البناء على الركائز المادية و (حضارة بيت العنكبوت)
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2012/05/02
القراءات: 1319

التقدم البشري قد يكون نتاج تراكمات مادية، وقد يكون بتموجات معنوية، وكما يطير الطير بجناحين، يحلق البشر بهذين الأفقين، ولكن اذا غلبت العوامل والتراكمات المادية على مسيرة وحياة البشر، فإن نهايتهم الهلاك، مهما كانتقدراتهم وامكاناتهم. ويضرب الله تعالى الأمثال والقصص في القرآن الكريم، كقصص اقوام عاد وثمود لوط واصحاب الايكة، ومن بين ابرز تلك الأمثال والقصص قصة النبي موسى عليه السلام مع فرعون وآل فرعون.فقد انخدع فرعون ومن حوله، بمظاهر القوة المادية، وعدّوها سنداً لهم، وغفلوا عن حقيقة أن البناء الشاهق اذا كان على ارض رخوة، فانه أدعى للانهيار، بل كلما تصاعدكان احتمال سقوطه اكبر. لذا فهو بحاجة الى ارض قوية صلبة ليضمن البقاء قائماً.

قبل نحو سبعة وثلاثين عاماً، وتحديداً عام 1975، كتبتدراسة نشرتهامجلة "صوت الخليج" الكويتية تحت عنوان "حضارة في بيت العنكبوت"،بيّنت فيها ان الحضارة الغربية، و بالرغم من قوتها المادية وتراكماتها، الا انها تشبه بيت العنكبوت. وحتى اليوم، نجد الشواهد على ذلك في تزايد مع مرور الزمن. وهذا كان حال ما كانت تُسمى بـ (حضارة الفراعنة)،فقد كانتتفخر بالاهرامات والاكتشافات والانظمة الاجتماعية والاقتصادية، لكن كل هذه الامكانات المادية والذهنية، لم تكن الوسيلة للبقاء والاستمرار مع التاريخ والاجيال. فما السبب وراء ذلك؟

القرآن الكريم، يكشف في عديد الآيات الكريمة، ان الغرور، هي الصفة التي تدفع الانسان لأن ينسى كل شيء، ويتمحور حول ذاته. هذه الصفة ليست مقتصرة على اصحاب الامكانات الكبيرة، فربما يغتر الشاب بشبابه وحيويته، وصاحب الدار والسيارة بما يملك، والموظف بمنصبه و بحزبه وجماعته. وكما يتمثل الغرور في الانسان الفرد، فإنه قد يتمثل في المجتمع و الأمة والدولة، وعندما لا يكون الاساس والقاعدة قائمة على قيم ومبادئ سامية، إنما الاتكال على التراكمات المادية، يكون المصير على شاكلة "بيت العنكبوت".

والمشكلة تبدأ عندما يضع الانسان او الأمة، امكاناتها وقدراتها المادية أمامها، الى حيث التنافس غير الشريف والصراع على السلطة والهيمنة السياسية منها او الاقتصادية او العسكرية، وهنا يكون من الصعب او المستحيل على الانسان كبح لجام القوة ونزعة الهيمنة، ثم النتيجة هي الكوارث والحروب والازمات التي نشهد جزءاً منها في العالم. وربما القادم يكون أعظم.

 فرعون.. المال والاعلام والسلاح لمواجهة الرسالة

إن الحضارة المصرية القديمة والفراعنة الذين كانوا يحكمونها، وتحديداً "فرعون" الذي عاصر النبي موسى عليه السلام، تُعد من أبرز وأقوى الامثلة التي يقدمها لنا القرآن الكريم لـ "حضارة بيت العنكبوت"، لذا جاءت قصة هذا الحاكم مع نبي الله موسى في عديد الآيات والسور في القرآن الكريم، وهي تؤكد مدى اهمية العبرة والدرس البليغ الذي يحمله لنا كتابنا المجيد، ومنها "سورة الشعراء"، وفي هذه السورة إضاءة قوية على حقيقة زوال القوة المادية أمام القوة المعنوية.

في سياق الآيات الكريمة من هذه السورة (52 الى 67)، يبين لنا الله تعالى في كتابه المجيد، طرق واساليب استفادة فرعون من قواه المادية لمواجهة القوة المعنوية لدى النبي موسى عليه السلام، فبعد ان بلغ النداء السماوي لموسى بأن يقوم مع بني اسرائيل بهجرةجماعيةباتجاه البحر، استخدم فرعون ثلاث قوى مادية كان يعتد بها:

 

أولاً: الدعاية والحرب النفسية..

ربما يكون فرعون، أول حاكم استخدم هذا النوع من الحرب النفسية لمواجهة المعارضة وتحجيمها والقضاء عليها. وحتى يضمن الحاكم – الطاغية مستقبله على كرسي الحكم، لابد ان يوهم الناس بأن الاكثرية معه، ومن يعارضه هم الاقلية، وجاء التعبير القرآني دقيقاً وجميلاً: "إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ"، وهذا هو منطق الطغاة في الماضي والحاضر والمستقبل، فحتى وإن امتلأت الشوارع بالمتظاهرين والمحتجين، فان الماكنة الدعائية لهم تصور الجموع المليونية بانهم "شرذمة"، ولا تأثير لهم على الواقع العام، بينما يغفلون عن حقيقة أن التغييرات في العالم دائماً تأتي من القلة التي تفجر الثورات وتغيّر المعادلة، وهنا القلّة ليس بمعنى "الاقلية"، إنما هي النخبة من المؤمنين الرساليين الذين يقودون المجتمع.

 ثانياً: القوة العسكرية..

فقد عبّأ فرعون قواه العسكرية لملاحقة موسى والمؤمنين معه، وهذا ما تعبر عنه الآية الكريمة: "فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ* إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُون * وَإِنَّ هُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ". لقد ادى الغرور والطغيان بفرعون أن يتصور كل من يعارضه، لن يكون له كرامة ووجود في المجتمع...!

 ثالثاً: القوة الاقتصادية..

هنا ايضاً يمكن ان نعِد فرعون اول حاكم يفرض الحظر الاقتصادي ويمارس سياسة التجويع ضد المعارضين، ويحاربهم في قوتهم و رزقهم، بيد ان القرآن الكريم يشير الى بصيرة أخرى وهي وجود النظام الاقتصادي المتقدم في حينه، لدى فرعون من مزارع و روافد، و صوامع للغلال، وفّرت له أموالاً ضخمة كانت السبب في اغترارهم وطغيانهم وبالنتيجة انهيارهم. "فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ". وقد ظنّ فرعون ان هذه القدرات والامكانات الاقتصادية، تحمي نظامه وتديم حكمه، لكن السنّة الالهية في الارض هي التي تسود وتحكم، فقد أعادالمستضعفين الذين هاجروا مع موسىالى تلك الجنات والعيون والكنوز والمقام الكريم، "كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ"، وذلك بعد إغراق فرعون وجنوده في البحر، وانهيار نظام حكمه وفنائه الى الابد.

إن من يتابع الآيات الكريمة في "سورة الشعراء" تتضح له نتيجة الصراع الحضاري بين من يعتمد العوامل المادية فقط، ومن يؤمن بالله ويعتمد العوامل المعنوية قبل كل شيء، "فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ"، أي ان بني اسرائيل وصلوا الى ما يشبه الطريق المسدود، فجاء الجواب من نبيهم ومن السماء ايضاً: "قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ"، لكن لنسأل: من الذي يهدي الطغاة والحكام من امتداد "فرعون" نحو الخلاص والنجاة من المعارضة الجماهيرية...؟

لقد أغرق الله تعالى فرعون وجنوده، لكن الدرس والعبرة هنا، ليس في المعجزة الاخرى لعصا موسى التي انقذت قومه بانفلاق البحر وانكشاف اليابسة لهم وانقاذهم من فرعون، إنما لإظهار عظمة الرب وقدرته، كما أظهر الله رحمته وعطفه للناس، ولكن المشكلة أن الناس لا يصلون دائماً الى هذه الحقيقة، ولا يؤمنون بها، "إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَان أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ".

 مشكلة العراق في تغليب القيم المادية

في العراق.. هنالك صور مشرقة للتموجات المعنوية، تمثلت في رموزنا وطلائع شهدائنا؛ سماحة آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر ، و سماحة آية الله المفكر الكبير السيد حسن الشيرازي، وسماحة المجاهد الكبير السيد مهدي الحكيم – رحمهم الله- ، هذه الطليعة وغيرهم من شهداء العراق الذين رسموا للشعب طريق الشهادة والحرية، واجهوا التراكمات المادية الكبيرة لحاكم طاغية جيّر خيرات البلاد وقدراتها الانسانية والمادية للحروب المدمرة.والعبرة التي نستوحيها من الآيات القرآنية الكريمة: أننا اذا تجاهلنا هذا الجانب ثانية، وغلّبنا العوامل المادية،من ثروة وإعلام وجماعات حزبية، فإن نهايتنا ربما لن تكون بأحسن من نهاية النظام البائد.

والمشكلة القائمة في العراق حالياً يلخّصها لنا القرآن الكريم بكلمة واحدة :"أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ"، بمعنى التهافت والتنافس المحموم على النفوذ والمكاسب، بل المعنى الاكثر خطورة، التغافل عن أحوال الماضين الذين اعتمدوا نفس القيم المادية، وما حلّ بهم وبسلطانهم وانجازاتهم.. وهذا يؤكد لنا فشل التجربة القائمة حتى لانكرر خطأ الماضين وكوارث الأمم السابقة، ويدعونا للعودة الى اصولنا وقيمنا الجديرة بالفخر والاعتزاز اكثر من المال والسلطة والتحالفات وغيرها من القيم المادية الزائلة. ومثالنا في ذلك إمامنا امير المؤمنين عليه السلام وتجربته الرائدة في الحكم، الذي كان يقول: " يا دنيا غري غيري..." ، وكان الحكم والزعامة لاتساوي عنده (شسع نعل)، وإن تساوه، فإن عليها أولاً أن "... تقيم حقاً و تدحض باطلاً".

إن المواعظ والدروس، كثيرة وعديدة امام اهل الحُكم في العراق؛ فهذا القرآن الكريم يصدح بالقصص الحق، وما جرى على الاقوام السابقة في التاريخ الانساني، والى جانبه السيرة المضيئة للرسول الاكرم صلى الله عليه وآله، وسيرة امير المؤمنين عليه السلام، الذي بات رمزاً للعدالة الانسانية لنا ولأهل الديانات الاخرى. ولنا ان نعرف أنّ الامام علياً عليه السلام، يمكن عدّه في خانة المعارضين والمناضلين قبل ان يصل الى الحكم، لكنه تعامل منذ اليوم الاول من توليه الزعامة، كما لو انه تولّى الامر بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله الى الدار الآخرة، وكأنه لم يتعرض للاقصاء والاضطهاد مما يبرر له تثبيت اركان حكمه، والحؤول دون خسارتها ثانية.

وهذا يعلمنا؛ ان المعارضة والنضال وتحمّل المشاق والسجون ومختلف صنوف الاذى لمعارضة الباطل، لا يبرر بأي حال من الاحوال تلبيس باطل جديد بشعارات جديدة. والتذرع بالماضي وانجازاته، لان الميزان هي القيم الدينية والاخلاقية التي يجب ان تجد مجالها في الواقع العملي، وإلا يكون كل شيء حبراً على ورق، وتجري الكلمات على الألسن عبر الهواء الطلق، لا تمس الواقع بشيء.

مع كل ذلك، الفرصة متاحة امامنا للعودة الى الاصول وتغذية الجذور وبث الحياة فيها حتى تقوي الفروع وتثمر، ونحن لدينا الارث الفكري والثقافي العظيم المتمثل بسيرة اهل البيت عليهم السلام والمتصل بالسماء. وهو كفيل بأن ينقذنا من كل مأزق او ازمة او فتنة، وينقلنا الى بر الأمان.


ارسل لصديق