الأمة تتعرض لجريمة ثقافية
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2015/08/24
القراءات: 617

قد يتجاوز البعض حدود الالحاد في آيات الله ليصل الى الكفر الصريح بالذكر، فلا يميل عنها ولا يحيد، بل يكذبها ويكفر بها جميعاً. وكفر هؤلاء بكتابٍ عزيز لا يأتيه الباطل، وفيه دلائل على صدقه وحقانيته، انما هو بمثابة كفر الانسان بالشمس في رابعة النهار. {إِنَّ الَّذينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزيزٌ * لا يَأْتيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزيلٌ مِنْ حَكيمٍ حَميدٍ}.

 

 الأمة والقرآن والعترة

قبيل رحيله، أعلن النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، عن تركه للثقلين؛ «القرآن والعترة» كضمانة لعدم الانحراف من جهة، ووسيلة للتقدم من جهة اخرى.

وبقي كتاب الله سبحانه حتى يومنا هذا، كما بقيت العترة، بوجود الإمام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه الشريف، وكذا بالنصوص التي وصلتنا من اهل البيت، عليهم السلام، تلك النصوص التي لو وعاها شخصٌ لعلا في الفضل والعلم اكثر من اصحاب الائمة، عليهم السلام، لأن اولئك كانوا يستنيرون بنور امام زمانهم، والحال ان روايات جميع الائمة، عليهم السلام، موجودة اليوم بين أيدينا. ولكن! وبالرغم من اننا نعيش اليوم بين هذين النورين النيّرين، إلا اننا نجد انفسنا تائهين في المشاكل المحيطة بنا من كل جانب، مثل الحروب والتخلف والفقر والاضطهاد وغيرها، والسبب في كل ذلك ابتعادنا عن القرآن والعترة، وعدم الأخذ بهما كما ينبغي، وطريق العودة الى القرآن والعترة يكمن في ما يلي:

أولاً: جعل القرآن الكريم محور حياتنا في الحقول التالية:

1- الحوزات العلمية

ففي يوم كان الناس يحفظون القرآن قبل تعلمهم للقراءة والكتابة، لم تكن ثمة حاجة الى دراسة القرآن في الحوزات، ولذا كانت المناهج مبنية على ما بعد القرآن الكريم، ولكن اليوم هناك حاجة ملحّة لإعادة القرآن الكريم الى الحوزات العلمية.

وبالاضافة الى ذلك، فإن طالب العلم في الحوزة، يجب ان يشخص، وهو في الخامسة من عمره، بحيث يدخل مدارس تدرس الى جانب الدروس الاكاديمية، مادة حفظ القرآن الكريم، وبعد ذلك يستمر في دراسته القرآنية جنباً الى جنب مع الاكاديمية، قبل ان يدخل الى الحوزة العلمية حاملاً معه رصيداً علمياً كبيراً.

2- الجامعات

فلابد من إعادة هيكلة الجامعات، او تأسيس جامعات جديدة مبنية على اسس الدين الحنيف.

وقد واكبت شخصياً، تجربة تأسيس احدى الجامعات التي اسست على اساس الدين والقرآن في ماليزيا قبل اكثر من عقدين، حيث تشترط الجامعة على الراغبين بالدراسة فيها - في اي حقلٍ من الحقول- ان يتعلموا اللغة العربية اولاً، وثانياً: يدرسوا العلوم الدينية الى جانب تخصصاتهم العلمية.

3- الثقافة والاعلام

اذ لابد من ان يكون القرآن محور حركة هاتين المؤسستين في عموم البلدان الاسلامية، فكل ما يرتبط بالثقافة او بالاعلام، ينبغي ان يكون منطلقاً من القرآن الكريم وقيمه وتعاليمه.

ثانياً: العودة الى العترة الطاهرة والاستنارة بنورهم في كل مناحي الحياة، وذلك يتمثل بالتمسك بهم عبر أربعة عُرى:

الاولى: عبر حبهم والولاء لهم، فالحب للعترة، عليهم السلام، الخطوة الاساس في اتباعهم والتمسك بهم.

الثانية: دراسة احاديثهم والنصوص الواردة عنهم، عليهم السلام.

الثالثة: دراسة سيرهم العطرة، ومعرفة ما فعلوه في حياتهم المباركة، والتأمل في مواقفهم المختلفة بحسب الظروف المتغيرة التي كانت تعيشها الامة الاسلامية.

الرابعة: التمسك بشعائرهم، والاكثار من زيارتهم، وتقوية اواصر الارتباط بيننا وبينهم.

 

 الجريمة الثقافية أشد

تخبرنا بعض الروايات المباركة، ان في الدرك السابع من دركاتٌ جهنم اثني عشر رجلاً من الاشقياء؛ اولهم: قابيل، الذي ارتكب اول جناية في التاريخ البشري بقتل أخيه، والثاني: عاقر ناقة صالح، أشقى الأولين، والثالث: ابن ملجم، أشقى الاخرين، والرابع: من يجني على الإمام الحجة، عجل الله فرجه بعد ظهوره، فماذا عن الثمانية الآخرين؟ إن جناية اولئك لا تشابه الأربعة الاخرين، فليست جنايتهم من جنس ما ارتكبه اولئك من جريمة القتل والعقر، وانما تتعلق بتحريفهم للأديان واغوائهم للناس. فحوافز الانسان متعددة، ومنها الحافز الديني، فاذا تم تحريف هذا الدافع في الانسان فسوف يدمّر حياته وآخرته بإسم الدين، ألا ترى كيف يقوم اليوم بعض المغرر بهم بقتل الناس بإسم الدين؟ اليس هذا ما كان يفعله جيوش الظلام في مقابل اهل البيت عليهم السلام؟ ففي كربلاء قاتلوا سبط رسول الله، صلى الله عليه وآله، سيد شباب اهل الجنة عليه السلام، بإسم الدين وباسم الله.

ومن هنا، فلیست مسألة الثقافة مسألة بسيطة، اذ قد يُدخل الانسان بكلمة باطل، ملايين البشر الى نار جهنم، بلى؛ هم المسؤولون عن انفسهم، ولكنّ لكلمة الضلالة دورها في غوايتهم، كما هو دور ابليس في غواية البشر وصدهم عن سواء السبيل.

ومن الجرائم في الحقل الثقافي، مواجهة الكفار للقرآن الكريم، حيث اوصى بعضهم بعضاً بالقول: لا تسمعوا للقرآن وامنعوا الآخرين من الاستماع اليه ايضاً. {وَ قالَ الَّذينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ}. وهل اكتفوا بعدم الاستماع الى القرآن الكريم؟ كلا، ﴿وَ الْغَوْا فيهِ، فقد ترجموا القول الى فعل، حيث الالغاء في القرآن، في سبيل منع الناس من تلقي نور الوحي، فكان النبي الاكرم، صلى الله عليه واله، يجلس عند البيت تالياً كتاب ربه، وهم يقومون بالقاء الشعر هنا وسرد القصص الخرافية هناك، وبالمكاء والتصدية، كل ذلك تنفيذاً لخطة الالغاء في كتاب الله، ولكن ما هو «اللغو»؟ اللغو هو الكلام العاري من المعنى والفاقد للهدف، وهذا ما كان يقوم به الكافرون فعلاً.

﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ؛ كل ذلك، علّهم يستطيعون الانتصار على القرآن الكريم والغلبة عليه، وصدّ الناس عنه، وبالفعل وصلوا الى ما راموا اليه بصورة كبيرة، حيث أغووا الكثير من الناس وابعدوهم عن هدى القرآن الكريم، حتى وصلت حالة «اللغو» في القرآن الى المسلمين انفسهم الذين يعتقدون بكتاب الله، فضيعوا معانيه رغم حفظهم لحروفه، ترى مئات الملايين يقرأون اليوم القرآن الكريم، ولكن هل ينتفع منه إلا الأقلون عددا؟

 

 بصائر من ثقافة القرآن الكريم 

البصيرة الاولى:

أبتلي المسلمون في مجتمعاتهم بهجمة ثقافية شرسة، من اجل ابعادهم عن دينهم الحق وكتابهم المجيد، وقيمهم السامية، وقد وجّه العدو جميع وسائله الثقافية والاعلامية في هذا الاتجاه، صارفاً مليارات الدولارات في هذا المجال.

البصيرة الثانية:

الهدف الاساس الذي يبتغيه الاعداء من هجماتهم تلك، هي التسلط على المسلمين، ولا يتحقق ذلك الهدف الا بمنع المسلمين من الاستفادة من المعين الصافي للثقافة الحقة، وهو القرآن الكريم، مستخدمين في سبيل ذلك اسلوب الكفار ﴿الغوا فيه، لماذا؟

السبب في ذلك؛ ان للثقافة منهجين، لا ثالث لهما: أما الحق المتمثل في الوحي (القرآن واحاديث النبي واهل بيته)، والعقل المُدرك للوحي والمستنير بنوره، والواقع (التطبيق العملي للثقافة)، اما المنهج الثاني فهو الباطل، وهو كل ما سُمي بالحق، مثل الشهوات والعصبيات والحميات ووساوس ابليس وغيرها، وكل الثقافات الباطلة تهدف لابعاد الامة الاسلامية عن الثقافة الحقة لتسود ثقافتها على الناس.

البصيرة الثالثة

واجب المسلمين يتلخص في جعل الوحي (القرآن الكريم واحاديث العترة الطاهرة) محوراً لحياتهم في مختلف جوانبها الثقافية والسياسية والاجتماعية، وإلّا يفعلوا ذلك يبق حالهم كما هو عليه، من ضعف وتقهقر وذل امام الاعداء، لأن ما حصل هو بسبب ابتعادهم عن هذه المنابع الصافية. والعودة الى المعين الصافي يتمثل بجعله محوراً للمناهج في الحوزات العلمية والجامعات الاكاديمية، في قبال الحركات التي تحاول احياء الفكر الجاهلي لمواجهة القرآن الكريم تحت مسمى «احياء التراث العربي القديم»، والجهات التي أسست الجامعات على اسس علمانية لا تؤمن بالله ولا بأديانه.


ارسل لصديق