العراق.. و ((الربيع الثقافي))
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2012/05/04
القراءات: 1685

ليس بالضرورة ان نشتق مفردات التغيير لبلد مثل العراق، من بلاد اخرى شهدت (ربيعاً) ثورياً، تحول الى عواصف عاتية أطاحت بأصنام كبيرة.

وللعلم فقط، فان "الربيع" هذا، والذي طالما روجت له وسائل الاعلام الغربية، ليس مختصاً بالشعوب العربية، إنما يعود بالاساس الى شعب تشيكوسلوفاكيا الذي وقف أمام دبابات حلف وارسو عام 1968 عندما اجتاحت العاصمة براغ وأطاحت بالنظام الموالي للغرب والرأسمالية، وكانت الظاهرة الغريبة التي استوقفت العالم، تقديم الناس الورد للجنود الغزاة ليضعوها في فوهات بنادقهم، ومذاك كان "ربيع براغ"، ثم تكرر المشهد في الصين عام 1989 عندما تحدى شاب صيني بمفرده أمام رتل من الدبابات في الساحة الرئيسية للعاصمة بكين، ومنع الدبابة من الحركة، أو بالاحرى تحداها بكل شجاعة أن تسحقه وتقتله.

نعم؛ العراق بحاجة اليوم الى "ربيع"، لكن ليس على شاكلة ما شهدته البلاد العربية، ولا حتى الاجنبية التي انبثقت منها فكرة "الربيع"، فقد طوى مسافة بعيدة وشاقة في الصراع والصدام السياسي طيلة العقود الماضية، وها هو يتكئ على شجرة الديمقراطية التي يفترض انها أحد ثمار ذلك الجهد الكبير، إذن؛ فهو يتطلع الى "ربيع" جميل وجذاب، لكن من نوع آخر.

في جميع البلاد الاسلامية التي شهدت "الربيع"، احتلت المشكلة السياسية قطب الرحى الذي دارت عليه الاحداث اليومية من تظاهرات وصدامات واعتقالات وحتى اغتيالات واعمال عنف مختلفة، والجميع في غمرة الاحداث يتطلعون الى نافذة التغيير السياسي علّهم يصلون اليها ويخرجون من واقعهم، حيث يعدّون – وهذا الاعتقاد عائد لهم- بان جلّ مشاكلهم وازماتهم تعود الى رأس هرم السلطة والجهاز الحاكم، وما أن يتغير تكون البلاد والعباد بخير.. بينما مطلب العراق له خطاب آخر.. فالكل يتذكر تفوق صدام في سياساته القمعية والتدميرية على سائر أقرانه المتهاوين في "الربيع العربي"، بدءاً من سياسة القمع والقسوة المفرطة ضد المعارضة، وسياسة الحرب واختلاق الاعداء الوهميين، وسياسة التجويع أو ما يسمى "العصا والجزرة" التي طبقها بعد تعرضه للتهديد من شعبه المنتفض في آذار عام 1991، الى جانب سياسة التضليل والتعتيم وإبعاد الناس عن العالم الخارجي. ولكن عندما زال ذلك النظام – بغض النظر عن الاسباب والعوامل- بدأ عهد جديد من الازمات والمشاكل، والسبب بكل بساطة؛ إن صدام وحزبه انتهت فترة صلاحيته في الحكم، وطويت صفحتهما الى الابد، لكن بقيت عوامل نشوء تلك الديكتاتورية والطغيان والاستئثار بالثروة ، قائمة على ارض الواقع، وهذا ما لم يكن بالحسبان، طبعاً؛ هذا يصدق على سائر الدول العربية الطامحة للتغيير الشامل والخروج من وطأة الظلم والطغيان.

إن القضية واضحة لا تعقيد فيها.. فصدام ومبارك والقذافي لم يفعلوا اكثر مما أملت عليهم افكارهم واحزابهم السلطوية. فالايديولوجيا أولاً: والانسان ثانياً.. أما عندنا نحن الاسلاميون، فالموقف غير ذلك، كما جاء في النصوص الدينية، لأن الاسلام – كما يتفق الجميع على ذلك- إنما جاء بالاساس لخدمة الانسان، وتكريس القيم والمبادئ السامية، والقرآن الكريم يصدح بآيات مباركة عديدة تؤكد ذلك.

وعلى هذا الطريق جاهد الانبياء والأئمة المعصومون ومن بعدهم علماء الدين، وضحوا بارواحهم. وإذن؛ يجب ان يكون الحق والفضيلة والعدل وسائر القيم السماوية، هي المشعل الذي ينير للانسان، حتى يتبين له الخيط الابيض من الاسود، عندئذ يكون مستعداً لتحمل المسؤولية كاملة في الحياة، وهذه المسؤولية هي التي تحقق له طموحاته واهدافه الكبيرة.

أما اذا تقولبت تلك القيم والمبادئ في أُطر خاصة فكرية خاصة، لدى فئة معينة من الناس وليس كل الناس، فان أول نتيجة لهذا المسار، هو ضياع الحلقة الاخيرة في سلسلة الاهداف الرسالية، وهي فقدان حالة المسؤولية وانتشار حالة اللاابالية إزاء كل شيء، ومن هنا يبدأ المجتمع يتحول من حالة السكون والجمود في عهد الكبت والحرمان، الى حالة التآكل والتناحر في عهد الانفتاح والحرية.

من هنا نفهم سبب فشل ارتكاز النخبة على الايديولوجيا في بناء الواقع السياسي والاجتماعي في بلادنا الاسلامية خلال العقود الماضية، كما نعرف ايضاً سرّ الانجازات الباهرة لعلماء دين مجاهدين تمكنوا من صنع الاحداث العظيمة والتأثير على القرارات السياسية، من خلال كلمة "طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء"، لا بالشعارات والاثارات، وأبرز مثالين نفتخر بهما دائماً هما: ثورة التنباك في ايران وثورة العشرين في العراق. واذا ما اتصل يوم العراق بتلك الايام الكبيرة، فان ربيعه يكون بلا مثيل.


ارسل لصديق