان ضرورياً في هذا الدرب. يقول المرجع المدرسي: « وإبراهيم والمؤمنون معه خير أسوة لمن أراد البراءة الحقيقية من أعداء الله، ولكن دون التأسي بهم ألوان التحديات والمصاعب التي تحتاج مقاومتها إلى الإرادة الصلبة والاستقامة، وكل ذلك يستمده المؤمن من إيمانه بربه وبالجزاء ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ ناصراً يتوكَّل عليه، ووليًّا يُنيب إليه، ﴿وَالْيَوْمَ الآخِرَ حيث يلقاه وعنده يجد رضاه وما يرضيه من الجزاء والثواب {وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}‏ لا يحتاج إليه ﴿الْحَمِيدُ وفي الآية إنذار مبطن لمن يتولى بأنه الذي يخسر، وليس الله سبحانه».(4)

 

• فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ

في سياق الحديث عن الانبياء العظام في سورة الانعام، يأمر الله باتباع هديهم واتخاذ سبيلهم سبيلا، فبعد ان ذكر الله - سبحانه- النبي ابراهيم وابنه اسحاق ومن بعده يعقوب وداود وسليمان وايّوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى والياس واسماعيل واليسع ويونس ولوط، عليهم جميعاً أزكى صلوات الله، {وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ}،(سورة الانعام/87) ، بعد ذكرهم جميعاً قال الله سبحانه: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ}،(سورة الانعام/90).(5)

وفيما يلي بعض النقاط المرتبطة بهذه الآية:

1. الآية صريحة في ضرورة الاقتداء بمن هداه الله سبحانه، لضمان النتائج المرجوّة، والا فلن يزيده الاتباع الى رهقاً.

2. ينبغي ان يكون الاهتمام - في مسألة الاقتداء- في السلوكيات العملية، دون الاهتمام بالمظاهر، لأن السلوكيات هي ما تميز الانسان عن غيره باعتبارها نابعة من ارادته، دون ما لا يكون للمرء فيه مدخلية.

3. إن الاقتداء باولياء الله هو الطريق الأسلم للوصول الى الاهداف، قال الامام الصادق، عليه السلام: «و لا طريق للأكياس من المؤمنين أسلم من الاقتداء، لأنه المنهج الأوضح و المقصد الأصح، قال الله تعالى لأعز خلقه محمد، صلى الله عليه و آله وسلم، {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ} فلو كان لدين الله مسلك أقوم من الاقتداء لندب أولياءه وأنبياءه

----------------

1- الكافي (ط.دار الحديث): ج11،ص354

2- نهج البلاغة: من كتاب له، عليه السلام، لعثمان بن حنيف الانصاري.

3- من هدى القرآن: ج7،ص184

4- من هدىالقرآن: ج10،ص420

5- تفسير نور الثقلين: ج1،ص744.


ارسل لصديق