المائدة الرمضانية.. صفحة بيضاء في التقاليد الاجتماعية
كتبه: محمد علي جواد
حرر في: 2012/08/17
القراءات: 4103

أينما سألت وقرأت عن «المائدة الرمضانية»، بأن تبحث – مثلاً- في «النت»، تجد المواقع الاجتماعية والمنتديات التي لا عدّ لها، وهي تتحدث عن مهرجان الطعام والشراب في شهر رمضان المبارك.. فالبعض يتحدث عن التقاليد والتراث في نوع الاطعمة، والآخر يتحدث عن المسألة الذوقية الشكلية، فيما يضفي  البعض الآخر، الطابع الصحي على هذه المائدة من باب الارتقاء بمستوى الطرح.. وكل هذا ليس من المعيب او الخطأ بشيء، لكن هل حقاً مفردة «المائدة» تضم الطعام والشراب الذي يتناوله الانسان، وحسب!
دعونا نعرج على القرآن الكريم، وهو في ربيعه هذه الايام الكريمة، ونتدبر في آية من سورة المائدة، تحدثت عن «المائدة» في قصة تعود الى عهد النبي عيسى عليه السلام، فقد طلب منه الحواريون، أن ينزل له الله مائدة من السماء؛ «إذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»، فقد كانوا يتصورون أن هنالك مائدة ملموسة، على شاكلة مائدة الطعام التي يجلسون حولها، لكن ما يأتي من السماء، يكون شيئاً مميزاً وعظيماً، فيفتخرون به على مر الاجيال.  
ورغم ان النبي عيسى عارفٌ بضحالة تفكيرهم، لكنه اراد ان يجاري مستوى وعيهم، علّهم يرشدون، فدعا ربه و نقل له تعالى طلب قومه، لكن لنستمع الى الجواب القاطع والحازم: «قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ». (سورة المائدة /115). هنا نعرف ان المائدة التي يعرفها الانسان دائماً على انها تلك القطعة التي تحمل له الطعام والشراب، وتجعله منهمكاً بالاكل والشرب والتلذذ بهما، ليست كل شيء، وليس هو ما يريده الله للانسان، لاسيما في شهر رمضان المبارك. وتشير الآية الكريمة الى ان المائدة الحقيقة التي انزلها الله تعالى للبشر، وتحديداً لاصحاب عيسى، كانت الايمان بالله والتوحيد والحضارة، وهذه من اعظم النعم الالهية، وحسب الظاهر، فإن المسيحية في تلك الفترة بالذات التي جرت فيها المحاورة، كانت هي المؤهلة لبناء الحضارة على أسس إلهية.
من هنا نعرف معنى «المائدة الرحمانية»، وهي المغفرة والعفو عما ارتكبناه خلال الاحد عشر شهراً الماضية، والخروج من هذا الشهر الفضيل كما ولدتنا أمنا، طاهرين من كل دنس ورجس. وهنا يأتي دور المائدة التي نعرفها ونتعامل معها يومياً، عندما نجعلها في سياق أعمال البر والخير في هذا الشهر الفضيل، وإلا كيف نطبق الاحاديث الشريفة التي تدعونا الى التكافل والتواصل من خلال إفطار الصائمين، ومشاركة المحتاجين في طعامهم وشرابهم؟

 
* التقليد الحسن
نعم؛ كل انسان يحب ان يرى مائدة الطعام أمامه في وقت الافطار عامرة بأنواع الاطعمة والمشروبات، من مشويات ومقليات وسلطات وحلويات وأصناف الفاكهة وغيرها، لكن اللذة النفسية والمعنوية تكون مضاعفة، عندما تمتد هذه المائدة لتشمل أعداداً كبيرة من الصائمين، لان الانسان الذي يعد مأدبة كهذه، رغم تكلفتها المادية، ينتابه شعور عارم، بالارتياح والسكينة. وهو نفس الشعور عندما يمد الانسان يده الى جيبه ويخرج شيئاً من المال ليعطيه لفقير على قارعة الطريق، وهذا الشعور بالحقيقة هو انعكاس لحالة الفطرة السليمة للانسان التي فطرها الله تعالى.
هذه المشاعر الجيّاشة انضمّت الى جملة التقاليد الاجتماعية الحميدة في مجتمعاتنا الاسلامية، فأينما ذهبت في البلاد الاسلامية، تلاحظ ظاهرة تبادل أطباق الافطار بين الجيران منتشرة، حيث تحرص النسوة على فرز مقدار من الطعام خلال فترة  الطهو للافطار، لايصالها الى هذا الجار أو ذاك، لاسيما اذا كان الطعام من نوع خاص، ولذيذ، فيكون العطاء مؤكداً، وهنا ربما تبرز حالة من التنافس على جودة الطهو والطبخ لدى نسائنا، ومحاولة تنويع طبق الطعام الكبير لتكون مائدة مصغرة، تضم الرز والمرق وبعض المقليات والسلطات واللبن والشربت وغير ذلك..
وبالحقيقة، هذه فرصة ذهبية يهبها الله تعالى لنا في هذا الشهر الفضيل لتقوية أواصر المحبة والألفة تحت ظلال الايمان، والمسلمون فخورون في العالم بان لديهم مراسيم خاصة، يجلسون فيها في وقت واحد في جميع انحاء العالم ويتناولون طعام الافطار. فالغني والفقير والزعيم والجاهل والعالم والصغير والكبير، كلهم يجلسون على مائدة واحدة عند غروب الشمس من ايام شهر رمضان المبارك.
لكن بالمقابل، نواجه خطر تمييع هذه الحالة المتجذرة في النفوس، وتفريغها من محتواها المعنوي والروحي، واقتصارها على تلك اللقيمات التي يتناولها الصائم، فهناك من يتحدث عن أنواع الرز، الجيد منه و الرديء، او انواع الزيوت او البقوليات او اللحوم وغيرها، والحرص على أن تكون مائدة الافطار متكاملة من انواع واصناف الطعام. ومن نافلة القول، ان تقليعة جديدة ظهرت مؤخراً، وهي عبارة يتداولها قبل موعد الافطار: «صياماً مقبولاً و إفطاراً شهياً..»! فاذا دخلت شهوة الطعام الى نفس الانسان، سيخرج روح الافطار من المائدة، لتكون أية مائدة اخرى في اوقات عادية. بينما يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وآله، كيفية الاستفادة من هذه المائدة الجميلة لتوثيق العلاقة مع السماء، وتحقيق النجاح التام لفريضة الصوم، حيث يقول في حديثه الشريف: «للمؤمن فرحتان: فرحة عند الافطار، واخرى عند لقاء ربه». 
نلاحظ كيف قرن النبي الاكرم بين الافطار في شهر رمضان وبين لقاء البارئ عزّوجل يوم القيامة..! وهي لعمري يُعد تكريماً عظيماً لمائدة الافطار، حتى وان كان عليها التمر واللبن، او كان عليها الخبز والملح، كما هو طعام أمير المؤمنين عليه السلام.


* شبح الغلاء وفتنة المال
هناك خطر آخر يهدد المائدة الرمضانية المباركة، مصدره السوق و اصحاب الرساميل وقانون العرض والطلب وغير ذلك من مفدرات التجارة والاقتصاد، فعندما يتركز الاهتمام على الجانب المادي من المسألة، نرى ازدياد الحرص والطمع لدى بعض تجار المواد الغذائية – ونقول بعضهم وليس كلهم- لاتخاذ الشهر الفضيل موسماً خاصاً لجني الارباح من خلال التلاعب بالاسعار، وخلق هواجس مخيفة لدى الصائمين، الامر الذي نجد ان اول ما يفكر به الناس في كل مكان، عند حلول الشهر الفضيل هو توفير اكبر كمية ممكنة من المواد الغذائية لاستباق الزمن قبل الصعود المرتقب للاسعار، وهي بالتأكيد من مخططات التجار، و اسلوب لا أخلاقي لاستثارة مشاعر الناس. 
من مساوئ هذه الظاهرة، تعميق الهوة والفاصلة بين شرائح المجتمع الاسلامي الواحد، فبدلاً من أن يشعر الجميع أنهم على مائدة واحدة، يسود الشعور لدى الفقير او محدود الدخل، بأن حظه من مائدة الافطار لن يكون سوى النوع الرديء من الطعام، سواء الرز او البقوليات او النشويات، فيما تختفي عنه اللحوم بانواعها والشرابت والفواكه والحلويات.

 
* وسائل الاعلام .. الإثارة أم الإرشاد؟
إزاء كل ذلك، يكون للاعلام المرئي متمثلاً بالقنوات الفضائية المزدحمة على الشاشة الصغيرة، دور مؤثر في نفسية العائلة المتسورة على مائدة الافطار، وهنا يكون للرسالة الاعلامية الكلمة الفصل في الخطاب، فاذا كانت الإثارة هي الغاية الوحيدة، فان المشاهد سيكون نهباً لهواجس الغلاء والظواهر السيئة في الاسواق، من غلاء واحتكار وجشع وغير ذلك. 
ومن ثم يكون اليأس والاحباط سيد الموقف، بينما الناس اليوم في كل مكان أحوج ما يكونون الى الأمل والروح الايجابية، من خلال الحثّ والترويج لموائد الافطار الجماعي ، والحديث عن التقاليد الاجتماعية المحمودة في مجتمعنا الاسلامي، مثل تبادل اطباق الافطار ومساعدة العوائل المتعففة والارامل والايتام، واغتنام فرصة الشهر الكريم لتقوية أواصر المجتمع الاسلامي، وازالة ما علق به من شوائب الازمات والمحن جراء الظروف  السياسية والاقتصادية.
فمن المؤسف حقاً ان يكون الخبر لبعض الفضائيات هو ارتفاع اسعار المواد الغذائية،  كما لو ان الهمّ الاكبر والاول في هذا الشهر الفضيل هو توفير الطعام، وكما لو ان هنالك أزمة خانقة او هاجس مجاعة في الأفق..! 

في حين ان المعروف لدى مجتمعاتنا الاسلامية كافة، حجم البركة العظيمة لهذا الشهر العظيم، حتى لدى محدودي الدخل، فتجد لدى هؤلاء المائدة عامرة ومتكاملة بالرز والمرق واللبن والتمر والخضار وشيء من اللحم، وبعض المقليات والسلطات، الى جانب ما تيسر من المشروبات. ولم يجرؤ أحد في أي عام، - حسبما اتذكر على الاقل- أن يتحدث عن ازمة غذائية في شهر رمضان المبارك في أي بلد اسلامي، او غير اسلامي، او ان المسلمين يواجهون مشكلة في توفير الطعام والشراب في هذا الشهر. 


ارسل لصديق