المال الحرام و آثاره على الذرية والسلوك
كتبه: الشيخ إبراهيم الاشتري
حرر في: 2015/07/23
القراءات: 6437

سنن الله حاكمة على السماء والارض وعلى كل شيء، كالجبال والبحار وغيرها، لا تتبدل ولا تتحول؛ {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} (سورة فاطر، الآية:43)، والسنن الحاكمة والمهيمنة على الجبال، ذاتها الحاكمة على البشر، وما على الانسان إلا ان يسير وهدى تلك السنن.

فاذا  تمرد الانسان على السنن، خاصمته الطبيعة وعاداه الوجود. فلا ينساق لرغباته شيء، فاذا رفع رأسه لينظر جمال السماء  فإن السماء تغلق عيون جمالها أمامه، فلا يستلذ بهنيء الطعام، ولا بوثير الفراش، ويكون في عناء دائم.

ومن سنن الله الحاكمة التي جاء بها النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، أنه قال: «لا يحل لا مرئ من مال أخيه شيء إلا بطيب نفس منه»(1)، وهي تعبير عن حالة احترام الانسان لحقوق أخيه الانسان في ماله، وعدم التجاوز عليه بأي حال من الاحوال، لما في ذلك من عواقب وخيمة وآثار وضعية على الانسان في حياته الدنيا، فضلاً عن الحساب العسير الذي ينتظره في الآخرة.     

ولكن المشكلة تبدأ عندما تبتعد الامة عن مسارها الصحيح، وتصافح يد فرعون...! وتقبّل جبين قارون...! وتبتعد عن قيمها وتنسلخ منها، فتعتمد مبدأ «المادة» تحت عناوين فضفاضة يتسترون بها لتحقيق مصالحهم، من قبيل اقتصاد السوق وحرية التجارة وغيرها، مما آل الامر الى ما نحن عليه اليوم، متناسين آثار التمادي على سنن الله -عز وجل- خصوصا فيما يرتبط بحقوق  الناس المالية، فأكل مال الحرام، يتسبب في آثار وضعية عديدة، منها؛ منع استجابة الدعاء، وغلق أبواب السماء والرحمة الإلهية، فهو طريق مستعر، محفوف بالخطر، وسلم هار، ينهار بصاحبه إلى النار، كما له أثر خطير على الذرية والسلوك. ولعل هذا من أخطر الآثار في حياة الانسان، كونه عاملاً لصنع الاحداث غير السارة وخلق واقع مأساوي، يكون الحق والعدل والانصاف والانسانية وغيرها من الفضائل والقيم، ضحية المصالح والمطامع بلا حدود، لذا نسلط الضوء في هذا المقال على هذا الجانب، ونستعين بالنصوص الدينية التي تبين لنا حقيقة هذا الخطر الداهم:

1- إن  نطفة الحرام أرض صلبة لتعاسة الذرية، قال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}.(سورة عبس، الآية:24)

ان للغذاء الحرام تأثيراً بالغاً على مستقبل الطفل قبل انعقاد نطفته، فاذا انعقدت النطفة من الحرام سيكون ذلك بمثابة الارض الصلبة لتعاسة الطفل وشقائه،  والامام الصادق، عليه السلام، يقول: «كسب الحرام يبين في الذرية»(2)، ويبين في عدم استقامة سلوك الذرية، وقربهم من المعصية وبعدهم عن طاعة الله - تعالى-.

ان طريق المعصية والبعد عن السماء، يقرّب صاحبه الى أهل المعاصي من الحكام والطغاة، بل كل جهة تمثل الانحراف عن الدين والقيم، مما يصبغ كل أعمال ومواقف هذا الانسان بهذا الطريق والمنهج. وعلى العكس تماما اذا كان الطعام والشراب من مظانه المشروعة، كالكد والكدح في سبيل تحصيل لقمة العيش، فله الاثر البالغ في بركة الذرية وزيادة توفيقها.

2- المال الحرام يورث ظلمة القلب، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. (سورة المطففين، الآية:14)

فالقلب اذا امتلأ بالحرام، انغلق عن المعنويات، وأوصدت نوافذ الهداية فيه،  فالابتعاد عن الحق وهجران الانسان لبارئه واقترافه المعاصي والتعدي على حقوق الناس، مقدمة طبيعية تقود الى ظلمة القلب، إذْ إن من جملة الأسباب الرئيسة لعدم توطين النفس للحق وعدم اتباع الصراط السوي، أكل المال بالباطل، فالأموال التي يحصل عليها بطرق غير مشروعة وأسباب غير مرضية عند الله تعالى،  تطبع على القلب بظلمتها، قال سيد الشهداء، عليه السلام: «فقد ملئت بطونكم من الحرام وطبع على قلوبكم»(3) فهو، عليه السلام، عدل القرآن، والقرآن يقول: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، أي أن كسبهم للحرام أدى إلى ظلمة قلوبهم فهم لا يبصرون  الهدى،  ولا يهتدون الى الصواب ابدا، فضلاً عن اتباعه، فهم عنه ابعد.

3- التخبط في السلوك: يشبّه القرآن الكريم، آكلي المال المحرم عن طريق الربا بأنهم متخبطون، و «التخبط» في اللغة، هو الضرب الشديد. و خبَط البعيرُ بيده، يَخْبِطُ خبْطاً ضرب الأَرض بها(4)، قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}. (سورة البقرة، الآية:265)

تشبيه قرآني يلامس الواقع ويحاكيه،  فآكل الحرام يخلط بين الاوراق، و يشبه البيع بالربا في حين ان الله أحل البيع وحرم الربا، وهذه الازدواجية في المعايير و الخلط بين الحق والباطل يقود الى سلوك مماثل، فهو يعتقد أن أكل المال الحرام، نوع من الذكاء والفطنة المطلوبة في عالم اليوم، وأن التحايل في البيع والشراء والغش من عوامل تحصيل الربح، واحياناً ينفي البعض سلبية هذه الطريقة في التجارة والمعاملات، ولا يعدها تندرج ضمن أعمال التحايل والتجاوز على حقوق الآخرين.

 

العبرة ممن سبق

وقد أثبتت التجارب الانسانية والتاريخية عدم وجود شخص كسب من الحرام والاحتيال، وعاش حراً سعيداً ثم مات كريماً، ودليلنا على ذلك، السنن الالهية الحاكمة التي صدّرنا الكلام عنها، بمعنى أن من يعتمد على التحايل وسرقة أموال الناس، بمنزلة المتنكّر للسنن والقوانين الالهية في الحياة.

دخل بهلول يوما على المتوكل، فقال المتوكل له: كيف ترى قصري هذا ؟ قال: حسنٌ لولا عيبان...! قال: وما هما ؟ قال: إن انفقت فيه من المال الحلال فأنت مسرف، والله لا يحب المسرفين، وإِن أنفقت من المال الحرام فأنت خائن، والله لا يحب الخائنين.(5)

ولا يحتاج العاقل الى بهلول يعظه، بل يحتاج الى واعظ من نفسه، يكون عليه حافظاً من الله، فما انتفع السلاطين من كنوزهم، ومن خاطب السحاب يوماً قائلا: «أمطري حيث شئت فان خراجك يعود لي»، أصبح ذليلاً عند موته مرددا بحسرات: يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه!!

نعم انه هارون، الذي كان يتصفح الجواري لينتخب احداهن للحظة فجوره  وعصيانه، وليس ببعيد  عنا هارون عصرنا السابق  يتنعم في لذات الغرور على حساب الفقراء والمحرومين، وقد رأى الناس بأمّ اعينهم كيف انه كان يتبجح بالاسراف والتبذير على قصوره واحتفالاته في وقت كان الاطفال يموتون من جوع الحصار الاقتصادي الذي فرضه هو قبل ان يفرضه العالم على العراق.

 

شهر رمضان والنظافة من المال الحرام

من هنا؛ فمن أجل ان يكون للإنسان قلب طاهر، وروح شفافة تستبصر الأمور ولا تخطئ الطريق، عليه بالسعي الجاد  للتخلص من المال الحرام، مستعينا بالله، ومستثمراً شهر الطاعة والغفران، الذي جاء تطهيرا  للقلوب  وزكاة للابدان، مستذكرا فيه أناسا يسعون لأرزاقهم رغم صعوبة اعمالهم، وشدة المعاناة التي يقاسونها من حر وغيره، كل ذلك في سبيل لقمة العيش الحلال، وطلب الكفاف.

شهر دعينا فيه لنستذكر جوع الفقراء المحرومين في هذه الدنيا، كما دعينا لان نستحضر جوع وعطش القيامة ايضا.

ولابد ان نتذكر بأن لا يمنع الانسان مالاً في الحق، إلا وانفق مثليه في الباطل، فلماذا لا نعود الى رشدنا، ولا نطرق أبواب التوبة متضرعين لله -عز وجل- بنفحات شهر رمضان المبارك، عاقدين العزم على  ان نعيد الحقوق الى اهلها، وان نتبارى في ميادين الرزق الحلال،  متحفين ابناءنا بما يشتهون دون ان نسلبه من افواه المساكين والمحرومين.

---------------

1- الريشهري، ميزان الحكمة، 2/ 341- النسخة الالكترونية/ المكتبة الشاملة.

2- وسائل الشيعة 17/ 67، النسخة الكترونية.

3-بحار الانوار، 45/ 8.

4-لسان العرب /  7 / 280 النسخة الالكترونية.

5- جامع الاخبار / ص 8.


ارسل لصديق