الإنسان واختبار قدرته على مواجهة التضليل
كتبه: مرتضى محمد
حرر في: 2015/06/08
القراءات: 904

عندمــا أسجد رب العزة لآدم ملائكته، استكبر إبليس الذي أبى واقسم على أن يغوي أبناء آدم، وبذلك تحدى إبليس ربه.

لكن التحدي لم ينته عند ذاك، فعباد الله هم الآخر، سيتحدون إبليس والأبالسة بالرغم من أن للشيطان أساليب وخططاً يحاول بها أن يصرع بني آدم انتقامــاً منهم، إلا أن المؤمنين منهم يتحدونه كل تحدٍ.

ومن هنا فإن الشيطان لا يفتأ أن يخطط لمواجهة المؤمنين الذين يتحدونه كل صباح ومساء، ومن أهم خطط إبليس هي الخطط الخماسية التي يشير إليها القرآن الكريم، حيث يقول ربنا ـ عزمن قائل - مخاطبا الشــيــطــان: {وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً}. (سورة الاسراء/64-65)

 

* خطط إبليس الخمس:

الخطة الأولى: الخطة الإعلامية التضليلية، حيث  يشيـر إليها عز وجل في قوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ، وهذه الخطة تسبق كل الخطط الأخرى لأنها أوسع استخداماً وأكثر انتشاراً، فالشيطان يحاول أن يضل عباد الله بصوته وأساليبه قبل أن يغويهم بأساليبه الأخرى.

ألا ترى كيف تنتشر في العالم الموسيقى والغناء وأدوات الطرب وها هي دور السينما والقنوات الفضائية والصحف والنشرات ومواقع الإنترنت ملأت الأرض بإعلام الشيطان الرجيم.

 الخطة الثانية: الأساليب الإرهابية الخبيثة، والتي تستخدمها دوائر إبليس دائماً، وهي التي يشير إليها ربنا بقوله: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ}؛ أي من خلال الإرهاب عبر القوة الظاهرة، وإن كان في يوم لا يرى أحد هذه الأساليب، إذ عادة ما تكون في المطامير و غرف التعذيب، ها هي اليوم وسائل التواصل الاجتماعي تفضح بعض الشيء مما يفعله الجلادون في تلك الغرف المظلمة.

 الخطة الثالثة: محاولة ربط شهوات الإنسان بخططه وتضليلاته، ويتمثل ذلك في السعي من أجل إفساد النظام الاقتصادي والبرامج الاجتماعية، هذه الخطط التي يعبر عنها القرآن الكريم في قوله: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ؛ أي إن إبليس يخطط للاقتصاد، ونحن نرى كيف انهار النظام الاقتصادي في العالم بسبب الربا ولكون المال دولة بين الأغنياء كما يحب الشيطان وينهى الرحمن، فالشيطان يشارك الناس في أموالهم، كما أنه يخطط لإفساد التربية والنظام الاجتماعي فيكون بذلك شريكاً للناس في أولادهم.

الخطة الرابعة: محاولة إغراء الإنسان، وترغيبه، وعـرض المـستقبل الكاذب أمامه فهو يعدهم {وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً}.

 الخطة الخامسة: استخدام القوة الباطنة، أي ما نطلق عليه اليوم تعبير، الطابور الخامس، وهذا ما يشير إليه ربنا سبحانه في كلمة، رجل، في قوله: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ.

 ومع كل ذلك فإن المؤمن يبقى صامداً معتمداً على الله فليس للشيطان على المؤمن سلطان، فعباد الله الذين يتصلون بربهم، ويتمسكون بحبله، ويعتصمون بكتابه ورسوله، ويتوكلون عليه، ويثقون بوعده، لا يمكن للشيطان أن يضلهم؛ فلا إعلامه، ولا إرهابه ولا إفساده للنظام الاقتصادي، والتربوي، ولا غروره بقادر على أن ينكب عباد الرحمن عن الصراط المستقيم.

 

* النبي، صلى الله عليه وآله،القدوة في المواجهة

إن رسول الله، صلى الله عليه وآله، قائدنا وقدوتنا، والذي كلما تضيق بنا مذاهب الحياة، وتتراكم على قلوبنا هموم الدنيا، نعود إليه لنلتمس من سيرته ضوءاً، ومن حياته قبساً، ومن احاديثه نوراً لكي نقاوم مشاكلنا، ونلتمس طريقنا المستقيم بين الطرق الملتوية. هذا الرسول العظيم واجه الخطط الشيطانية، فالشيطان ليس فقط إبليس الذي استكبر على ربه بل كل من يتبعه هو إبليس مصغر سواء كان جنيا أم إنسيا. إن وجود الإنسان في هذه الدنيا إنما هو لتجربة إرادته، فقد يتساءل البعض: لماذا سلط الله - تعالى - علينا إبليس هذا الشيطان الماكر، والعدو اللدود الخبيث المحيط بنا، والجاري بعروقنا مجرى الدم؛ فهو يضلنا في كل طريق، ويترصدنا في كل مكان، ويتبعنا اتباع الظل؟

هذا الشيطان الذي أعطاه الله قدرة السيطرة الظاهرية علينا عبر هذه الخطط الماكرة، فلماذا سُلِّط علينا؟

الجواب هو: لو لم يسلط الله علينا إبليس، ولم يأمرنا بتحديه لما كان بين الإنسان وبين ادنى الحيوانات أي فرق، ولما سخر الله لنا ـ نحن البشر ـ الطبيعة، واسجد الملائكة لأبينا آدم، وجعل الكون في خدمتنا؛ فالفرق بيننا وبين الحيوانات أننا مريدون، ومسؤولون، وأصحاب أمانة، وعلى هذا فان مجيئنا إلى هذه الدنيا إنما كان لكي نجرب إرادتنا، وننتصر على أنفسنا، ونصرع هوانا.

إن الإنسان الذي يهرب من مسؤوليات مجتمعه لا يمكن أن يدعي أنه قد جرب إرادته، فما عليه إلا أن يعيـش وسط أجواء الإرهاب، ويتحدى التضليل، ويخوض التجارب القاسية المرة، وكلما كانت المشاكل المحيطة بالإنسان أكبر، كلما كان هذا الإنسان أعظم، ونبينا الأكرم، صلى الله عليه وآله، هو الشاهد الأكبر على هذه الحقيقة، يقول تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً}. (سورة الاسراء/73)

وهكذا فإن الكفار والمشركين قد حاولوا تضليل رسول الله، صلى الله عليه وآله، بخططهم الإعلامية الخبيثة، فقالوا له: انك لو اتبعت سيرتنا، ولم تمس آلهتنا بسوء، وسمحت لأصنامنا أن تبقى فإننا سوف نتبعك، فقد كان فوق احد الجبال القريبة من الكعبة الشريفة صنم تقدسه قريش، وتؤمن به، فعرضوا على النبي، صلى الله عليه وآله، أن يحطم كل الأصنام إلا هذا الصنم لكي يميلوا إلى دينــه.

 واهل الطائف قدموا لرسول الله، صلى الله عليه وآله، عرضاً آخر، فقالوا له: سوف نسلم لك، ونتبعك دون حرب - علما أنهم كانوا يمثلون قوة هائلة في الجزيرة العربية - ولكن بثلاثة شروط هي: أن لا ندفع الزكاة، ونصلي الصلاة لكن من دون الركوع والسجود، ولا نحطم صنم اللات لعام واحد لكي نأخذ النذور والقرابين التي يؤتى بها إلى هذا الصنم!

 ولكن النبي رفض بكل حدية هذه الشروط؛ فلا صلاة من دون ركوع وسجود، والزكاة هي حقوق الناس، والأصنام يجب أن تكســـر كلها من دون استثناء، وعندما سمعوا جواب رسول الله لم يسلموا، وعادوا كفاراً، لسنوات عدة حتى جرد النبي، صلى الله عليه وآله، جيشا جرارا اليهم، فحاصر ديارهم حتى اسلموا رغم انفهم.

 

* أول من مارس التزييف في الإعلام

 وهكذا فان الإنسان المؤمن كالجبل الأشم، على أن الجبل ينال منه، والمؤمن لا يمكن أن ينال منه وهو في ذلك يقتدي برسول الله صلى الله عليه وآله.

فالأعداء قد يعرضون على المؤمن أن يغير دينه، ومبادئه، وأسلوبه لكي يؤمنوا به، في حين أن هذا من عمل الشيطان. فالشيطان لا يأمر الإنسان دفعة واحدة بترك الصلاة والصوم مثلاً، بل يحرفه شيئا فشيئاً، وعلى المؤمن أن يقاوم هذا التضليل الإعلامي.

وربنا سبحانه هو الذي يؤيد المؤمن في هذه المواجهة الشاملة، يقول ربنا سبحانه: {وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً}. (سورة الاسراء/74)

ومن هنا فإن المؤمن لا يفتأ أن يدعو ربه بأن لا يكله إلى نفسه طرفة عين أبدا، فقد ينهار الإنسان أمام الإعلام المضلل بدون الاعتصام بحبل الله، فالإعلام الشيطاني ليس هينا، أليس هو ما أوقع بأبي البشر آدم على نبينا، وآله وعليه افضل الصلاة والسلام، في الأكل من الشجرة الممنوعة؟! فالشيطان قد أقسم لآدم و زوجه أنه من الناصحين لهم، فإنهم إن أكلوا من تلك الشجرة سيكون لهم الخلد والملك الذي لا يبلى، يقول ربنا مشيرا الى ذلك: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ}، (سورة الاعراف/21).

وآنذاك لم يكن آدم يتصور أن شخصا يمكن أن يحلف بالله - سبحانه - كاذباً، ولكنه لم ينتبه إلى الخطة الإعلامية لإبليس، ومنذ ذلك اليوم وحتى عصرنا الحاضر فإن أساليب الشيطــان في حالة تطور كلما تطور وعينا، لذا علينا نجعل من وعينا وثقافتنا حصناً تتكسر عنده أدوات التضليل الاعلامي لإبليس، كما نقوي روح التحدي والمواجهة في أنفسنا.


ارسل لصديق