مفهوم التسامح وأثره في بناء المجتمع التعاوني
كتبه: حيدر الرماحي
حرر في: 2015/06/08
القراءات: 23968

قال تعالى: {خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ}. (سورة الاعراف/199)  

إن المصطلح القرآني العفو والتسامح والمسامحة كلها مفردات ذات دلالات كبيرة، يصل مداها ليلامس قلوب الآدميين، فيزرع فيها المحبة والاحترام، والودّ والوئام.

التسامح في اللغة أصلها: سَمَحَ، فالسين والميم والحاء أصل يدل على سلامة وسهولة.

والسماحة والسماح: الجود، سمح به؛ أي: جاد به، وسمح لي: أعطاني، فالمسامحة: المساهلة. (1)

والتسامح في الاصطلاح: هو ما تميَّز به الإسلام في تعامله من بذل ما لا يجب تفضلاً. (2)

إن مفهوم التسامح أو العفو- بغض النظر عن الفارق بين مدلول الكلمتين - من المفاهيم التي تدعو إلى بناء المجتمع الفاضل، و زرع روح المحبة والتعاون في نفوس الأفراد، وهو - أي مصطلح التسامح- يدعو الى طيّ صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة، لكن لا على حساب الثوابت الدينية والمتبنيات العقدية، فلا مسامحة في عبادة الأصنام والإشراك بالله الواحد القهار، بل على أساس ما تسمح به دائرة التسامح من مرونة وحيوية في أن نغض الطرف عما فعله الآخرون بنا، وإشعارهم بالأمن والسلام في داخل نفوسهم، ولنا في رسول الله أسوة حسنة، فأول شيء فعله رسول الله، صلى الله عليه وآله، يوم فتح مكة، مع كفار قريش أن قال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». وقد كان له أن يعاقبهم بما يراه، لشدة ما فعلوا به وبأصحابه من ألوان العذاب، وتحمَّل البلاء الشديد في سبيل دينه ودعوته، ولكنه رسول الله، رسول الرحمة.

ولم يكن هذا العفو والتسامح كما قلنا على أساس التنازل عن ثوابت الرسالة الإلهية والمبادئ الإسلامية، بل كان على أساس تأمين الحياة للعيش المشترك. وعلى أساس أن الدين الإسلامي دين سمح يسعى لإقامة الحياة الطيبة لا دين القتل والتنكيل بالآخرين. والدليل على ذلك شعار الأمن والسلم الاجتماعي الذي نادى به رسول الله، صلى الله عليه وآله، يوم فتح مكة وطبقه طيلة حياته الشريفة. وإليك نصّ الرواية: لما دخل الرسول، صلى الله عليه وآله، وأصحابه مكة كانت إحدى الرايات في يد سعد بن عبادة وهو ينادي برفيع صوته: اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحلّ الحرمة، يا معشر الأوس والخزرج، ثأركم يوم الجمل. فأتى العبّاس النبي، صلى الله عليه وآله، وأخبره بمقالة سعد. فقال، صلى الله عليه وآله،: ليس بما قال سعد شيء، ثمّ قال للإمام علي، عليه السلام: «أدرك سعداً فخذ الراية منه وأدخلها إدخالاً رفيقاً. فأخذ أمير المؤمنين، عليه السلام، الراية منه وأخذ ينادي برفيع صوته: اليوم يوم المرحمة، اليوم تُصان الحرمة».(3)

وفي مقابل ذلك ماذا فعلوا برسول الله وابنائه، سلام الله عليهم أجمعين، في يوم عاشوراء حيث نادى المنادي: «أحرقوا بيوت الظالمين». (4)

 

* بناء دولة المواطنة

من هنا؛ فإن بناء دولة المواطنة يتطلب من الأفراد أن يكونوا على استعداد للتضحية بما يحقق دولة المجتمع التعاوني، ولذا فعل ما فعل رسول الله، صلى اله عليه وآله، لأجل بناء خذا المجتمع. 

إن من أهم الأشياء التي جاء الإسلام من أجل صيانتها والحفاظ عليها هي الأنفس ودماء الآخرين، حتى عُدّ النفس الإنسانية من ضرورات الدين التي يجب الدفاع عنها وحرمة انتهاكها، ولكن مع ذلك نلاحظ أن القرآن الكريم يحدثنا عن مسألة غاية في الأهمية، وهي مسألة المسامحة والعفو عن الآخرين، فقال سبحانه وتعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، (سورة البقرة /187) «إن الله يضع حول شرائعه لمسة إحساس وعاطفة، من أجل ألاَّ تكون الأنظمة كلها صارمة وجامدة لا تتوافق مع بعض الظروف... والإسلام دين القانون ودين الرحمة في الوقت ذاته، فهو ذو قانون محدد ولكنه مؤطر بالرحمة». (5)

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على القيمة العليا والكبيرة لمفردة التسامح والعفو عن الآخرين في القرآن الكريم.

والعفو تاج المكارم «وميراث التقوى، والله أعد للمتقين جنات عرضها السموات والأرض، وعلى من أوسع الله عليه من فضله، أن يوسع الناس فضلاً وعفواً ليغفر الله له». (6)

ولا أبالغ إن قلت إن احد ركائز بناء الدولة والمجتمع التعاوني هو قضية التسامح بما تحمل من معاني الصفح الجميل ﴿...فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ، (سورة الحجر/85). إلى جانب الكثير من المفاهيم الأخرى، كمفهوم العدل، والصبر على الأذى، والاحترام للآخر وتقديره، ومساعدة المحتاجين، ونصرة المستضعفين، ونشر المحبة، والإخاء، والرحمة، والإنصاف، وغيرها.

هذه المفاهيم يستشعرها الإنسان ضمن نسب مختلفة وحسب حاجته لها، فهي تشتد وقت الأزمات وحدوث الكوارث الطبيعية وغير الطبيعية وتضعف في أوقات أخرى عندما تقل الحاجة لها.

ألا ترون أن الواقع العراقي اليوم بما فيه من قضايا أمنية خطيرة وتفكك اجتماعي وأسري مؤلم، بحاجة إلى مفاهيم كهذه تحقق أمنه وسلامته، وتعيد روح الإخاء والتعاون بين أفراد المجتمع، وتقوية العلاقة الأسرية، في ظروف حرجة ينبغي لهذه المفاهيم التنموية أن تكون هي شعار الإنسان أينما وجد، فالبيت الأسري الخالي من هذه العناوين كيف له أن يسير في حياة مستقيمة وهادئة. وبالتأكيد ليس فينا من هو معصوم، فإذا لم يسامح بعضنا البعض على أخطائنا، لا يكون ثمة وجود للاستقرار الأسري، وتصبح العائلة مفككة ومهددة بشتى أنواع الانحراف، بسبب الجو المتشنج البعيد عن روح التسامح والعفو والإحسان.

«إن كلمة العفو كلمة مقدسة، وعندما يريد الإنسان أن يصورها لنفسه يشعر بخروج نورٍ يسطع منها، يلامس قلوب العارفين... وبناءً على ذلك فمن رأى من أهل داره إساءة ينبغي له أن يعفو ويصفح كي تعمّ المحبة والودّ في هذا الوسط... فلو أساءت زوجته أمامه يحاول جاهداً أن يفعل شيئاً يُفهم منه بأنه لم يَرَ تلك الإساءة بالمرة كي يعفو عنها، وكذا بالنسبة للزوجة إذ ينبغي لها أن تغض النظر وتصفح عن زوجها إذا ما رأت ما يخالف قانون الأسرة المقدس». (7)

والعفو هو المفردة التي أمرنا الله سبحانه بإنفاقها، قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}. (سورة البقرة/219)

وضرورة ان يتخذ الإنسان الطريقة المناسبة للصفح والعفو عن الآخرين وبناء علاقات طيبة قائمة على أساس الاحترام المتبادل، لذلك نلاحظ ان انبياء الله سبحانه وتعالى وأولياءه، عليهم السلام، لم يتعرضوا لخدش مشاعر من يصفحون عنهم ويسامحونهم، بل على العكس كانوا يبعثون برسائل اطمئنان من خلال كلماتهم الصادقة وطهارة قلوبهم العامرة بالإيمان وحب الإنسان ونياتهم المخلصة.

يقال إن يُوسُف، عليه السلام، كان يعاني كثيراً حينما يجلس إلى مائدة الطعام، ومعه إخوانه، وكانت أفكاره تتداعى ويتذكر جريمة إخوانه القبيحة وكيفية إلقائه في غيابت الجبّ، لذا لم يهنأ له عيش، ولم يطب له طعام، وعندها شعر بأن إخوانه قد يكونون خجلين منه، فتحدث لهم قائلاً: إنكم لو لم تلقوا بي في تلك البئر لما تمكنت من الوصول إلى هذا المكان، إذن أنتم السبب في سعادتي وعزّتي، وأنتم من أوصلني إلى هذا المقام. (8)

 

   * درجات التسامح

  القرآن الكريم وضح لنا هذه الدرجات بقوله: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، (سورة التغابن/14) بمعنى أننا أمام ثلاث درجات للتسامح:

1- العفو

2- الصفح

3- الغفران

«وهذه درجات لصفة واحدة هي التنازل عن الحقوق الشخصية بالسماحة وسعة الصدر لصالح الأسرة.

وينبغي للمؤمن أن يسمو بنفسه إلى آفاق الحلم والسماحة تخلقاً بأخلاق الله، ويتحمل بعض الإساءات... ويغفر للمتسامحين ويرحمهم، وهي أعلى درجات التسامح.

وتحسس المؤمن بحاجة إلى غفران الله ورحمته لا شك يدعوه للتلطف بمن هو تحت يده وقدرته». (9)

 

* آثار التسامح

لهذه الصفة والملكة الاخلاقية والانسانية، آثار وضعية في حياة المجتمع، كما لها آثار معنوية في النفوس، نذكر منها:

1- من عفا عفا الله عنه.

2- التسامح يقوي الأواصر الاجتماعية.

3- التسامح يوحد المجتمع ويجعله مجتمعاً تعاونياً متماسكاً.

4- التسامح يفتح الآفاق لحياة جديدة مبنية على الحب والسعادة واحترام الآخر.

5- التسامح دليل التحضر والإنسانية.

6- التسامح يزرع البهجة في النفوس ويعمر القلوب بحب العمل للغير ومساعدته.

7- التسامح يولد الأمن والاستقرار.

8- التسامح يسمو بصاحبه لأن يجعله ناكراً للذات ورافضاً للآنا.

9- التسامح يزيل الكراهية والأحقاد الدفينة.

10- التسامح أداة لبناء الدولة.

11- التسامح والعفو يؤصلان المحبة والمودة والتواصل الدائم بين أبناء المجتمع، بعكس القسوة والغلظة، فإنها تزيد من بث الشحناء والنفرة في المجتمع وتقتل التواصل والألفة والمحبة. 

12- المسامح أجره على الله، وليس على شخص آخر: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}،(سورة الشورى/20)

هذه بعض آثار التسامح التي نأمل أن نجد صورها في مجتمعاتنا الإسلامية اليوم وخصوصاً في مجتمعنا العراقي، ففي خضم الأحداث التي تعصف به من كل جانب، لا سبيل لنا إلاَّ أن ننتهج النهج القرآني في إشاعة روح التسامح والأخوة والمحبة والسلام.

والكتاب العزيز يدعو إلى إقامة المجتمع التعاوني، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}،(سورة المائدة/2).

---------------

(1) التعريفات، الجرجاني، ج 1: ص 160.

(2) المصدر السابق، ج 1: ص 160.

(3) مناقب آل أبي طالب: ج1، ص 208. 

 (4) موسوعة عاشوراء، الشيخ جواد محدثي: ج1، ص 26.

(5) من هدى القرآن، السيد محمد تقي المدرسي،دام ظله ،، ج 1: ص 272 - 273.

(6) التشريع الإسلامي، السيد المدرسي،دام ظله ،، ج 10: ص 236 - 237. 

(7) الأخلاق البيتية، الأستاذ حسين مظاهري: ص 281 - 283. 

 (8) الأخلاق البيتية، الأستاذ حسين مظاهري: 285

(9) من هدى القرآن، السيد محمد تقي المدرسي،دام ظله ،، ج 11: ص 47 - 48.


ارسل لصديق