الإصلاح الحسيني في مدارسنا وجامعاتنا
الواقع والطموح
كتبه: حيدر الرماحي
حرر في: 2017/10/25
القراءات: 16

كل فكرة من الافكار لها تاريخها الممتد عبر الزمن، وإذا ما اردنا دراستها والتعرف عليها فلابدَّ ان نعود إلى الوراء قليلاً لنتعرف على بداية نشوء الفكرة وانطلاقها في الواقع الاجتماعي وانتشارها بين الأفراد. وهذا ما يتكفل به منهج تاريخ الأفكار ليبين لنا ذلك.

وإطلالة سريعة على المنهج الثوري الاصلاحي لدى المصلحين سنلاحظ بأن كل تحرك نحو الاصلاح ينطلق من قاعدة سليمة ورصينة تملك مقومات النجاح وأُسس التغيير الاجتماعي ومفردات بناء الحضارة، وهذه العملية تتطلب مدّة زمنية ليست بالقليلة، ولذا فإن اغلب حركات الاصلاح لم تكن وليدة يومها، بل الإصلاح رسالة السماء إلى أهل الأرض، ومن هنا نجد رسول الإنسانية، صلى الله عليه وآله، يتكفل بحمل راية الهدى والصلاح إلى العالم اجمع.

ولأن عملية الإصلاح لا يقوم بها الفاسدون، فإنه ينطلق من الذات المصلحة ولهذا نرى أئمة أهل البيت، عليهم السلام، صالحاً بعد صالح، فهم أئمة الهدى ومصابيح الدجى، سلام الله عليهم، الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، حيث انطلقوا في الواقع الاجتماعي يدعون الناس إلى دين التوحيد والعقيدة الحق، وتحملوا أعباء الدفاع عن الرسالة الالهية بعد جدهم المصطفى، صلى الله عليه وآله.

ومن ذلك يظهر لنا أن الثورة الحسينية الاصلاحية لها جذور ممتدة عبر الزمن، ومن خلال كلام سيد الشهداء، عليه السلام، نجده يؤكد في ضمير الأمة ان ثورة عاشوراء غايتها إصلاح واقع المسلمين من أعمال بني أمية وأفكارها المنحرفة، ورفض كل ألوان الظلم والفساد، فيقول، سلام الله عليه: «...إني لم اخرج أشراً ولا بطراً، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي رسول الله، صلى الله عليه وآله»، وهذا الموقف من الإمام، عليه السلام، يتطابق مع صريح القرآن الكريم، فحينما وصف الله - تعالى- الداعين إلى منهج الحق وشريعته، القائمين به ديناً وعملاً بالمصلحين؛ أي الساعين إلى الإصلاح، فيما وقعت فيه البشرية من الظلم والانحراف عن صراط الله المستقيم، فقال - تعالى- على لسان نبيه شعيب، عليه السلام: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}، (سورة هود: 88).

وكذلك الحال لما استخلف نبي الله موسى أخاه هارون، عليه السلام، في قومه أوصاه بقوله: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}، (سورة الأعراف: 142).

وحينما نلقي نظرة تمعّن على واقع الثورة الحسينية ورجالها، سنجدهم من الواعين والمدركين لقيم الثورة وأهمية الإصلاح وأهدافه، والنقطة المركزية هي انهم علاوة على ذلك كانوا على صواب عند تطبيقهم مفاهيم الاصلاح على الواقع الفاسد الذي عاشوه، أي انهم كانوا على معرفة جيدة بالأسباب التي دفعتهم بالانضمام الى هذه النهضة، وعلى أي شيء يثورون، ولأجل أي شيء يضحون بحياتهم؟ وبما ان حاملي المعرفة والثقافة عادة ما ينطلقون من المدارس والجامعات التي تهتم بصنع رجال البلد وقادة الدول، كان لابد لنا ان نركز على هذه الشريحة المهمة؛ لأنها مسؤولة غداً عن نشر قيم عاشوراء بعد فهمها وتطبيقها في الحياة الاجتماعية، لذا هنالك ركيزتان أساسيتان لابد من توفرهما، وهما:

1 - معرفة حقيقة الثورة الحسينية بجذورها ومعطياتها وأهدافها.

2 - كيـــفيــــة تطبيـــق الإصلاح الحسيني في الواقع المعاصر.

تتكفل الركيزة الاولى برفع مستوى الوعي الشبابي بحقيقة الاصلاح وهو رسالة الله سبحانه الى البشرية تكَفّل بحملها أطهر خلق الله - تعالى-، رسوله، صلى الله عليه وآله، واهل بيته الطاهرين، عليهم السلام. تجسدت بهم - سلام الله عليهم أجمعين - واحداً تلو الآخر، وإن اختلفت اساليب حركاتهم الاصلاحية حسب الظروف الاجتماعية والسياسية، فلكل زمان سلوك معين، ولكل مكان حركة معينة، قد تختلف حركة إصلاحية عن أخرى، ولكن الهدف واحد؛ فالأدوار متعددة والهدف مشترك كما صرح علماؤنا الأبرار. لذلك لابد من نشر الوعي الاصلاحي بين الطلبة الاعزاء ليفهموا ويدركوا الحركة الإصلاحية التي قام بها الامام الحسين، عليه السلام، في كربلاء ويكونوا على وعي تام بقيم عاشوراء ونتائجها الباقية الى اليوم.

ومن غير ذلك لن ننجح في خلق جيل حسيني اصيل لتكون عاشوراء حاضرة في أذهان الشباب الحي، ولا تكون على هامش الورق ومجرد طقوس نقوم بها في زمان معين ونحيي ذكرى ثورة الاصلاح الحسيني في أماكن خاصة. فليست عاشوراء كلمة فارغة المحتوى بل رسالة قام بها سيد شباب أهل الجنة، عليه السلام.

وهذه الرسالة يجب فهمها ووعي حركتها في التاريخ لنكون حسينيين إصلاحيين، نسير في ضوء ذلك المنهج الثوري الرافض للظلم والتسلط على رقاب المستضعفين الذي خطه لنا رسول الإنسانية وقام به أئمتنا، عليهم السلام، وظهر بأبرز صوره في عاشوراء الفداء والتضحية، هذا بالضبط ما يجب ان يدركه طلبتنا الأعزاء.

ثم وبعد ذلك؛ لتبقى قيم الثورة الحسينية ونهج الإصلاح الحسيني حيّة في ضمير الأمة.

وتأتي الركيزة الثانية لتكمل دورها في الواقع المعاصر.

فلا بد ان يدرك الطلبة في المواقع الأكاديمية والمراكز العلمية، أن ثورة المظلوم على الظالم لن تنتهي، بمعنى آخر؛ ان ثورة الاصلاح الحسيني باقية ما بقي الدهر فيجب ان يعلم الطلبة كيفية تطبيق مفردات الاصلاح الحسيني على الواقع المعاصر، فلكل مفهوم مصداقي خارجي، وهو ما يعلمه اهل الاختصاص بمعنى اضح ان هنالك ظالم يمثل امتداد واضح المعالم للنهج الجاهلي ليزيد واتباع يزيد، وكل مصلح يحمل القيم الاسلامية النبيلة يمثل امتداد لثورة الامام الحسين، عليه السلام، وخطه الإصلاحي.

ومن هذا المنطلق، يمكن أن نجد يزيد، قاتل الامام الحسين، عليه السلام، يتبوأ اليوم منصباً رفيعاً في نظام الحكم، او حتى في دائرة حكومية وخدمية، او في أي مؤسسة من مؤسسات الدولة، كما يمكن ان نجده في أي مكان آخر في الواقع الاجتماعي، لأن نفس يزيد، ذلك الحاكم الفاسق والمتهتك في ذلك العهد، كان امتداداً لنهج بني أمية القائم على الظلم والعدوان.

لذا فانه يمثل حلقة في هذه المسيرة الانحرافية الضالة، مما يعطي الإمكانية بوجود مصاديق لهذه الخصال الأموية عندما يلتزم أحد بهذا المنهج في أي مكان و أي زمان.

إن يزيد القابع في مزبلة التاريخ، ليس سوى شخص واحد وضيع، كان يحمل الإرث الجاهلي لبني أمية، وسار على نهجهم وقام بدوره اللعين فلعنه التاريخ شر لعنة. وهكذا في المقابل علينا ان نطبق مفردات الحق والصدق على ارض الواقع لنتعرف على من يحمل راية الإصلاح الحسيني، ولا ننخدع بما يقوم به البعض هنا وهناك، وبعد ان نتعرف على النهج الحسيني الاصيل سنعرف وبصدق من يسير على نهجه ومن يقف على الضفة الأخرى. وهذه نقطة مهمة لشبابنا وطلبتنا الاعزاء ان يكونوا واعين ومدركين لما يجري حولهم وما يدور على ارض الواقع.

لننصر رسالة الاسلام الاصيل عن وعي وادراك كامل لمفردات الحق والعدل.

فمن يمثل النهج الحسيني الطاهر موجود، كما يوجد ايضاً من يمثل النهج الأموي اليزيدي، وعلينا ان نتحمل مسؤوليتنا ونميز بينهما لنقف الى جانب الحق .

مهما كان ثمن الإصلاح، فلكل زمان طريقته في التعامل في نشر راية الحق.


ارسل لصديق