حق الحضانة بين الشرع والقانون
كتبه: المحامي : حيدر عبد الرضا الظالمي
حرر في: 2013/06/06
القراءات: 29156

تُعد الحضانة وما يتعلق بها من أمور، من المسائل المهمة التي تواجه الأسرة، بعد وفاة أحد الأبوين، أو بعد انفصالهما بالطلاق ..

وهذه المسألة تثور حتى مع وجود العلاقات الزوجية. وبسبب نشوب الخلافات بين الزوجين تظهر المطالبات من جانب الأب، ومن جانب الأم حول أحقية حضانة الطفل.

فيبذل كلا الطرفين ما بوسعهما من أجل أخذ الحضانة مدفوعين بعدة عوامل، ربما تكون واقعية وصحيحة، تتمثل بعدم أهلية أحدهما لحضانة الطفل، وربما تكون غير واقعية بل مجرد اتهام نابع من التشفّي والحقد تجاه الطرف الآخر، بسبب ترسبات المشاكل والخلافات في فترة الانفصال لكي يستخدمها كورقة ضغط تجاه الطرف المقابل.

«الحضانة»؛ من الناحية اللغوية، مأخوذة من «الحضن»، وهو الجنب أو الصدر، ويقال: «حضن الطائر بيضه اذا ضمه الى نفسه تحت جناحيه»..

اما من الناحية الاصطلاحية فهو تربية الطفل ورعايته والاعتناء به، وبشؤونه الخاصة، وكل ما يتعلق به من توفير الغذاء والكساء والأجواء الصحية المطلوبة، ما عدا الرضاع، فهو حقٌ مستقل.

 

الشريعة تبين كل شيء

وقد بينت الشريعة الاسلامية والاحكام الشرعية، التوجيهات الخاصة بشأن الحضانة على نحو واضح، وقدمت الحلول الواقعية، معتمدة مصلحة المحضون في ذلك وهو الطفل.

فقد ركزت الشريعة الاسلامية وهذا هو ديدنها تجاه الاسرة كونها نواة المجتمع، حيث ركزت على الطرف صاحب الحق، فبينت أن الحضانة حق مشترك بين الأم والأب.

لكن الام تختص بالحضانة في فترة الرضاعة وهي (الحولان)، وهوحقٌ لها، سواء كان المولود ذكراً أم أنثى، وسواء كانت هي المرضعة له، أم أرضعته مرضعة أخرى، أو كانت رضاعته اصطناعية، بمعنى استغناء الطفل عن حليب أمه، لكن هذا لا يعني ولا يوجب استغناءه عنها في الحفظ والرعاية والتربية، وأهم شيء؛ اشباعه بمشاعر الحنان والحب التي تسكبها الأم، وهي الغريزة التي أودعها الله تعالى في نفس الأم.

وعلى ذلك، لا يحق للأب ان يحرم الأم من ولدها في هذه المدة، أو يحرم الطفل من أمه، لأن ذلك حقها وحق الطفل، فقد جاء في الحديث الشريف عن الامام الصادق عليه السلام، «فهي أحق بابنها حتى تفطمه»، فلا تحرم منه حتى ولو فسخ النكاح أو الطلاق.

وكما يقول الفقهاء فان (الحولين)، هما القدر المتيقن في ثبوت حق الحضانة للأم والولد، وهي مدة الرضاع، فاذا انقضت مدة الرضاع وكان المولود ذكراً فالأب أحق به، و إن كان أنثى فالأم أحق بها، حتى سبع سنين، ثم تعيدها بعد ذلك الى الأب، وكما جاء في الحديث الشريف عن الامام الصادق عليه السلام، «المرأة أحقّ بالولد الى أن يبلغ سبع سنين، إلا أن تشاء المرأة».

وهذا هو الأصل العام، فاذا كان هناك مانع من الأخذ بهذا الحق، كالحرج والضرر على الطفل والأم، كان لها ان تتنازل عن حقها.

وهناك شروط لابد من توافرها في الحاضنة وهي:

1- العقل؛ فلابد من أن تتمتع الحاضنة بكامل قواها العقلية، وأن لا تكون مصابة بأمراض نفسية أو عقلية، لأن «فاقد الشيء لا يعطيه».

2- الاسلام؛ فلابد أن تدين الحاضنة بدين الاسلام الحنيف، والحضانة تُعد نوعاً من أنواع الولاية، والقاعدة تقول: «لا ولاية لكافر على مسلم».

3- السلامة من الامراض المعدية كالجذام والبرص والايدز وغيرها.

4- فراغ الأم من الزوجية .. فاذا تزوجت الأم بعد طلاقها من أب الولد، يسقط حقها في حضانة مولوده، كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، «الأم أحقّ بحضانة ابنها ما لم تتزوج».

والحضانة كما هو معروف، تتطلب جهداً مضاعفاً وبذلاً للمال، فان كان للمولود مال، صرف من ماله، وإن لم يكن له مال، تكون أجرة الحاضنة من مال أبيه. كما يجوز ان يُستناب في الحضانة، أي لا يشترط مباشرة الأب أو الأم لها، لأن الغرض الأساس من الحضانة، هو الرعاية والمتابعة، وهذا لا يمنع من رعايته من غير أبويه.

أما في حال موت أحد الوالدين، أو كان احدهما متوفى والآخر فاقداً للشروط، ايضاً عالجتها الشريعة المقدسة، وبينت أنه اذا مات الأب، انحصرت الحضانة بالأم، وهي أحقّ به، سواء انتقلت الحضانة منها قبل موت الأب أو لم تنتقل. واذا مات الأبوان أو مات أحدهما وكان الآخر فاقداً للشروط، فتكون الحضانة لأب الأب.

واذا امتنعت الأم عن حضانة الولد، انحصرت الحضانة بالأب، ولو امتنعا معاً، هنا يقوم الحاكم الشرعي بإجبار الأب على الحضانة، اذا كان موجوداً ومتوفراً فيه الشروط، أما اذا لم يكن أجبرت الأم.

 

حق الحضانة في ضوء القانون

أما بالنسبة للأحكام والضوابط التي عالجت الحضانة من الناحية القانونية فان قانون الاحوال الشخصية  العراقي، بصفته القانون الذي نظم أحكام الأسرة، لم يأت متطابقاً مع أحكام الفقه الاسلامي، وإن كانت بعض أحكامه مأخوذة من الفقه الحنفي، لكن المعالجة القانونية لموضوع الحضانة، لم تأت اسلامية، ولم تُراعَ فيها الاختلافات بين المذاهب الاسلامية.

فعندما نأتي الى المادة (57) من قانون الاحوال الشخصية العراقي، حيث بينت الفقرة الاولى بأن الأم أحقّ بحضانة الولد في حال قيام الزوجية، وبعد الفرقة، واشترطت شرطاً على ذلك، هو عدم الضرر بالمحضون.

فلو لاحظنا هذه الفقرة، لوجدنا الاختلاف بين الحكم الاسلامي الذي أشرنا اليه، بأن الحضانة تُسلب من الأم عند طلاقها من أب المحضون وزواجها من رجل آخر.

وتأتي الفقرة الثانية من نفس المادة، لتؤكد ذلك بصراحة، حيث بينت أنه لا تسقط حضانة الأم المطلقة بزواجها من رجل آخر، وتعطي المحكمة في هذه الحالة أحقية الأم أو الأب في ضوء مصلحة المحضون. كما بينت الفقرة نفسها شروط الحاضنة بانها يجب ان تكون «بالغة – عاقلة- أمينة – قادرة على تربية المحضون».

ولكن في الحقيقة؛ هل هذه الشروط كافية..؟ فلو قارنّاها مع الشروط في الشريعة الاسلامية لوجدناها قاصرة عن الاتيان بحاضنة كفوءة جيدة لا يتضرر منها المحضون ولا تؤثر عليه سلباً. كما لا نجد في هذا القانون شرطاً للإسلام وللسلامة من الامراض المعدية، وهذا نقصٌ، على المشرع تداركه رعايةً للطفل المحضون.

أما الفقرة الثالثة فقد بينت عدم أحقية الأم بالمطالبة بأجرة الحضانة ما دامت الزوجية قائمة، او كانت الزوجة معتدة من طلاق رجعي. وفي الحقيقة؛ تثير هذه الفقرة تساؤلاً عن العبرة والفائدة من هذا النصّ..؟ فهل كون المرأة لديها ما تنفق به على نفسها، فلا تستحق نفقة الحضانة كما يقول ذلك شرّاح قانون الاحوال الشخصية..؟ فهل يُعد هذا سبباً معقولاً حيث ان نفقة الزوجة تختلف عن أجرة حضانتها للطفل، فكيف يتم الخلط في ذلك..؟!

ولو جئنا الى الفقرة الرابعة، لوجدنا الاختلاف الكبير في الحكم بين الشريعة الاسلامية وبين ما جاءت به هذه الفقرة حيث بينت أن للأب النظر في شؤون المحضون وتربيته حتى يتم العاشرة من العمر، وللمحكمة ان تأذن بتمديد حضانة الصغير حتى إكمال الخامسة عشرة اذا يثبت لها بعد الرجوع الى اللجان المختصة، على أن لا يبيت إلا عند حاضنته.

وبالحقيقة؛ لم أجد تبريراً معقولاً لهذه المادة.. ولماذا جاءت بهذه الصياغة الركيكة؟ وايضاً؛ ما هي طبيعة هذه اللجان؟ فهل هي طبية؟ أم مكاتب البحث الاجتماعي؟ أم غير ذلك.

وجاءت الفقرة الخامسة من نفس المادة بقولها: «اذا أتمّ المحضون الخامسة عشرة، يكون له الحق في الإقامة مع من يشاء من أبويه، أو أحد أقاربه لحين إكمال الثامنة عشرة من عمره اذا أثبتت المحكمة الرشد في هذا الاختيار.

لو لاحظنا هذه المادة، نجد ان هناك تناقضاً واختلافاً كبيرين بينها وبين الحكم الاسلامي، كذلك عدم وجود تناسق في نصوص هذه الفقرة وعدم وضوح في عباراتها، فمن هم أحد اقارب المحضون؟ والى أي درجة من القرابة؟ كما أن الفقرة ساوت بين جنسية الطفل، سواء كان ذكراً أم أنثى.

أما الفقرة السادسة من المادة (57) ايضاً تحدثت عن قضية استرداد الحضانة، حيث يوجد دعوييان في القانون، واحدة دعوى «ضم حضانة»، يقيمها أحد الأبوين الذي يكون الطفل تحت رعايته، وتسمى ايضاً، «دعوى تأييد حضانة»، والدعوة الاخرى؛ والتي بينتها الفقرة أعلاه فهي «استرداد حضانة»، وهي الدعوى الاخرى والتي يقيمها أحد الأبوين الذي يطالب بالحضانة من طفله عندما يكون ليس عنده، أو ليس تحت رعايته، وأن يطالب باسترداد حضانته كونه أحق به من الآخر.

وقد بينت الفقرة بأن اذا ثبت وجود ضرر لحق بالمحضون خلال مدة وجوده عند أحد أبويه، جاز للآخر أن يأخذ الحضانة. وقد تحدثت الفقرة السابعة والثامنة والتاسعة حول مسألة فقدان أحد الأبوين شروط الحضانة، او حالة موت أحدهما وقد جاءت هذه الفقرات في بعض جوانبها متطابقة مع الشريعة الاسلامية والبعض الآخر مخالف تماماً، حيث نجد أن الفقرة السابعة قد بينت حالة فقدان أم الصغير أحد شروط الحضانة أو عند وفاتها، فهنا تنتقل الحضانة الى  الأب إلا اذا اقتضت مصلحة الصغير خلاف ذلك. وفي هذه الحالة، تختار المحكمة شخصاً معيناً مراعاة لمصلحة الصغير، وهنا جاء النصّ مطلقاً، ولم يوضح من يكون ذلك الشخص؟ فهل هو من أقارب الصغير؟ أم شخص آخر، ولماذا لم تختر المحكمة أب الأب الذي هو بمنزلة الأب أو حتى أب الأم؟ ثم تأتي الفقرة الثامنة لتزيد الأمر سوءاً حيث انها تقول: «في حالة عدم وجود من هو أهل للحضانة من الأبوين، هنا تودع المحكمة المحضون بيد حاضنة أو حاضن أمين، او لدى دور الحضانة..»، وهنا أغفلت ايضاً دور أب الأب، أو أب الأم وايضاً اقارب المحضون الى  الدرجة الرابعة.

أما الفقرة التاسعة، والتي تناولت فقدان أبي الصغير أحد شروط الحضانة فيبقى الصغير لدى الأم ما دامت محتفظة بشروط الحضانة دون أن ينازعها أحد من أقاربه من الرجال والنساء، لحين بلوغه سن الرشد، وكذلك في حالة موت أبي الصغير فيبقى الصغير لدى أمه وإن تزوجت بأجنبي من غير العراقيين بشروط وضعها وهي:

1- ان تكون الأم محتفظة بسائر شروط الحضانة.

2- ان تقتنع المحكمة بعد تضرر الصغير من بقائه مع أمه.

3- ان يتعهد زوج الأم حال عقد الزواج برعاية الصغير وعدم الإضرار به. وهذا ما يخالف صراحةً، حكم الشريعة الاسلامية التي كما بينّا آنفاً، بأنها تسلب الحضانة من الأم التي تتزوج من رجل آخر بعد طلاق الأب. بعد هذه المراجعة للفقرات التسع التي تضمنتها المادة (57) من قانون الاحوال الشخصية العراقي، نجد أن معالجة قضية الحضانة، لم تكن بالمستوى المطلوب، كما أن النصوص جاءت غامضة ومبهمة، وغير واضحة، مما يعقد النزاع، ولم تقدم الحكم الصائب والدقيق لحل المشكلة، كما يتضح الاختلاف الواضح بين الحكم الاسلامي وفقرات هذه المادة وعدم شمولها لكل تفاصيل الحضانة مما يجعل المشرع أمام مسؤولية كبيرة لتعديل قانون الاحوال الشخصية عموماً، بما يتلاءم مع أحكام المذاهب الاسلامية، وكما أكد على ذلك الدستور العراقي في المادة (41)، وتعديل المواد القانونية المتعلقة بالحضانة بشكل خاص، لكي يتلاءم مع الشرع المقدس، وتكون ذات صياغة واضحة ودقيقة.


ارسل لصديق