المال بين غريزية التملّك ونزعة الاستقواء
كتبه: الشيخ إبراهيم الاشتري
حرر في: 2016/05/03
القراءات: 548

قال الله - تعالى-: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}. (سورة ال عمران: 14)

يمثل المال إحدى المحفزات الغريزية في داخل أي انسان، لذا فهو ميّال دائماً الى تملّك المال او عنصر المادة بشكل عام.

ويختلف هذا المحفّز النفسي عن غيره، مثل الجنس والطعام والاولاد، في أنه يشكل أحد عناصر القوة في المحيط الاجتماعي وفي اوساط العمل الاقتصادي والسياسي وحتى الثقافي.

وبما أن هذه القوة النافذة عبارة عن «سلاح ذو حدين»، فلابد من تحديد معايير الاستخدام ثم الاستفادة، فهي قادرة أن تكون من اسباب الطغيان عندما تكون بيد حاكم ظالم او من لا يلتزم بالقيم والمبادئ، بالمقابل، هي تمثل أحد وسائل التقرّب الى الله - عزّ وجل -.

 

المال الممدوح

إن كون المال قوة بيد الانسان، فهذا أمر غير مذموم، لان المطلوب من الانسان ان يكون قوياً في الحياة، يقول الحديث الشريف: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ»، هذه القوة (المالية) تكون ممدوحة ومطلوبة عندما تأتي عبر الوسائل المشروعة التي بينتها الاحكام مفصلاً، وفق القاعدة الاقتصادية الحضارية التي وضعها لنا رسول الله، صلى الله عليه وآله: «لا ضرر ولا ضرار في الاسلام».

هذا المال الحلال امامه خيارات عديدة في الانفاق والاستثمار في مجالات الخير لنفس الانسان وللآخرين، فبهذا المال تكون مشاريع التزويج والاسهام في معالجة المرضى المحتاجين، وكفالة الايتام ورعاية الأرامل، وغيرها كثير من وجوه البر والإحسان. الى جانب ما يحتاجه الانسان لنفسه وعياله من مسكن وملبس ومستلزمات الحياة. وبدوره فان الاستقرار المعيشي يعزز حالة الردع في نفس الانسان امام منزلقات الذنوب، يقول النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله: «نعم العون على تقوى الله الغنى»، وعن أمير المؤمنين، عليه السلام، «قيل للعبد الصالح لقمان: أي الناس أفضل ؟ قال: المؤمن الغني».

هنا ندرك معنى «المال الممدوح»، بأنه ذلك المال الذي لا يوجب التعسف والتعالي على الآخرين، إنما يكون سبباً للسمو النفسي والصفاء الروحي، لان البعض ربما يكون معرضاً لمشاعر كهذه عندما ينغمس في الأعمال غير المشروعة ويكوِّن من خلالها ثروته، فيقول: جذلاً: «هذا دليل محبة الله لي...»! ولعل في قصة «قارون»، الذي كان من قوم نبي الله موسى، وما جرى عليه لأبلغ توضيح لهذه الحقيقة. وأمامنا الآيات الكريمة من سورة القصص: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}. فكان يفوق جميع قومه بما يملك ولكنه لم يكن بمستوى هذه النعمة والقوة التي هو فيها، {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ}.

 فكانت نهايته أن قال ربنا: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ}.

وإذن؛ فان المال وامتلاكه وحجم الارصدة والعقارات وغيرها، لن تزيد الانسان مرتبة عند الله - تعالى- ولا عند المجتمع، لأنها ليست القوة الحقيقية، إنما هي قوة رمزية، بينما القوة الحقيقية هي الايمان والعلم والخلق الرفيع، وهذا يفند الاعتقاد الشائع بأن الثراء وامتلاك الاموال مقياس للعلاقة الايجابية بين الانسان وربه، فهو - تعالى - يهب المال لمن يحب ولمن لا يحب، والحكمة من ذلك هو الابتلاء: {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَن * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}. وفي آية أخرى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.

 

الانسان يجهل قيمة نفسه

وهنا يرد سؤال مهم؛ لماذا يميل البشر - والحال كذلك - الى المال والى صاحب المال؟ ولماذا يميلون الى القوة والى صاحب القوة؟ والى الشهرة والى من ينتحلها، علماً أن هذا الميل الخطير يحقق استمرار الظلم والقهر والطغيان، وقد علموا من كتاب ربهم بأن المال والقوة ابتلاء من عنده سبحانه؟.(1)

السر في ذلك يعود الى أمرين:

الامر الأول : عدم معرفة الانسان قدر نفسه.

الأمر الثاني : عدم معرفة الانسان بحقيقة «أنعم الله». 

فمن لا يعرف قدر نفسه، يسعى للوصول الى اهدافه بكل الطرق حتى وإن كانت دنيئة ومذلة للنفس، عن الامام الصادق، عليه السلام، «ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تذله». وعن الامام الباقر، عليه السلام: «بئس العبد عبد له طمع يقوده، وبئس العبد عبد له رغبة تذلّه». لذا نجده لا يكرم نفسه، ولا يهتدي لما يحيط بها من نعم، و تبقى نفسه غير مكرمة لديه، فلا تهون الشهوات عليه، لأن: «من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته»، وهو ليس كذاك، بل يعيش حالة من كفران النعم ونسيان احسان ربه عليه، فلا يستذكر عظيم إحسان الله اليه، وفي الحديث القدسي الشريف: «يا داود، ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حبِّ مَن أحسن إليها وبغض من أساء إليها»، إنما يذكر الله عند الشدائد، واذا ما أنعم الله عليه فسرعان ما يُعرض: {إِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. وفي آية أخرى : {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً}. (سورة الإسراء: 83)

فمن هذا وذاك يتبين لنا أن المال والقوة والميل لها، سلاح ذو حدين ، فالمال ليس من أجل متعة ولذة محضة، ولا رفاهية على حساب الآخرين، ولا زهواً وبذخا، فهذه جميعها لا تعدو أن تكون أمراضاً نفسية، وعقداً متراكمة.

إن المال والقوة المحمودين، ما قربا العبد من الله - تعالى- وما نفسا كربة مكروب،

وما ساهما في اصلاح ذات بين، فقد يكون هناك مظلوم يصرخ بظلامته، وظالم يصفق له الجاهلون، فتنبري بما أوتيت من قوة، ناصراً للمظلوم صارخاً بوجه الظالم ، فهذا بلا أدنى ريب مما يقرب من الله.

فلا مانع إذن؛ من كسب المال والقوة والتملك، كون ذلك من الغرائز في نفس الانسان، ولكن بشرط أن تكون وفق المعايير والموازين التي تحقق الكسب الحلال، كما تكون القوة بالطرق المشروعة التي لا تنتهي الى الطغيان، بحيث تكون وسيلة لحل مشاكل وازمات المجتمع والامة.

------------

(1) مقتبس من درس بحث القرآن الكريم ، للمرجع المدرسي ، تفسير سورة الشورى.


ارسل لصديق