المرأة والحجاب ومعركة التحديات الثقافية
كتبه: الشيخ إبراهيم الاشتري
حرر في: 2016/01/06
القراءات: 670

أولى الشرع الحنيف اهتماما بالغاً بالمرأة، وما ذلك الاهتمام الا تكريما منه لمقامها ودورها الفاعل في المجتمع، فهي الريحانة كما وصفها أمير المؤمنين، عليه السلام، حينما قال في رسالة لأبنه الحسن، عليه السلام: "لا تملك المرأة من...... فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة" داعيا الى ضرورة الرفق بها، وعدم زجها بما لا تطيق، ولا يناسب كيانها وقدراتها. والرفق بالمرأة من اهم ما أكدت عليه الشريعة الاسلامية، وجاء ذلك على لسان النبي الكريم، صلى الله عليه واله، حين عبّر عنهن بالقوارير، فقال لأنجشة " من صحابة النبي، وهو أنجشة الأوسد الحادي- لمّا حدا بأزواجه في حجّة الوداع فأسرعت الإبل: "رفقا بالقوارير"، والمرأة كما الرجل على حد سواء خصهم الله بكرامته، كما في قوله تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}، سورة الإسراء:70، فالريحانة المكرمة عند خالقها، ماهي الا جوهرة ثمينة، عليها أن تحافظ على عفتها وجمال حجابها ممن يريد أن يغير من جمالية ما خلق الله تعالى للأسرة السعيدة، عبر خداعها بالتخلي عن الحجاب الشرعي.

إن الانتهازيين ودعاة التحلل الخلقي، يسعون دائماً لدفع المرأة والفتاة الى التبرّج والمكابرة أمام الرجال في الشوارع والأسواق وغيرها من الأماكن التي لا ترضي الله تباركه وتعالى، من خلال إثارة مشاعر القوة والاعتزاز بالنفس لدى البعض منهن، وهناك وسائل عديدة لتحقيق هذا الهدف المشبوه، منها وسائل التواصل الاجتماعي، والقنوات الفضائية، التي تبث الفوضى على نطاق العلاقات الاجتماعية والأسرية، لتخرج المرأة من مكانتها المرموقة والسامية والطاهرة، الى حيث الانغماس في الرذائل الشهوات، بل راح البعض من اصحاب المقاصد الفاسدة، لأن يستخدموا تقنيات الرسوم المتحركة في تسميم عقول وأذهان الاطفال، من خلال قصص، أفلام الكارتون، المتضمنة لحكايات تشجع على الاختلاط بين الجنسين وإثارة الغرائز الجنسية بشكل مبكر عند الاطفال. إن تسهيل وصول الفتيان والشباب من الجنسين الى وسائل التواصل الاجتماعي، مثل الفيس بوك، وما شابه، من الهواتف النقالة وغيرها، الهدف من ذلك هدر الوقت الثمين على سفاسف الامور، والتشجيع على المحادثات المحرمة بين الجنسين من دون مسوغ شرعي، التي لا طائل منها سوى الانسلاخ عن القيم والمبادئ التي رسمها الشارع المقدس.

 

  مَواطن الخلل والتسرّب

بعض العوامل التي لها التأثر بهذه الموجات الانحرافية، إن دلت على شيء فإنما تدل على:

1- هشاشة الثقافة، والتي تؤدي الى احترام الاجنبي من الثقافة الزائفة والفكرة المستوردة، والانقياد وراء الشعارات البراقة، التي تدعو الى تحرر المرأة عبر الميوعة والانحلال الخلقي، دون أي ادراك بخطورة المؤامرة.

2- الابتعاد عن منابر الوعظ والارشاد، المتمثلة بمجالس العلماء، التي تحي القلوب على الدوام، وبمناسبات متعددة ومختلفة، واستبدالها بمنابر الافساد والرذيلة، فالنتيجة الطبيعية لذلك، الابتعاد عن روح القيم.

3- اهمال الوالدين، فقد يهمل الابوان ابنائهما، لدرجة إهمالهم وعدم متابعتهم في جميع ميادين الحياة، منها الثقافية والعقائدية والأخلاقية وغيرها، حتى لا يكلفون أننفسهم برسم الطريق السليم لهم للوصول إلى بر الأمان.

4- ابواق الشياطين، يحاول البعض أن يحرف الكلم عن مواضعه، ويخلط بين الاوراق حتى في مثل واضحات الدين الحنيف، التي تدعو الانسان الى الوعي وتحمل المسؤولية وعدم الانجراف وراء المؤامرات، والتسلح بثقافة القران، فأخذوا يتلاعبون بمفردات القران الكريم وصرفها عن معانيها الحقيقية الموضوعة لها، حتى قاموا بإظهار شعارات فلسفية فارغة، مثلاً، "ابداء زينة المرأة"، " اظهار معالم انوثتها"، "مفاتن الجمال في جسدها"، على انها تنطلق من شعارات الحرية والتقدم، وبالتالي فأنها تبعد المرأة عن كثير من العقد النفسية التي تفرض عليها، بفعل ارتدائها للحجاب، باعتبار ان في الحجاب كبت لها، كما يدعون أصحاب أبواق الشيطان، في قولهم، طُبِعتْ المرأة على حب الزينة والجمال، مستشهدين بقوله تعالى:

{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ}، سورة الأعراف:32. واذا كانت تلك الجهات قد استغلت الكثير من النساء في عالمنا الاسلامي، الا ان المرأة التي جُبلت على طاعة الباري عز وجل، لم تنخدع بهذه الترهات على الاطلاق، وراحت تتخذ من كتاب الله تعالى، وسنة نبيه، صلى الله عليه وآله، وأهل بيته الطاهرين، عليهم السلام، نوراً تهتدي به في ظلام الفتن، سيما وانها تنتمي الى مدرسة العفة والولاء، فالتي تجعل من سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء، صلوات الله عليها، قدوة لها ولا تعصف بها رياح الفتن مهما كانت عالية، وهذا كتاب الله تعالى يقول:

{وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ}، سورة النور:31.

هذا وقد حدد الشارع المقدس حدودا لما تبديه المرأة من زينتها عدى ما ذكر في الآية المباركة:

1- قرص الوجه فقط.

2- الكفين، من الزندين الى الاصابع.

وزيد على ذلك في حال أدائها الصلاة بإمكانها ان تظهر قدميها فقط، فيما إدا لم يكن إظهارهما يسبب الفتنه، وفي غير حال الصلاة يجب عليها أن تسترها من غير المحارم، ويشكل هذا الحجاب المنيع والحصن الرفيع درعا للمرأة يقيها من شرور المتربصين بها، الداعين لطمس هويتها الاسلامية.

 

  المساعدة على مواجهة ضغوط الحياة

فبمقدار ما تعود المرأة الى تعاليم دينها، تنمو فيها الروح الصالحة، وتواجه ضغوط الحياة، ونشير هنا الى ابرز السبل التي من شأنها أن تُعَبِد طريق الالتزام بالحجاب منها:

1- معرفة المرأة قدر نفسها ومقامها في الإسلام، فإنّ أعظم مظاهر العفاف في المرأة المسلمة هو الحجاب؛ فهو ينطوي على كل مفردات الطهارة والحياء، ويشمل كل معاني الفضيلة والنقاء، وهل العفاف إلاّ الحجاب! وانها ما خلقت لتكون طعمة لهذا ولذاك بل هي محل كرامة الله.

2- التسلح بالثقافة الاسلامية الرصينة، التي لا يطالها التحريف والتزييف، وذلك عبر الانتهال من معين العلماء ومن منابر النور التي تعقد للتداول بمختلف شؤون المرأة.

3- الحذر من الاستدراج الماكر، من اتباع الافكار المستوردة، وأمام موجةٍ من الموضة والأزياء وغيرها، الدخيلة على الاسلام، فقد ورد عن النبي الاكرم، صلى الله عليه واله: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذّة بالقذّة حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه".

فاذا أصغت الفتاة الى ما تمليه الموضة من ألبسة دخيلة على الدين والأعراف، فهذا يعني تشبهها بالأجنبيات، عن المجتمع الاسلامي، سلوكا وأخلاقا، وما ذلك الا على حساب حيائها وعفتها. يقول احد المتربصين بالإسلام: لن يستقيم حال الشرق ما لم يرفع الحجاب عن وجه المرأة، ويغطى به القرآن(1).  وهذه الدعوات التي يرددها الانتهازيون وأصحاب المطامع، سوف لن تجد لها صدى في نساء المؤمنين، وان شكلت نوعًا من الانهزام النفسي عند ضعيفات الإيمان، لا سيما إذا وافق ذلك ضعفا في النفس بسبب تراكم حجب الغفلة من المعاصي والموبقات.

ولذا فإنّ حرص الفتاة على عفاف نفسها وحجابها يتطلب منها ثباتًا أمام الفتن، واستلهاما من سيرة الزهراء، عليها السلام، التي ترتدي حجابا امام رجل أعمى قيل لها: لماذا وهو لا يراك ؟ قالت : ولكني أراه، فمزيد من الطاعة والعبادة والتقوى، ترفع المرأة الى أن تكون على مستوى عال من الوعي والادراك، بما يحاك عليها من الشيطان واذنابه الحاقدين ممن تشبعوا بالثقافات الهابطة التي تدعو إلى الانحلال والرذيلة، صابغة دعوتها بصبغ الحرية الشخصية، والمساواة ونحو ذلك من المسميات.

------------

1- غلادستون/همسات في أذن فتاة/ص22


ارسل لصديق