أثر النهضة الحسينية على الواقع المعاصر
كتبه: حيدر الرماحي
حرر في: 2016/11/14
القراءات: 530

تنطلق هذه الدراسة من تساؤل مهم، وهو ما مدى تأثير نهضة الإمام الحسين، عليه السلام، على الواقع الاجتماعي؟ ولمعرفة مدى التأثير والتأثّر، ينبغي علينا ملاحظة حجم تغلغل مفاهيم الثورة الحسينية في الوعي الاجتماعي للجماهير المؤمنة، وعمق الإدراك لقيم عاشوراء .

يعتقد علماء الاجتماع انه عند دراسة أي قضية اجتماعية لا بد من أخذ عينات معينة من المجتمع الذي يُراد دراسته، وفي فترات زمنية محددة، لأجل الخروج بنتيجة تحدد مصادر المعرفة لهذا المجتمع، والدافع الذي يُحرك هذه الجماهير نحو سلوكها العام.

وإذا ما اردنا أن نستقري تأريخ المجتمع الشيعي على وجه التحديد، فإننا سنلاحظ أن رسول الله، صلى الله عليه وآله، وأهل بيته، عليهم السلام، كانوا يؤكدون على الدوام على قضيتين رئيسيتين هما:

1- قضية العلم والمعرفة الحقّة

2- القوة الإيمانية

لذلك تمحورت قضية العلم حول تعاليم الوحي الإلهي وبثها بصورة ميسرة بين صفوف الجماهير المؤمنة، وإلى جانب ذلك كان المعصومون، عليهم السلام، يحرصون على خلق حالة القوة الإيمانية لتطبيق هذه التعاليم بشكل هادف ورصين. ولأجل ان تنجح الحضارة الإسلامية كان لابد لقائدها ان يصنع القاعدة الصادقة في الولاء، وإلا لا يمكن لأي قائد ان يخطو خطوة واحدة من دون وجود القاعدة المؤمنة بأهداف الرسالة، والتي تكون جاهزة لتطبيق تعاليم الوحي بكل قوة وحزم، عبر إرادتها الحرة للنهوض بالواقع المأساوي، وقلب حالة الخمول والتكاسل إلى حالة من النشاط والحركة لتحقيق واقع أفضل.

وفي هذا الصدد نلاحظ نبي الأمة، صلى الله عليه وآله، يقول: «المؤمن القوي خيرٌ واحبُ إلى الله من المؤمن الضعيف...»(1) ومفهوم القوة في هذا الحديث له عدة دلالات معنوية ومادية، لذلك كان عامل الإيمان والمعرفة الحقة سابقاً لوجود القوة، كي يكون العلم والإيمان هما المحرك والموجه لهذه القوة في نطاقها الصحيح. فربما كان المؤمن يملك العلم والمعرفة، ولكنه ضعيف ولا يملك القوة الحقيقية، فيتطاول عليه هذا ويسلب حقه ذاك، وهو يعيش حالة من الخنوع والاستسلام لكل أولئك، أو ربما يملك القوة والشجاعة للمطالبة بحقوقه، ولكنه يفقد الموجه العلمي والأخلاقي، فيتصرف كيف يشاء وفي أي وقت شاء، فيفقد الكلمة المناسبة في الوقت المناسب.

لهذا نلاحظ حجم المد والجزر في التفاعل مع القضية الحسينية على طول التأريخ، فقبل واقعة كربلاء، كان الإمام الحسين، عليه السلام، يؤكد على قضية العلم وقوة الإرادة والعزم والإباء، هذه المفاهيم التي ورثها أبو عبد الله الحسين، سلام الله عليه، من جده الأكرم، صلى الله عليه وآله، الذي غير مسار التاريخ، وقلب مفاهيم الحياة، ووقف صامداً أمام القوة الهائلة التي هبت لتمنعه من أن يقول كلمة (لا اله إلا الله، محمدٌ رسول الله) فلم يعن بهم، وراح يقول لعمه أبي طالب مؤمن قريش: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن اترك هذا الأمر ما تركته حتى أموت أو يظهره الله».

بهذه الإرادة الجبارة واجه النبي الأكرم، كل تلك التحديات، وعلى هذا الطريق عمل الإمام الحسين، عليه السلام، على تثقيف اصحابه والجماهير المؤمنة بمفاهيم الإسلام الرافض للذل والخنوع، ويوضح لهم قيم الشريعة في الدفاع عن الحقوق المسلوبة والحرية المنتهكة.

ففي مرحلة الرسالة النبوية، وما بعدها وصولاً إلى عصر الإمام الحسين، عليه السلام، تحقق جانب بث علوم الوحي بشكل لا بأس به، ولكن بقي عنصر القوة الإيمانية والإرادة على التضحية، خاصة بفئة قليلة من الأصحاب والموالين، وهذا ما يؤكد تخاذل البعض عن المشاركة في النهضة الحسينية المباركة آنذاك، لكن سرعان ما انقلبت الموازين بعد حادثة كربلاء، بعد أن سقى الإمام الحسين، عليه السلام، طريق الحرية بدمائه الزاكية، فتغيرت إرادة شريحة من الجماهير، من الهزيمة والخذلان، إلى العزيمة والتفاني، كما يعبر السيد الشهيد محمد باقر الصدر - قدس سره -، فذابت عناصر الخوف ونشأت عناصر القوة والإرادة الإيمانية فحدث تفاعل واستجابة لا بأس بهما من قبل الجماهير المؤمنة، ظهر ذلك عن طريق إقامة الثورات المسلحة هنا وهناك.

واليوم إذ نشاهد حجم الجماهير المشاركة في اعلان الولاء الحقيقي للقضية الحسينية، لا نرتاب في أن مستوى التأثير الكبير للثورة المباركة آخذٌ بالتصاعد يوماً بعد آخر، وهذا مما نحمد الله عليه، سواء على الجانب النظري والمعنوي، حيث الإدراك الجيد لمسألة الإمامة ومسؤولية المجتمع اتجاه عترة النبي - سلام الله عليهم - والوقوف على قيم الشريعة ومعارف الوحي، أو عن طريق الجانب التطبيقي حيث نلاحظ الاستجابة الحقيقية لأبناء الحشد الشعبي المطيع لكلمة المرجعية السائرة على هدى المعصومين، عليهم السلام.

 

 التوفيق الالهي

لا ينبغي علينا أن نغفل نقطة مركزية في حياة الإنسان ودوره في تحقيق مسؤولية الاستخلاف على الأرض، ألا وهي مسألة التوفيق الإلهي لعمل الخير والصلاح، ففي الوقت الذي نؤكد فيه على أهمية قضايا العلم والمعرفة وكذا إيجاد الإرادة الحرة للأمة، علينا أن نعرف أن كل هذه المسائل قائمة على أساس التوفيق الإلهي لبني البشر، فليس كل الذين وفقهم الله للمشاركة في واقعة كربلاء كانوا من الفقهاء، بل هناك الكثير من الأفراد الذين لا يملكون رصيداً معرفياً عميقاً ولكنهم يملكون الطهارة الداخلية وحسن السريرة، لذلك امتدت لهم يد الغيب لتأخذهم إلى حيث الركب الحسيني المطهر، والحقيقة؛ إن ذلك يشمل الجميع، سواء من كان له رصيد معرفي أو لم يكن، إذ لولا التوفيق الالهي لنا لا نساوي شيئاً في عالم الوجود. ولذلك ورد عن أهل البيت، عليهم السلام، في أحد ادعيتهم ما مضمونه: «الهي لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا» وهذا يوضح شدة الافتقار والحاجة إلى الله - تعالى - في كل شؤون الدنيا والآخرة. ولكن مع ذلك تبقى مسألة العلم من المسائل المهمة في فكر أئمة أهل البيت، عليهم السلام، والسر في ذلك أن الذي يُدرك حقيقة الإمامة بكل ابعادها فلن يتنازل عنها مهما اشتدت الظروف وتغيرت الأوضاع.

 

 آخر المطاف

أن مفردات الخطاب الحسيني في عاشوراء ساهم بشكل أو بآخر في صناعة الوعي لجماهير الأمة، حتى بات أغلب الأفراد اليوم يُدركون قيم عاشوراء ويقفون على مفاهيم الثورة، وأهداف النهضة الحسينية، مما يدفع باتجاه أن تتحرك الجماهير لترجمة هذه المفاهيم والقيم السامية على أرض الواقع، فليست عاشوراء قضية تاريخية تُدرس من ناحية الحدث التاريخي فحسب، بل هي حدث تاريخي متفاعل بشكل مستمر؛ لأن الثورة الحسينية انطلقت من مسألة الحق والباطل، وهما ما زالا مستمرين، فكيف تنتهي نهضة الدفاع عن الحق، وقد تمثلت بأطهر شخص في الوجود الإنساني مثل الحق وأهله. لذلك على الأمة اليوم أن تعي مسؤوليتها ازاء الدماء الطاهرة التي سقت طريق الحرية في كربلاء، وأن تتبنى هذه الأمة التي تنتمي إلى الإمام الحسين، عليه السلام، فكراً وعقيدةً، مشروع الدفاع عن المظلومين من أي اتجاه كان، والوقوف ضد الظالمين مهما كان انتماؤهم.

----------

(1) رواه مسلم/ ح2664.


ارسل لصديق