الآجل في بيع العملات بين الحل والازمات
كتبه: الشيخ إبراهيم الاشتري
حرر في: 2015/06/08
القراءات: 889

مع تقدم عجلة الحياة واتساع مجالاتها، تزداد الحاجة الى رؤية شرعية سابقة لهذه التطورات مستوعبة لتفرعاتها وما تفرزه من ايجابيات او سلبيات في الوقت ذاته، وما تمتاز به مدرسة القرآن والعترة، انها مدرسة نهج وعطاء، تستقي علمها من معين غدق لا ينضب، ولا تخالطه الشوائب والكدورات، معين وجد لكل زمان ومكان، لا يستوعب التطورات فحسب، بل هو السباق بافتراض ما قد يتحقق في المستقبل من تطورات تفرزها الحياة بسبب او بآخر، واضعاً لها الحلول الناجعة التي تتكفل بتنظيمها والاستفادة منها  

اليوم وفي ظل الازمات المالية العارمة التي تعصف  بأركان الاقتصاد العالمي بفعل السياسات التي تقترفها الانظمة الاقتصادية البعيدة عن روح التسامح والتنافس المشروع، باعتمادها على لغة المال والسلطة وهيمنتهما، كسلاح للتنافس وكسب الارباح فكانت النتيجة جملة من المعوقات والعراقيل التي تقف حجر عثرة امام استقرار الوضع العام للشعوب، وما هذا الحجر الذي يقف امام استقرار الشعوب إلا «الفساد» الذي اشار اليه  البارئ - عز وجل - بقوله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، (سورة الروم/41).

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن ان نطلق كلمة الربح  والفائدة  على الفوائد التي يحصل عليها البعض من الاموال الربوية؟

بالطبع لا. والقرآن يصدّق ذلك قائلاً: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}،(سورة البقرة/275-276).

وبفعل التخبط الذي يتصف به المرابي بسبب خلطه بين البيع والربا، كما بينته الآيتان المباركتان، يكون سلوكه العملي مطابقاً لتخبطه الفكري، والتخبط هو عدم الاستواء في المسير، بحيث لا يستطيع ان يستقيم المرابي على مسير واحد في الحياة، فتمتزج حياته بالعبثية في كل شيء.

وبعيدا عن الربا السافر الذي نهت عنه الآيات والروايات، هناك معاملة رائجة اليوم هي مسألة بيع العملات بالآجل، او ما هو مشهور بشكل واسع باسم «بيع الدولار بالدينار بالآجل».

 

* آراء فقهية حول «بيع الآجل»

وهذه المعاملة تعني ان الشخص يذهب الى صاحب الصيرفة او الى أي شخص آخر، ويشتري منه مبلغ 100 دولار بالآجل لمدة شهر - مثلاً- على ان يسدد بالدينار العراقي، فاذا كانت قيمة الـ 100 دولار  120,000دينار عراقي بالنقد، فتكون بالآجل وحسب ما يتفقون عليه 130,000 - مثلاً-.

فهل هذه المعاملة التي تتضمن الفائدة من خلالها، ولا تتصف بصفات القرض الحسن الذي حفل الذكر الحكيم ببيان فضله وعظيم منزلته، جائزة شرعاً أم لا؟

وفي معرض  الاجابة على هذا السؤال نقول:

ان مسألة بيع العملات من المسائل الواردة في الفقه الاسلامي، إلا أنّ ثمة اختلافات ناشئة اليوم وبالتحديد حول «بيع الدولار بالدينار بالآجل»، ونحن امام بيع العملات نقف على أمرين هامين هما :

أولاً: الموقف الشرعي للفقهاء من جواز هذه المعاملة .

وقد اختلفت آراء الفقهاء في جواز هذه المعاملة على قسمين؛ القسم الاول: يذهب الى منع هذه المعاملة نتيجة المباني الفقهية التي اعتمدها، ومن بينهم سماحة المرجع الديني، السيد محمد تقي المدرسي - دام ظله-.

والقسم الثاني: يذهب الى صحة هذه المعاملة، ونتيجة المباني الفقهية التي يعتمدها أيضا، ومن بينهم سماحة المرجع الديني السيد علي السيستاني - دام ظله- حيث يعتبر اختلاف الجنس فيهما.

ونحن  وبنور آراء الفقهاء الاعلام نتعرف على جواز الاحكام من عدمها .

ثانيا : الضمانات التي يأخذها المتعاملون ببيع العملات بالآجل (كوصول الامانة)

تمتلئ اروقة المحاكم اليوم بالعديد من الخلافات الناشئة من عدم تسديد الاموال المباعة بالآجل الى أصحابها، فيضطر صاحب الحق الى أن يقدم وصولات الامانة او الضمانات الاخرى التي استوثق بها على حق مع الطرف الآخر الذي تعامل معها، وحسب الواقع المعاش اليوم وما نراه عمليا لم تعد وصولات الامانة الحل الناجع للوقوف امام استشراء هذه الحالات من عدم التسديد وبالتالي تنتج الخلافات والصراعات المختلفة .

 

* حل يستبطن أزمات أخرى

ومن هنا يحق لنا ان نسمي بيع العملات بالآجل بأنه «حل مبطن بأزمات» ولعلك تسأل ما هذه الازمات التي يكتنفها بيع  العملات بالآجل نقول:

1- الاعراض عن القرض الحسن

 وذلك ان مثل هذا النوع من البيع شأنه ان يضع الانسان امام معادلة صعبة؛ إما الربح المادي الملموس من بيع العملات، وأما الربح المادي والأخروي الذي تكفله الباري- عز وجل- به حيث يقول: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}،(سورة البقرة/245)

2-   الوقوع في اشكاليات الربا غالباً

 حين يحل أجل تسليم مبلغ البيع بالآجل، غالبا لا يملك المشتري مبلغ التسديد، فبالتالي يضطر الى تجديد البيع، واذا لم تتم مراعاة الجانب الشرعي في تجديد العقد، يقع المشتري والبائع بالآجل بمحاذير ربوية منهي عنها. وبشكل عام فان بيع الصرف مكروه شرعاً، لأنه قد يفضي الى محرم.

3- تكوين طبقة من الكسالى

 فاذا أطمأن الانسان الى مبلغ ثابت يأتيه بوقت معين، فهذا مدعاة الى الكسل، وترك التجارة التي تنمي العقل وحثّ الشرع عليها.

4- المشاكل القانونية

 بسبب عدم وجود قوانين واضحة تتكفل بحل النزاعات القائمة على اساس هذه المعاملات، وانما هي حلول او تقنين موجود في المحاكم ليس إلا، مثل وصولات الامانة والكمبيالات والسفتجة وغيرها.

فبين الحاجة الماسة الى هذه المعاملة وبين الازمات التي تفرزها، كيف نتجاوز هذه الازمات وماهي الطرق والوسائل التي تتكفل بتجاوزها؟

 

* البديل في التشريعات السماوية

سنن الله والتشريع الإلهي السماوي، لا يقاس بغيره من التشريعات  الوضعية، وهل بالطود يقاس الذر؟ فعلينا ان نتدبر سنن الاسلام الحنيف في التكافل الاجتماعي و تتركز بما يلي:

اولا: الخروج من الحقوق الشرعية المتعلقة في الذمة، سواء أكانت هذه الحقوق من الزكاة  التي اشار القرآن الى وجوبها  في بيانها:

{وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}،(سورة البقرة/ 43). أم كانت خمساً شرعيّاً على ما يغنمه الانسان، وورد في هذا آية كريمة: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}،(سورة الانفال/41).

ثانيا: استحضار فضل الصدقات، وما يتصدر هذا الفضل العظيم، هو قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنّاً وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}،(سورة البقرة/261-162). ثالثا: القرض الحسن، وهو الاقتطاع المالي للوقوف مع المؤمنين في أزماتهم له خصوصيات في تنمية الاموال وبناء المجتمع الايماني. عن الامام الصادق، عليه السلام: قال: «على باب الجنة مكتوب: القرض بثمانية عشر، والصدقة بعشرة، وذلك أن القرض لا يكون إلا في يد المحتاج، والصدقة ربما وقعت في يد غير محتاج»(1)

فجميع هذه السنن تدعونا الى العودة لها، والتواصي بها، ومن ثم تجسيدها على ارض الواقع وتفعيلها من خلال انشاء جمعيات للقرض الحسن، يساهم فيها المؤمنون بتكوين رأس مال، ومن ثم إقراض و توزيع القروض على المؤمنين بنسب معينة وحسب الحاجات المختلفة، فهذا يريد ان يؤسس مشروعاً تجاريّاً وذاك لديه ازمة سكن، والآخر لديه مريض، وجملة من الاحتياجات الماسّة، لا يسع المقام لسردها، تتكفل جمعيات القرض الحسن بتغطيتها.

واذا ما توجت اسماء هذه الجمعيات بأسماء الائمة الطاهرين الذين كانوا أسوة للبشرية في كل شيء وهم السباقون للفضائل والمكرمات، وفيهم قال الحق تعالى: { وَلا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، (سورة التوبة/121). فسوف تحقق تقدماً ملموساً ومثمرا يؤتي أكله كل حين على الواقع مبتعدين عن جميع القيم المادية التي لا تعي روح تشريعاتها، ولا تتدبر عاقبة امرها.

-------------------

(1) بحار الانوار، ج100، ص 138النسخة الالكترونية.


ارسل لصديق