اليأس وسلاح الطاقات الكامنة
كتبه: الشيخ إبراهيم الاشتري
حرر في: 2016/03/23
القراءات: 849

لماذا أصبحنا نرى الحياة من نافذة ضيقة جداً، حتى حجبنا أنفسنا من رؤية نور الشمس، وعن الإحساس بنسمات الهواء العليل التي تلامس وجوهنا، ولا نصغي لصوت الطبيعة و نفاذ صوت العصافير لآذاننا وسماعها تشدو وتغرد.

اليوم نرى اليأس والألم في كل شيء، حتى فقدنا إحساسنا بكل معنى جميل وكل قيمة عليا، ولم ندرك أن الله - عزّ وجلّ- خلقنا لنحظى بكل شيء - نعم كل شيء - من صحة وسعادة وثراء ووفرة، لا ان نكون بجوار الماء ونعيش الظمأ، وهو القائل في كتابه العزيز: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، (سورة البقرة: 185) وما اليأس الا قيد فرضناه على طاقاتنا ليحول بيننا وبين التقدم في الحياة.

اليأس إحباط يصيب الروح والعقل معا فيفقد الإنسان الأمل في إمكانية تغير الأحوال والأوضاع والأمور من حوله. قال تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ}، (سورة هود: 9).

ثم إن اليأس من رحمة الله - التي وسعت كل شيء - أمر محرم منهي عنه في الشرائع الإلهية. وربنا، عز وجل، ينهانا عن اليأس والقنوط بقوله: ﴿فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ، (سورة الزمر: 52)، واصفا اليائس منه تعالى، ومن رحمته سبحانه، بأنه كافر ضال: {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}، (سورة يوسف: 87).

نعم؛ اليأس عما في أيدي الناس، عزّ وكرامة، وقد وردت في ذلك روايات عن الأئمة المعصومين نورد منها قولهم: «نال الغنى من رزق اليأس عما في أيدي الناس و القناعة بما أوتي و الرضا بالقضاء»، وان الاخلاص يكمن في الغنى عما في أيدي الناس، كما يذكر في رواياتهم، عليهم السلام، «أول الإخلاص اليأس مما في أيدي الناس» و «الخلاص من أسر الطمع باكتساب اليأس» و»حسن اليأس أجمل من ذل الطلب».

هذه الروايات وغيرها كثير، ترمي الى تعميق ثقة الانسان بذاته واستثمار القوى الكامنة في داخله والتوكل على الله، بدلاً من تعميق اليأس والهزيمة النفسية من خلال إلقاء مسؤولية الفشل على شماعة الآخرين.

 

لنتجاوز عوامل اليأس

نذكر نبذة من أسباب اليأس، والذي يدعونا الى البحث فيها، لكي ننظر من نافذة موسعة حتى يتسنى لنا الإبتعاد عن المكتسبات التي تبعدنا عن طاعة الله تعالى:

1- التسرع في تحقيق المطلوب

«العجلة»، إي: التسرّع، خصلة مغروزة في ذات الانسان، وهي حقيقة نفسية يقرّها القرآن الكريم بصريح العبارة في الآية الكريمة: ﴿خلق الإنسان من عجل، (سورة الانبياء: 37)، وجاء أيضاً: {وكان الإنسان عجولا}، (سورة الاسراء: 11). ولنعلم؛ أن المتعجلين هم أقصر الناس نفسا، وأسرعهم يأسا وذلك عندما لا تجري الأمور على هواهم أو حسب ما يتمنون ويحبون ويشتهون، فنتيجتهم الطبيعية اليأس والقنوط والكسل والضجر، الذي يعيقهم عن تحريك ساكن في محيطهم.

2- فقدان التخطيط الحكومي وصناعة الفشل

مما لا شك فيه ان جل الشعوب الاسلامية وغيرها تعاني بشدة من إسقاطات السياسات الفاشلة والفساد المستشري في معظم الانظمة الحاكمة في بلادنا، وهو ما يعقد المشاكل العامة في المجتمع، ويضعه على فوهة بركان، وكلما اشتدت الازمات الاجتماعية، كلما كان الانعكاس اشد سوءاً على سلوك الافراد، مثال ذلك؛ الفشل في قطاع التعليم - مثلا- وعدم وضع خطة متكاملة لمصير الطالب بعد تخرجه من الجامعة، أدى الى عزوف عدد كبير من الطلبة عن استمرارهم في مواصلة الدراسة، وبالتالي عمّ روح اليأس والفشل بفعل المصير المجهول الذي يترقبهم.

القطاع الزراعي والصناعي مثالا آخر؛ الفلاح الذي يملأ قلبه، بالتوكل على الله - تعالى- ويراقب نمو ثمرته كل يوم، ونضارة بستانه، يصاب بالإحباط عندما لا يجد الدعم الكافي للنهوض بالواقع الزراعي، وتسويق زراعته للسوق المحلية أو الخارجية، فالنتيجة الطبيعية أنه يتوانى عن زرع أرضه فتصبح بوارا لا نفع فيها.

وهذا ما ينعكس مباشرة على سبل النجاح والتقدم في المجتمع.

3- القياس بموازين الأرض لا بموازين السماء:

قال رجل لأحد الحكماء: إن لي أعداءً فقال له: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، (سورة الطلاق: 3) قال الرجل : ولكنهم يكيدون لي، فقال له {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}، (سورة فاطر: 43)، قال الرجل: ولكنهم كثيرون، فقال له: {َكَمَ مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ}، (سورة البقرة: 249). فاذا اعتمدنا مقاييس الارض في مواجهة الصعاب سنهزم بفشل ذريع لا محالة.

وهنالك العديد من الاسباب التي تدعو الى اليأس، منها: ضَعف الوازع الدّيني، بحيث يعتقد الفرد أنّه إذا فشل في أمر من الأمور فإنها نهاية الحياة، أو الفشل في عمل، أو دراسة، أو زواج. ومنها ايضاً؛ عدم المقدرة على حل المشكلات والتأقلم مع جميع الظروف التي تحيط بالإنسان، و أيضا العُزلة والانطوائيّة، التي تدفع الشّخص لدائرة اليأس. يُضاف اليها؛ ضِيق الوضع المادي الذي يُعد من أحد الأسباب الهامة لاستفحال اليأس في نفس الانسان، كثرة المشاكِل الأسرية التي تُؤدي للتفكُك بين أفراد الأسرة، والتي يدفع بها إلى الشُعور باليأس.

وهذا يدعونا لأن نرد كل أمر يواجهنا في حياتنا إلى الله - عز وجل - وحده، فإننا لن نيأس مطلقاً بل ستبقى قلوبنا معلقة بالأمل بالله - سبحانه وتعالى - خالقنا وحده لا شريك له ومدبر الأمر كله.

 

الحل في استثارة القدرات الكامنة

أولا: تعزيز الثّقة بالله، قال الله جلّ وعَلا: {قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، (سورة الزمر: 53)، والقُنوط هُنا أشدْ مرحلة لليأس، فعلينا المحاولة في سبيل حل المشكلاتِ وتعزيز الثقة بالنفس، ولا بأس باستشارة منْ هُم أكثر خِبرة وتجرُبة لتجاوز مرحلة اليأس.

ثانيا : مضاعفة احتمالات الوصول الى أهدافنا للحد الأقصى، وذلك بوضع برنامج تنظيمي للحياة او قل: (خطة بحث للحياة) تشمل الاهداف الحالية والمستقبلية، ونحدد الوقت اللازم لتنفيذها والإجراءات التي يجب أن نراعيها لتحقيق ذلك، ويعتمد ذلك على قوة الشخصية وسيطرتها المباشرة على العادات المدمرة.

يقول الكاتب، «نورمان دي فورد» في كتابه (نشط جهازك المناعي):

«أن قوة جهازنا المناعي تخضع لسيطرتنا الشخصية المباشرة، حيث أن كل عادة من العادات المدمرة لجهاز مناعتنا والتي نمارسها كل يوم في حياتنا بشكل تلقائي - بدءاً من الكسل والخمول إلى زيادة الوزن وتناول الأطعمة الدهنية، وعدم الحصول على قسط وافر من النوم - تخضع لسيطرتنا الشخصية المباشرة».

فتعد خطة البحث المرسومة للحياة بمثابة اللافتة، التي ترشدنا للاتجاهات الصحيحة في المسار، وترتّب حياتنا وفق خُطّة مبنيّة على أهداف، من ثم لا تكون فُرصة لحدُوث مُشكلات وبالتالي تقودنا إلى اليأس .

ثالثا: البُعد عن الأصدقاء ذوي النّظرة اليائِسَة للحياة، وذلك بالتخلص من جميع أفكارهم التي تستدعي اليأس.

رابعا: الصبر على الفشل، فقد يفشل الواحد منا في أحد جوانب حياته ، فلا يجعل اليأس يُسيطِر عليه، بل يسيطر هو على الياس، كُنْ على يقين بأنّ ما تفعلُه من أعمال لها أهمية تعود عليك وعلى مُجتمعِك فلا داعي لليأس.

 

دروس من القرآن الكريم

ولنا في القرآن الكريم دروسٌ بليغة وعظيمة للوصول الى بارقة أمل، فلما جاءت إبراهيم، عليه السلام، البشرى بالولد في كبير سنه، أبدى تعجبه فقال: {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِي الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ}، (سورة الحجر: 54)، فقالت الملائكة: {بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنْ الْقَانِطِينَ}، (سورة الحجر: 55)، قال، عليه السلام: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ}، (سورة الحجر: 56).

إن الأمور وإن تعقدت، والخطوب وإن اشتدت، والعسر وإن زاد، فالفرج قريب: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}، (سورة يوسف: 110)، ولا يمكن لعسر أن يغلب يسرا ابدا لان الحق يقول: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}، (سورة الشرح: 5،6). ومادام الإنسان حيا يتحرك فلا ينبغي له أن ييأس، هكذا علمنا نبينا، صلى الله عليه وآله، قائلا: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها».

إن الإنسان معرضٌ في حياته لأنواع من الفشل، لذا عليه المضي في مسيرة التجارب والكفاح لتحقيق الاهداف المنشودة، وحريٌ به أن يوقظ في نفسه روح الأمل، فيراجع نفسه باحثًا عن أسباب الفشل ليتجنبها في المستقبل، ويرجو من ربه تحقيق المقصود، ويجعل شعاره : لا يأس مع الحياة.


ارسل لصديق