الشباب والبحث عن الثقة بالنفس بين البيت والمدرسة
كتبه: سعد مغيمش الشمري
حرر في: 2015/06/08
القراءات: 934

تعد الثقة بالنفس، مَلَكة قابلة للنمو، كما هي قابلة ايضاً للضمور والاضمحلال، فهي تمثل أحد أهم عوامل النجاح في شتى الاعمال، وفي مختلف جوانب الحياة، اضافة الى ذلك، فان الكثير من المواقف والحالات تتطلب حالة الثقة بالنفس، بما يقنع الآخرين بقوة الطرح والرأي بكل قوة وثبات، بعيداً عن التوتر في حالة الاخفاق، لان هكذا حالة من شأنها ان تعطي انطباعاً سيئاً لدى الآخرين. من هنا نعرف ان  الثقة بالنفس هي إحساس الشخص بقيمة نفسه، في الوسط الذي يعيش فيه، سواءً في محيط الأسرة، او الاصدقاء او محيط العمل والدراسة وغيرها. وهذه الثقة بالنفس، تفسر كل حركة من حركاته وسكناته، وما اذا كان يتصرف بشكل طبيعي دون قلق أو تردد.

 

* عوامل زعزعة الثقة بالنفس

إن الوقوع تحت وطأة الشعور بالسلبية، والتردد، وعدم الاطمئنان، هو بداية الفشل، وما أكثر الطاقات والقدرات التي أهدرت بسبب عدم إدراك أصحابها بما يتمتعون به من إمكانات أنعم الله بها عليهم، لو استغلوها لاستطاعوا أن يفعلوا الكثير، والناس لا تحترم ولا تنقاد، إلا لمن يثق بنفسه، وايضاً بما يحمل من قيم ومبادئ، لذا نفهم أن الهزيمة النفسية هي بداية الفشل، وعامل أساس للسقوط والانهيار.

يقول القائد العسكري البريطاني المشهور، وأحد أعلام الحرب العالمية الثانية، المارشال «مونتغمري» في كتابه «الحرب عبر التاريخ»: إن أهم مميزات الجيوش الإسلامية لم تكن في المعدات أو التسليح أو التنظيم، بل كانت في واقع حال ملايين الناس الذين يتحلّون بثقة عالية بالنفس، تجعلهم لا يكترثون بشيء».

ولا ننسى كذلك  قرينة الخبرة والإنجاز. فكم من خبير في مجاله تتدفق منه ينابيع لا تنضب من الثقة بالنفس، بل إنه حتى حينما يخطئ لا يضيق ذرعا بسهام النقد، فهو يتقبلها بصدر رحب لأنه ببساطة واثق من نفسه. كما أن الموظف - مهما كانت خبرته- عندما يركز على إنجاز المهام فإنه يتراكم لديه رصيد ضخم من الثقة بالنفس، في العمل الذي يؤديه خصوصا إذا نال عمله إعجاب مسؤوليه.

أحيانا، نحن من نحمل معول هدم ثقتنا بأنفسنا بأيدينا، حين ندمر بكلماتنا القاسية ما تبقى لنا من شعور بالثقة، كأن يقول أحدنا لنفسه: «أنا فاشل»، أو «شخصيتي ضعيفة»، أو  «لا يمكن أن أنجح».

والبعض يعتقد أن ضعف ثقته بنفسه سببها عامل وراثي، الأمر الذي يرفضه تماماً أستاذ علم النفس التربوي المغربي، الدكتور مصطفى أبو السعد، حيث يقول: «إن الوراثة ليس لها دخل في ذلك مشيراً إلى أن سبب ضعف الثقة بالنفس يعود إلى أسباب كثيرة منها أن الإنسان يحمل صورة سلبية عن ذاته وقدراته ولا يدرك كيف يتعامل معها وعليه فإنه يتطلب منه معرفة صفاته الإيجابية ويحدث بها نفسه باستمرار مثل: أنا صبور، ناجح، متفوق، حليم، مثابر، مؤدب...الخ. مشددا على ضرورة أن يقبل الإنسان ذاته، وإذا فشل، يعتبر ذلك فعلاً حدثاً عادياً، يمكن أن يتغير وليس صفة  تلازمه».

ولابد من الاشارة الى أن رأي الآخرين فينا ليس صحيحاً دائماً بالضرورة، ولا يجب أن ينتقص من ثقتنا بأنفسنا، فكم من مبدع نعته مدرسوه في المدرسة، أو أهله أو أصحابه، بالضعف والفشل، لكنه صار فيما بعد علماً يُشار إليه بالبنان. والحق أنك إن لم تثق بنفسك وقدراتك فلن تجد أحداً يثق بك. وكثيرة هي الاسباب التي تسبب زعزعة الثقة بالنفس، فنختصرها بالأهم:

 

* الأول: المناخ الاسري

عدم استقرار المناخ الأسري بين الأبوين، والخلافات العائلية، تلحق ضرراً كبيراً بالحالة النفسية للأبناء، وتحدث اهتزازاً في ثقتهم بأنفسهم، فعندما يهمل الابوان أولادهم، ولا يجد الابن أو البنت، ذلك الحب والاهتمام، مما يجعل هؤلاء يفقدون ثقتهم بأنفسهم، لاسيما اذا رأوا أن الابوين، سبقوهم في فشلهم بتحدي الازمات والمشاكل المختلفة، خارج وداخل البيت، بسبب ضعف في شخصيتهم وثقتهم بأنفسهم.

وكذلك النقد الدائم لهم من حيث ترى الاب يصرخ بوجه الابن، ويوجه اليه الكلام الحاد دائماً، مما ينمّي في نفس الابن، الشعور بالضعة، وانه انسان فاشل، لا يمكنه ان يفيد بشيء في المجتمع، بالرغم من وجود أولاد داخل بعض الأسر يحملون كثيراً من المهارات والابداعات التي تؤهلهم لأن يكونوا ذوي أهمية ومكانة في المجتمع، ولو نظرنا الى بعض العوائل التي تبدي كثيرا من الحنان والحب، وتؤجّل  المشاجرات والحروب الكلامية عندما يكونون أمام أبنائهم، حرصاً عليهم، نجد أنها تخرّج شباباً ورجالاً قادرين على تحمّل مسؤوليات كبيرة، بفضل بناء الثقة العالية بأنفسهم، بينما نلاحظ وجود شباب طموحين، ومشحونين بالثقة بالنفس، لكنهم يعيشون وسط مناخ أسري يقتل هذه الثقة وتلك الطموحات، فأنه بالتأكيد ستخرّج العائلة ، افراداً ضعيفين ومهزوزين نفسياً، بسبب عدم احتواء الابناء، لاسيما في المراحل العمرية الخاصة والحساسة، مثل مرحلة المراهقة، التي ربما تصاحبها بعض الاعراض المرضية او الصحية او غيرها، مثل ظهور حبّ الشباب في الوجه، على سبيل المثال، مما يتسبب في انعكاسات نفسية كبيرة على المراهق، وهو ما يتطلب من الأبوين قدراً كبيراً بالمقابل لاستيعاب الحالة، وزرع الثقة بالنفس لتجاوز المشكلة ومواجهتها بشجاعة ثم حلّها.

 

* الثاني: المناخ المدرسي

إن المناخ المدرسي له علاقة قريبة بالمناخ الأسري، والأخذ بيد الطالب (الشاب)، للوصول الى طريقة التفكير الصحيحة. فإن هدف المدرسة الحقيقي، تزويد الطالب بجناحين؛ العلم والتربية، ثم تترك له حرية التحليق في الآفاق، فالامر مرتبط  بقدرته الذاتية والثقة العالية على التحليق عالياً في سماء الابداع او التحليق بين المنخفضات.

بيد أن المشكلة التي يواجهها العديد من أبنائنا ويشترك في تفاقمها، كلٌ من الأسرة والمدرسة، هي التعامل العنيف بسبب بعض الاخفاقات في الدراسة وعدم القدرة على كسب النتائج المرجوة، فالأب والمعلم او المدرس، على  السواء، يرغبون بأن يأتي الطالب بدرجة عالية، تشعرهم بأنهم ليسوا فاشلين في أداء مهمتهم، في حين إن هذا المطلب هو ايضاً كامنٌ في نفس الطالب بحجم كبير يفوق ما لدى الأب والمدرس. لذا نلاحظ ان أهم عوامل زعزعة ثقة الطالب بنفسه، هو اسلوب التقريع والتشنيع وحتى الضرب في البيت والمدرسة، بحيث يجد الطالب (الشاب) أنه بين نارين، وهذه بحد ذاتها تمثل حالة خطيرة جداً، ربما تدفع بالبعض لارتكاب أعمال لا تحمد عقباها للخروج من عنق الزجاجة.

بالنسبة للآباء، فهنالك من يعطي الحق لهم بأن يتذمروا من الدرجات الضعيفة لأبنائهم، نظراً لما يبذلونه من أموال وامكانات يوفرونها لتمكين الابن من أجواء دراسية مناسبة، بيد ان الاموال المبذولة والامكانات المتوفرة، لن تكون مبرراً بأي حال من الاحوال لأعمال تؤدي الى قتل الثقة بالنفس، وخلق حالة من الانهزامية النفسية، بحيث يجد الطالب أنه مجبر على النجاح بأي صورة، وربما يلجأ الى ارتكاب الخطيئة الفاحشة خلال الامتحان «الغش»، الامر الذي يتطلب إلقاء نظرة على المدرسة، وما فيها من اسلوب في التعليم وإدارة وطريقة تعامل مع الطلاب، فبالامكان حل مشاكل الطلاب من خلال «لجان متابعة» ما بين المدرسة والبيت، تأخذ على عاتقها إرسال دعوة الى الآباء، ابتداءً من الكورس الاول، فيحضر الاب من اجل مناقشة المشكلة الموجودة لدى الطالب، وهل هي من البيت او المدرسة، وأن يكون الحضور إلزاميّاً. في نفس الوقت ربما يجد الأب ثمة قصوراً في المدرسة واسلوب المدرسين في التعليم.

 ان إعادة النظر في كثير من السلوكيات والتصرفات مع الابناء والطلاب، من شأنها ان تعزز الثقة في انفسهم، ابتداءً باظهار علامات الاعجاب، ومن خلال التقييم اليومي والسنوي للطلبة ، ومن خلال قيادة الطالب المبدع لمجموعات العمل التدريبي ومجموعات حل المسائل. حقيقةً ان لكل مشكلة الكثير من الحلول الصحيحة المختلفة في عمقها ونضجها وشمولها ، لهذا فهي تتفاوت في تقييمها بين الحلول الممتازة والحلول المقبولة.

وإذن؛ يوجد بداخل كل منّا مواهب عديدة، ودفينة، وطاقات كبيرة، وإبداع لا حصر له، لكن كل ذلك لا فائدة منه طالما أننا لا نثق بأنفسنا ولا نؤمن بقدراتنا التي وهبنا الله إياها، الامر الذي يفقدنا القدرة على الاستفادة منها، بما يخدم انفسنا ثم المجتمع والبلد بأكمله.


ارسل لصديق