الأخلاق ضرورة حضارية
كتبه: حسن مرتضى محمد
حرر في: 2015/08/30
القراءات: 975

 [وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الاَرضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً]

ما هي اكبر ازمة تعاني منها البشرية اليوم؟ هل هي الأزمة السياسية؟ أم هي الأزمة الاقتصادية؟ وهل على مستوى الحكومات أم الجماعات أم الأفراد؟

ربما نرى أن الأزمة السياسية هي الطاغية في الأخبار و النشرات و الصحف والمجلات، وربما كانت الأزمة الاقتصادية ظاهرة للعيان، فنجد الآكلين والمأكولين، الأغنياء والفقراء، الشرق والغرب، الشمال والجنوب، وآلاف من الذين يموتون جوعاً!

إلا أن هذه الأزمات ليست سبباً بل هي نتيجة لأزمة حقيقية، اسمها «أزمة الأخلاق».

فإذا كنا نرى أن حكومةً تحرق القمح للحفاظ على أسعاره مرتفعاً، فيما آلاف من الناس يموتون جوعاً، فهذه ليست أزمة اقتصادية إنها أزمة أخلاقية.

وإذا كنا نرى العالم يقف محايداً تجاه ما يحدث في اليمن، ولكنه يصرخ إذا ما حدث شيء في إسرائيل، فهذه ليست أزمة سياسية، إنما هي أزمة في الأخلاق؛ ومن هنا فإن الأنبياء جميعاً جاؤوا بشرائع وقوانين كلها تصب في قناة واحدة وهي قناة الأخلاق.

ففي حديث عن الإمام الصادق، عليه السلام، أن كل نبي جاء ليتمّ خلقاً من مكارم الأخلاق، حتى جاء النبي  الخاتم، صلى الله عليه وآله، لكي يتمّ مكارم الأخلاق فقال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

فالصلاة والصيام والعبادات كلها شعائر الهية هدفها تربية الإنسان أليست {الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}؟

فإن الإمام قال في المرأة التي كانت سيئة الخلق مع جارتها وهي التي تصوم نهارها وتقوم ليلها: «لا خير في صلاتها ولا صيامها»!

فكم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب.

إن الأخلاق الحسنة هي ثمرة الإيمان وأثقل ما في الميزان وكما في الحديث: «خصلتان ليس فوقهما شيء: الإيمان بالله والنفع لعباد الله»، والنفع لعباد الله من مكارم الأخلاق.

وفي حديث آخر: «ما من ذنبٍ إلاّ وله توبة، وما من تائبٍ إلاّ وقد تسلم له توبته ما خلا سيئ الخلق، لا يكاد يتوب من ذنبٍ إلاّ وقع في غيره أشرّ منه».

لكن الأمر لا يرتبط بالدين فحسب، إنما القضية ترتبط بالأخلاق والحضارة.

فإذا تساءلنا؛ ما الفرق بين من كان يعيش بين الكهوف، وبين من يعيش في المدينة اليوم؟ الفرق بينهما في الأخلاق، فكان أصحاب الكهوف يعيش كل واحد منهم حالة الأنانية، فلا يعرف معنى للتعاون، والتعاون نوع من الأخلاق.

ولا يعرف معنى للعطاء، والعطاء جزء من الأخلاق، لكن سكّان المدن يبنون حياتهم على أساس التعاون، بل وأكثر من ذلك، فإننا لا نجد مدنية قائمة إلا على الأخلاق.

والأخلاق في الحضارات بمنزلة مواد البناء لها، الامر الذي يحتم على الطليعة في المجتمع أن يكونوا في المقدمة بالنسبة الى غيرهم بالالتزام بالأخلاق، فلا تجد نبياً أو مصلحاً إلا و أول ما يجذبك إليه، أخلاقه الحسنة.

ذلك أنهم يريدون أن يصنعوا المجتمع النموذجي الذي تقتدي به البشرية، فلابد أن يكون الالتزام بالأخلاق عندهم أكثر من غيرهم.

ومن هنا فإن الطريق إلى تجاوز هذه الأزمة الكبرى، هو أن نبدأ من أنفسنا، لا أن ننتظر الآخرين بل ولا ننتظر من الغير أن يشكر لنا ذلك.

فعن امير المؤمنين عليه السلام قال: «لا يُزَهِّدَنَّكَ فِي الْمَعْرُوفِ مَنْ لاَ يَشْكُرُهُ لَكَ، فَقَدْ يَشْكُرُكَ عَلَيْهِ مَنْ لاَ يَسْتَمْتِعُ بِشَيْء مِنْهُ».

لكن ـ ولشديد الأسف ـ تجد أقبح عذر تسمعه ممن لا يلتزم بالأخلاق هو أن الآخرين لا يلتزمون بها، أليس هذا المنطق وهذا العذر هو منطق من كان يسرق خيام الإمام الحسين، عليه السلام، محتجاً بأنه إن لم يفعل، فعل ذلك غيره!؟

ومواجهة هذه الأزمة لا يكون بالتسليم لها، ولا يكون بمواجهة سوء الخلق بمثله، بل يكون بتصحيح المسير تماماً؛ فاقلع الشر من قلب غيرك بقلعه من صدرك.

ألم يكن الإمام زين العابدين هو الذي آوى عائلة مروان بن الحكم، حين آل الأمر الى المختار، وهو ذلك اللعين الذي أمر بهدم دور بني هاشم في المدينة المنورة بعد حادثة كربلاء؟ لم يواجه الإمام سوء خلق الرجل إلا بالتمسك بمكارم الأخلاق، وهكذا كانت سيرة كل العظماء في التاريخ، فعن الإمام محمد الباقر عليه السلام قال: «إنَّ أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلقاً».

أزمة الأخلاق ليست في الغرب والشرق فحسب، بل هي بيننا أيضاً، وليس من الصعب تجاوز هذه الأزمة، فإن «حسن الخلق يُسرٌ»، كما يقول الإمام، عليه السلام، فابدأ من نفسك لتغير من حولك، ثم لنبني مجتمعاً فاضلاً.


ارسل لصديق