ماذا نجني من القسوة على الآخرين؟
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2018/05/03
القراءات: 142

بين القوة والقسوة خيط رفيع، وهوّة سحيقة مؤداها الكوارث والجرائم والمآسي، فالقوة مطلوبة من حيث وسيلة لتحقيق الغايات النبيلة، وقد دعت اليها النصوص الدينية الشريفة، وأكدت عليها وأن «المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف»، والآية الكريمة: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ...}، (سورة الأنفال: 60) والنتيجة تكون الدفاع عن الحق والفضيلة وبناء الحياة الكريمة للانسان، بينما القسوة وما يستتبعه من التوسّل بالعنف والعدوانية، فانها لن تنتج سوى الكراهية والصراع المستديم.

وبالرغم من تأكيد علماء النفس على كون القسوة حالة مرضية قابلة للنمو، نجد البعض يعدها أحد عوامل النجاح في الحياة عندما يربطه بالقوة؛ سواءً في الحياة الأسرية، والتعامل مع الزوجة والاولاد، أو في التعامل مع الآخرين؛ في الشارع أو في السوق أو في الدوائر الحكومية، وحتى في دوائر الامن والقوات المسلحة، التي يأبى أهلها تفهّم مفردة اللين والحلم واللاعنف في مجمل أعمالهم.

بالمقابل؛ يعد الكثير في المجتمع صفة اللين والحلم مدعاة للضعف وثغرة تؤدي الى الخسران وإلحاق الضرر المادي والمعنوي، ولعل من أبرز مظاهر القسوة والعنف في حياتنا ما نجده في التعامل مع الاطفال، سواءً في البيوت أو في المدارس، حيث يتعرض للطفل الصغير الى تعامل فظّ وقاسٍ، لفظاً وضرباً، ثم نسمع التبرير بأنه «من ضروريات التربية...»!!

وما تزال وسائل الاعلام ومنظمات رعاية الطفولة في بلدان عدة، تسجل حوادث مريعة لضرب الاطفال بشكل وحشي، ربما يشبه تعذيب المعارضين السياسيين الذين يهددون عرش الطغاة، واحياناً يؤدي الضرب المبرح الى الموت.

والقسوة، ربما لا تظهر دائماً في حالات الغضب وردود الفعل العنيفة، كونها حالة نفسية متشكلة من منظومة أخلاقية خاصة بصاحبها، تصدر إيعازات الى الجوارح بالتصرف السريع لدى أي موقف غير مرغوب او تصرف يزعج صاحبه ويتعارض مع مصالحه او مكانته، كما نلاحظ أمثلة لا تُعد في التعامل مع المرضى في المستشفيات، او التعامل في دوائر القضاء مع المدانين بقضايا مختلفة.

ولكن؛ ما الذي يجعل الانسان الموهوب إلهياً بالفطرة السليمة والمشاعر الانسانية النبيلة،متصفاً بصفات العنف والقسوة؟

 

 كيف تنمو القسوة في القلب؟

كما سائر النزعات النفسية والخصال غير الحميدة، تنشأ وتنمو مع نمو الانسان وتدرجه في الحياة، بتأثير عوامل التربية والمحيط الخارجي، فان حالة القسوة تقع ضمن هذه المنظومة، وقد عكف العلماء والخبراء على معرفة سبب النشوء هذا، وقد كتب الكثير عن ذلك، ومنهم سماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي الذي تناول هذه الحالة النفسية في تفسيره للقرآن الكريم في آيات من سورة الانبياء: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}، (الآية: 22)، وتحدث عن أحد الاسباب متمثلٌ في الحالة السلبية عند الانسان ونظرته غير الايجابية الى كل ما يحيط به من طبيعة وبشر وحجر، فهو مسكونٌ بهاجس الخطر من القادم. واستلهم سماحته من القرآن الكريم، ما وصفه بنظرية العنف والقسوة التي ابتناها بنو اسرائيل عندما حددوا للإله صفة وحيدة وهي القوة والعنف، وذلك من اجل تثبيت هذه النظرية في حياتهم، ولتكون القسوة والعنف والدموية الطريق الوحيد لديهم لتحقيق ما يريدون.

وهذا ما ابتلي به عرب الجاهلية قبل بزوغ فجر الاسلام وظهور رسول الرحمة والانسانية، حتى عرفوا بأن «شعارهم الخوف ودثارهم السيف»، ولتحقيق ما يريدون، لم يكن ليثنيهم أي شيء، حتى المشاعر الانسانية الرقيقة الموهوبة لهم كبشر من الله - تعالى- كما كان يحصل في وأد البنات وهن أحياء بأيدي أبائهم تحت التراب، وكان العرب آنذاك يدّعون أنهم بهذا العمل إنما يتخلصون من العار المتمثل بوجود البنات او كثرة الاناث في قبائلهم وهم منشغلون بين فترة واخرى بالقتال فيما بينهم فتكون البنات من بين غنائم الحرب ويتحولن سبايا بيد الآخر المنتصر وتحل المصيبة!! وإذن؛ يدفعون الخشية من العار بقتل انسان وديع. وهذا ما نراه متجسداً في حياتنا اليوم، وفي الاصعدة كافة، فأينما لاحظت القسوة والعنف، ابحث عن مشاعر الخوف على الذات او المكانة او السمعة، علماً أن اصحاب هذه النظرية ومن يطبقونها في حياتهم لم يسألوا انفسهم مرة واحدة في العمر، بمدى جدوائية القسوة في تخفيف مشاعر الخوف تلك، إن وجدت طبعاً، او كانت المرأة او الطفل او المستهدفين يهددون مصالحهم حقاً، أو العكس تماماً، فالقسوة التي ينتهجونها لن تنتج لهم سوى ردود فعل مماثلة من الطرف الآخر، وربما تكون أشد وقعاً، عندما يتجه الامر نحو الانتقام، كما يحصل في الازمات العائلية المتفجرة، او المشاكل السياسية في بلاد عديدة.

وهنالك سبب آخر من جملة اسباب نشوء القسوة يذكرها سماحة المرجع الديني الراحل السيد محمد الشيرازي - طاب ثراه - في كتابه «اللاعنف ثقافة وسلوك»، بان وراءه الجهل وقلة الوعي وفقدان العلم والمعرفة، فكلما كان التوجه نحو العلم والعمل والانتاج، ابتعد الانسان عن القسوة والعنف، «فقد أكد الاسلام على العلم في آيات وروايات عديدة، كما أكد على العمل المقترن بالعلم واللاعنف أيضاً، واستشهد سماحته بحديث عن أمير المؤمنين، عليه السلام: «طلب المراتب والدرجات بغير عمل جهل». واذا تصفحنا تاريخ الشعوب والأمم التي نراها اليوم متقدمة علمياً، نجد صفحات القسوة الرهيبة والدموية المريعة في حروب تصفية طائفية او عرقية، او أطماع سياسية، لاسيما في القارة الاوربية، ولا أدلّ على الحربين العالميتين التي انطلقت شرارتهما من بقاع محدودة ودفع العالم بأسره ثمنها الباهظ بملايين القتلى وأمثالهم من الجرحى ودمار وخسائر لا تُحصى، بيد ان هذه الصفحات السوداء طويت بقوة العلم والعمل، والمثال الأبرز؛ اليابان والمانيا، فهما من اشعل فتيل الحرب، ثم تحولا الى أحد اقطاب الاقتصاد والتجارة في العالم وباتت السلع والبضائع القادمة منهما من أجود وأروع ما يبحث عنه الناس في العالم كله.

 

 الخروج من الذات الى اللين والألفة

كما ذكرنا آنفاً؛ من أبرز عناصر نشوء القسوة في النفس ونموها في القلب، حالة التقوقع على الذات وعدم الانفتاح على الآخرين لاسباب عدة ذكرنا بعضها، وهذا ما ابتلي به انسان الجزيرة العربية قبل بزوغ فجر الاسلام، فكانت معاناته مع التخلف والحرمان والعيش النكد، وعندما بُعث رسول الرحمة، بادر الى علاج هذه الحالة، ضمن أولوياته التربوية للمجتمع المكّي، والمجتمع العربي بشكل عام آنذاك، فكان يعلم الناس الشفقة والرحمة والحلم ليحملوا سمة الانسانية بشكل واقعي، وما إظهار الحب الشديد لسبطيه؛ الحسن والحسين، عليهما السلام، إلا أحد وسائل إيصال هذه الرسالة الى الآباء، وايضاً طريقة التعامل مع الزوجة وافراد الأسرة والجيران، بل وحتى الحيوانات الأليفة، مثل القط والدجاج والاغنام وغيرها، في روايات تاريخية تتحفنا بها كتب السيرة.

ومن الناحية النفسية؛ لو تفحصنا المنطوين على انفسهم والملتزمين جانب ذواتهم ومصالحهم الخاصة، نجد أبرز خصلة تظهر لهم؛ القسوة والنزعة الى التهجم على الآخرين ومحاولة التعالي عليهم، وعدم تحملهم تفوق ونجاح الآخرين، حتى وإن كانوا ذوي قربى، حتى قرنت الاحاديث الشريفة حالة القسوة بصفة اللؤم، فقد جاء في الحديث عن أمير المؤمنين، عليه السلام، في «غُرر الحِكم» بأن «من اللئام تكون القسوة».

فاذا اردنا تحجيم ظاهرة القسوة والعنف في المجتمع، علينا نشر ثقافة الانفتاح واحترام الآخر وعدم التجاوز على حقوق الآخرين، بدءاً من افراد الأسرة ومروراً بالجيران والاصدقاء وحتى جميع افراد المجتمع، حتى يعمّ السلم الأهلي والاستقرار النفسي والاجتماعي.


ارسل لصديق