شهر الصوم يحفزنا لتحمّل المسؤولية الجماعية
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2017/06/04
القراءات: 85

تسعى البلدان المتقدمة في العالم الأخرى النامية، الى زرع محفزات للمسؤولية الجماعية في أوساط المجتمع، فالتقدم الاقتصادي واحترام النظام والقانون وتحقيق النسب العالية من الرفاهية، إنما مرهون بوجود النسبة العالية من الشعور بالمسؤولية عند كل مواطن إزاء العالم الخارجي، كما يكون مسؤولاً عن عالمه الداخلي، وكيف يجب ان يكون، وهذا يتجلّى في مظاهر عديدة مثل تضافر الجهود لمواجهة الكوارث الطبيعية والتحديات الأمنية والسياسية داخلياً وخارجياً، واحترام القانون في كل شيء، من نظافة الطرقات الى الالتزام بقانون الضرائب وغيرها.

بيد أنه احياناً يتخذ هذا المفهوم «المسؤولية» طابعاً مادياً بحتاً، فيفقد مصداقيته، ومثالنا في ذلك، ما حدثني به احد الأصدقاء المقيمين في مملكة السويد، وكيف أن الممرضة في المستشفى عاملته بلطف وعناية خاصة، بيد ان الصدمة استوقفته عندما تغير كل شيء لمجرد انتهاء وقت الدوام الرسمي.

لذا عكف علماؤنا على تحديد مفهوم القيمة الدافعة لتحمل المسؤولية، وقال البعض أن القيمة تتحدد من الاهداف التي يحملها الانسان ويؤمن بها، ومن صحة العمل الذي يقوم به، فيضفي على عمله ومواقفه وتفكيره هالة من القيمة والأهمية.

ولكن؛ كيف نتمكن من تحديد الاهداف الصحيحة ونتجنب الخاطئة منها؟

ما دامت المسؤولية ذات طابع معنوي، فلابد من اللجوء الى المنشأ ومصدر القيم وهو الله - تعالى- فعندما يكون ثمة حيّز لله - تعالى- في المنظومة الفكرية للانسان، فان بإمكانه تحديد الأهداف النبيلة أولاً؛ ثم بلورة القيم الإنسانية والأخلاقية التي تأخذ بدفة مسيرته نحو تكوين مجتمع سليم بكل المعايير.

وقد جرّب البعض أواسط القرن الماضي، تجريد الانسان من هذه الخلفية المعنوية، وتركه وحيداً مع سلوكه ومن ثم مصيره، وهو ما أعلنه المفكر الفرنسي، جان بول سارتر، من خلال نظريته «الوجودية» القائمة على أصالة الوجود، وان الانسان المسؤول الوحيد عن تصرفاته وسلوكه في الحياة، ولا تأثير للخالق ولا المحيط الاجتماعي على ثقافته وفكره، فهو من يصنع شخصيته ويحدد المعايير لتصرفاته، نعم؛ الشيء الوحيد الذي يجمع هؤلاء الناس هو القانون وحسب، لذا نجد سارتر يدعو الى إبعاد الله - تعالى- عن بناء القيم والمفاهيم، لان «جذر المسألة يتعلق بحرية الانسان، فاذا كان الله موجوداً فلا معنى للحرية، واذا انتفت الحرية، ينتفي الاختيار، ومن ثم تفقد المسؤولية معناها»!

واذا أتينا الى فريضة الصوم في شهر رمضان المبارك، ورغم ظاهرها البسيط وأحكامها الواضحة من إمساك عن الطعام والشراب والمفطرات الأخرى، بيد انها ذات أبعاد إنسانية عميقة، وتمثل احد العوامل المساعدة على تكوين القيم الإيجابية، ومنها؛ المسؤولية إزاء النفس والآخرين لتحقيق أهداف سامية، وإلا ما العلاقة بين إفطار الصائمين في هذا الشهر الفضيل وبين تقوى الله؟

في خطبته لاستقبال شهر رمضان المبارك، يحثّ النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، المسلمين بأن يسهموا في أمر إفطار الصائمين، لما لذلك من الأجر الكبير يوم القيامة، فقام أحدهم وسأل عما اذا تعذر عليهم فعل ذلك، فجاء الجواب من النبي بأن «اتقوا الله ولو بشق تمرة، اتقوا الله ولو بشربة ماء»، وهذا يعني مما يعنيه، أن إفطار الصائمين، بتمرة واحدة، أو ربما بتقديم المساعدات العينية والمادية للعوائل الفقيرة، كما تحرص على ذلك مؤسساتنا الخيرية في عديد البلاد الاسلامية، له علاقة عضوية بالقيم السامية، وليست من بنات أفكار الانسان، إنما هنالك تنظيم مسبق لحبك نسيج العلاقات الاجتماعية وتوجيهها نحو المزيد من البناء والتقدم، ويكون شهر رمضان، بمنزلة الاجواء الرائعة لتنمية علاقات كهذه.

وهذا ينسحب على مجمل المنظومة الثقافية لدى افراد المجتمع التي تتلقى دفء هذه القيم عندما نشهد عملية تقويم مستمرة للسلوك والعادات من خلال مفهوم المسؤولية التي يتحملها الجميع دون استثناء، وهو ما نجد تأكيده واضحاً في القرآن الكريم تحت عنوان «التواصي».

فاذا نهينا عن خلق ما او تصرف معين، فهذا يعني أننا ننطلق من صميم قيم سامية وأهداف كبيرة وحضارية، وليست المسألة تعود الى رغبة شخصية او مصلحة معينة، والنتيجة تكون لدينا امكانية من افراد المجتمع على استيعاب وتقبل التقويم والتصحيح لتحقيق اهداف تهم الجميع.


ارسل لصديق