فرصة التغيير الحقيقي وجهاد الكلمة
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2015/08/23
القراءات: 664

التغيير الحقيقي يأتي على يد قائد حقيقي بكافة المواصفات، وعبر طليعة مؤمنة مخلصة، تحمل مشعل الثقافة والفكر لتنير الدرب أمام الناس في مطالباتهم بالحقوق والكرامة، ويضمنوا لهم المسار الصحيح وتجنب الانحراف ذات اليمين او ذات الشمال، مما يؤدي الى ضياع هذه المطالبات والحقوق، ثم ضياع فرصة التغيير.

ومنذ اكثر من قرن من الزمن جرّب العراق جملة من محاولات التغيير، السياسي منها والاقتصادي وحتى الفكري، فكانت هنالك الانقلابات العسكرية والتهافت على السلطة، ثم التجربة الاشتراكية لمعالجة المشاكل الاقتصادية والمعيشية، وبموازاة ذلك، كانت الافكار المستوردة بنكهات اجتماعية محببة الى النفوس، مثل الحرية والمواساة وحقوق العامل والفلاح، وغير ذلك.

فما الذي خلفته تلك الافكار والتجارب للعراق ولشعبه؟ لقد زجّت بهذا الشعب المظلوم ابداً، الى أتون الحروب والصراعات، وما يزال يعاني من ترسبات العهود الماضية، حتى بات يعيش حالة الحرب والصراع في داخله، فيما بين افراده، من جهة، او ما بين افراده وبين الدولة والنظام السياسي من جهة اخرى، حتى بلغ بجدار عدم الثقة بين المجتمع والدولة علواً يجعل إعادة الثقة أمراً بحاجة الى سنوات طوال.

بينما هنالك تغيير شهده العراق عام 1920، من خلال الانتفاضة الجماهيرية المسلحة ضد الاستعمار البريطاني بقيادة المرجع الديني الأعلى في زمانه، الشيخ ميرزا محمد تقي الشيرازي، ليسجل الشعب العراقي الريادة بين سائر الشعوب العربية والاسلامية، في الوقوف بحزم وشجاعة، بوجه ما كان يسمى بـ «بريطانيا العظمى». وانه لأمر مهم في التاريخ وللاجيال أن يعرفوا الفارق بين عام 1932، يوم حصول العراق على استقلاله، وبين عام 1971 حيث حصلت احدى البلدان العربية على استقلالها من الاستعمار البريطاني. وها هي اليوم تدّعي التطاول والتعالي على العراق.

صحيح إن القيادة العلمائية للجماهير وبالشكل المباشر، قد توقف بضغط من البريطانيين انفسهم، وبمعونة أذرعهم في العراق، بيد أن الصحيح الذي يؤكده الواقع، استمرار هذا الدور القيادي وعدم توقفه يوماً واحداً على الصعيد الاجتماعي والثقافي، ولسنا هنا بوارد سوق الأدلة على هذا الدور، والحديث عن الدور الرائد والعظيم للشيخ ابي الحسن الاصفهاني في النجف الاشرف، والسيد ميرزا مهدي الشيرازي، والسيد حسين القمي، في كربلاء المقدسة، ثم الشهيد السيد محمد باقر الصدر. انما الذي يهمّنا البحث عن سبل التغيير الحقيقي الذي ينشده اليوم الشعب العراقي، وهو يطوي نحو اثنتي عشرة سنة من تجربته الجديدة مع نظام «ديمقراطي توافقي»، فقد أسهم برأيه في الانتخابات، في صعود شريحة من السياسيين الى المناصب السياسية والسيادية في الدولة. فقد تغيرت الوجوه دون أن يتغير الواقع، والسبب أن التغيير الحاصل عام 2003، غلب عليه الطابع السياسي، والسياسة أفادت السياسيين ومن يقف خلفهم، اكثر مما أفادت الشعب الباحث عن التغييرات الجذرية والشاملة التي تنقذه من حقبة طويلة من الحرمان والاضطهاد والآلام، وقد ثبت بالقطع واليقين أن السياسة المتذبذبة دائماً، التي لا تعرف عدواً دائماً ولا صديقاً دائماً إنما مصالح دائمة، لن تخدم هذا الشعب و لا تحقق طموحاته ومطالبه، إلا اذا اقترنت برؤية ثاقبة تحكم الربط بين ماضي الشعب وحاضره ومستقبله، فالماضي يزخر بالتجارب المضيئة، والحاضر يهتف بالعمل والابداع، والمستقبل يحمل بوادر الامل. وهذا ما كان يتضمنه الخطاب الديني طيلة العقود الماضية، لتكوين العلاقة الصحيحة والمفضلة بين المجتمع وبين الدولة او نظام الحكم.

من هنا يتضح أن الهبّة الجماهيرية في العراق للمطالبة بوقف نزيف الاموال والثروة الوطنية، ومحاربة اخطبوط الفساد في الدولة، يمثل فرصة مشتركة للجماهير والقيادة العلمائية باستعادة القدرة على التغيير الحقيقي، ولنا شهادة ناجحة وقريبة في فتوى الجهاد ضد الهجمة التكفيرية على العراق في العام الماضي، وفي هذا العام نجرّب عملاً مشتركاً جديداً ضد الفساد والانحراف والاستنزاف. فالقضية لا تنتهي بتوصية بعزل هذا او القيام بذاك، إنما بخوض جهاد الكلمة، فاذا نجح جهاد البندقية ضد «داعش»، فان جهاد الكلمة من العلماء والخطباء والمثقفين، من شأنه أن يضيء الطريق امام الجماهير لتتجه نحو التغيير الحقيقي في حياتها وايضاً في فكرها وثقافتها، فتعرف بالتحديد ماذا تريد؟ وكيف تحقق ارادتها، وما هي السبل والاساليب الصحيحة؟


ارسل لصديق