القراءة الشمولية للدين والتطلع للخروج من السبات الحضاري
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2018/03/05
القراءات: 265

لم تبرح الامة الاسلامية تراوح في سباتها العميق، الذي هيمن عليها قروناً متمادية، نتيجة تراكمات تاريخية وعوامل معاصرة، فبين ثقل الماضي وآهات الحاضر، نتجت ثقافات يائسة، جعلت الأمة تتعرج في خطى متعبة، فبغياب الرؤية الواضحة في إدارة التحديات الراهنة، مع ضغط خطوط المرحلة، أصيبت الأمة بنكسات خطيرة امتدت الى منظومتها القيمية، فتحولت القيم الحضارية الى كلمات تستهلك في الخطاب الإعلامي لتنقل رسالة خاطئة في تكريس المفاهيم السلبية مثل؛ اليأس والتشكيك بكل شيء.

 

 اتجاهات فكرية محيّرة للأمة

مما يكشف عن الخطأ المنهجي الذي وقعت فيه بعض المدارس الفكرية، التي شكلت القواعد الثقافية يفترض ان تنطلق منها الأمة في صياغة سلوكها وتفكيرها، فسربت الى أدمغة الأمة تباينا ثقافيا حادا، عندما حاولت التعرف على قيم الانسان بنظم تجهل حقيقة الانسان اساساً، فقد اتخذت بعض المدارس القيم فقط لسد الحاجة حتى وان كانت ترتكز على مقاييس نفعية، فيما اتخذت مدارس أخرى القيم، رؤية فردية يبلورها الانسان بطموحاته الذاتية، وحصرت المدرسة الاجتماعية القيم الثقافية في الرؤية الجماعية، حتى وان أقرت حريات لا أخلاقية، وجنحت مدارس الى رؤىً ارتجالية تتحكم فيها الظروف المرحلية وهكذا... تشتت فكري وتباين معرفي في محاولات يائسة لدراسة الحالة الثقافية للانسان.

وعندما تسربت تلك النظم الفكرية الى المسلمين وأصبحت جزءاً من تكوينهم المعرفي، تباينت الرؤى الثقافية، وتباينت بذلك توجهاتهم الحضارية، لان النتاج الحركي للامة هو الولادة الشرعية للمنظومة الثقافية، كما ان الثقافة بدورها هي تجليات منظومة القيم عند الانسان، فبين قيم الذات، وقيم الله، تتشكل رؤىً ثقافية من محورية الانسان على نفسه، او ذوبانه في قيم الله، فيرتسم بذلك تاريخ الماضي وسلوك الحاضر.

وبما ان القيم هي خلفية الثقافة، فان النظرة المعرفية هي خلفية القيم، فان كانت المعرفة نابعة من الحق، تتشكل وفق ذلك قيم الحق، وان كانت المعرفة دائرة مع الهوى، تكون القيم نتاجا لنفس الهوى؛ فالجذر الفكري لأي توجه حضاري يبدأ بالتكوين المعرفي ويمرّ بالقيم ومن ثم الثقافة لينتهي عند حركة الأمم.

فان كانت هناك مناهج تربوية لصياغة الأمة، لابد ان تسعى لمعرفة العلاقة الجوهرية بين الثقافة والسلوك، وبين القيم والثقافة، وبين المعتقد المعرفي والقيم؛ فالمعالجة السلوكية لابد ان يسبقها معالجة ثقافية - قيمية - اعتقادية، وان كانت هنالك مناهج لرسم توجهات الأمم وتحدياتها لابد ان تكون القيم هي الحاضرة لفرز صدى التاريخ وتموجات الحاضر، وان كان هنالك عمل لبناء حضارة إنسانية لابد ان تبني بداية؛ المنظومة القيمية.

فلابد اذا ان نتأمل في ذواتنا المستلبة، ووعينا المغيب، لعلنا نتلمس الخطى في غياهب الليل الأليل، فنتقرب عندها من رسول الله واهل بيته الطاهرين، عليهم السلام، فنبصر بهداهم معارف القرآن، وحينها لابد من بداية، ولكي لا تكون البداية من النهاية، لابد ان نبحث عن اصل المشكلة وجذر التخلف.

 

 المشكلة في وعي الإسلام

لم يكن الإسلام يوما هو المشكلة، وإنما الوعي به هو المشكلة، فكان من الضروري تأسيس منهج نستوعب به الإسلام بكل أهدافه؛ الدنيوية والأخروية، ولابد من قراءة جديدة للقرآن الكريم والحديث الشريف، تتكئ على معايير واضحة تكون بمثابة تأصيل منهجي في التعامل مع النص الديني في كل الميادين، ورغم أن مصيبتنا في سلوكنا الحضاري، إلا ان جذر السلوك هو الثقافة التي ترجع بدورها الى القيم والمعرفة، ولعل هذا المبحث يجد مخرجا من بين آليات الفهم المتعددة، فالهدف كان معاجلة ثقافية أولا، إلا ان المشكلة تكمن في الجذور المعرفية.

ولا اقصد هنا التأصيل لهذا المنهج، وإنما مقدمة لمعرفة قيمة تلك الآلية، مع بيان ثلاثة نقاط أساسية تمثل مرتكزات لفهم الخطاب الشرعي، وهي؛ أصالة الفكرة، وشمولية الفكرة، ونهضوية الفكرة.

اما الأصالة فتعني الارتكاز الفكري على جذور معرفية رصينة، تمثل القاعدة والمنطلق في استلهام الوعي الحضاري من النص الديني المتمثل في القرآن واحاديث المعصومين، بعيدا عن التشريق والتغريب في استيراد أنماط فكرية ومناهج معرفية، مما يعني عدم تحميل النص بالفكر المسبق، وإنما أثارة العقل بالنص وإنارته ببصائر الوحي، فالأصالة هي المرتكز الذي يجب الالتفات اليه في عملية الفهم الديني.

اما الشمولية فهي نتيجة القراءة المتكاملة للنص الشامل، فبصائر الوحي رؤى نافذة تخترق كل ظلمات الواقع في كل أبعاد الحياة من السلوك الشخصي الى النظم الاجتماعية والسياسية والقانونية، كما تعني الشمولية؛ الصبغة المتكاملة لفهم الطرح الديني للإسلام، التي تمثل ذلك الانسجام بين كل أبوابه، فتتشكل تلك الصبغة من الهيكلية القيمية المنعكسة من سنن الله، وأسمائه التي هي أرضية النص الديني، كما تعني الشمولية؛ التخصص الفكري للقيادة والمرجعية الدينية، لأنها تمثل اعلى الهرم في الفهم الشامل.

أما النهضوية فهي؛ المحور الثالث الذي تكتمل به معيارية القراءة النصية، فأصالة الفكر وشموليته تخلق حالة من الحركة في الفكر الساعي الى الارتباط بالواقع، وهو نتيجة طبيعية للخطاب القرآني الذي دعانا الى الحياة {إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}، (سورة الأنفال: 24)، فحالة الجمود نتاج للجمود المعرفي الناتج عن القراءات المبتورة.

فحصانة الأمة في ارتباطها بالقرآن واهل البيت، عليهم السلام، وبالفهم العميق لمراد الله في كل الأبعاد، وتحمل أعباء الرسالة والنهوض بها لتكون حضارة القرآن هي التي تقارع الحضارات، كما ينبغي للامة ان تلتف حول العلماء المحرزين لتلك الشروط، الثلاثة من الأصالة والشمول والنهضة حينها يكون الخلاص.

نستعرض هنا بعض النظريات التي حاولت النهوض في قراءة عرضية تكشف من خلالها المعالم المنهجية لتلك الرؤى، فنستخلص منها صيغة مثلى وأطروحة متكاملة، تكون دليلنا في تحمل أعباء مسؤوليتنا التاريخية.

محاولات المفكرين هي عديدة بتعدد التوجهات الثقافية، والمناهج الفكرية، ولكل منهم خصائص معينة تشكل ملامح رؤاهم الحضارية.

ومن بين هؤلاء المفكرين سماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي ـ دام ظله ـ الذي حاول بلورة ثقافة رسالية تستمد عوامل النهوض من قوة الإسلام، فكانت ثقافة ناضجة تتناسب مع المرحلة، وتتجاوز هذا السبات لمواجهة التحدي الحضاري الذي نعيشه، وبالإمكان بلورة بعض الإضاءات من فكر المرجع المدرسي في هذا المجال:

1ـ هنالك اتجاه يرى ان الجمود الفكري لا يمكن تجاوزه إلا بالسير على خطى الحضارة الغربية، لكي يتاح لنا المجال في اللحاق بركبهم، ويدعي هذا الاتجاه ان الفكر الديني هو سبب الجمود والتخلف، ويتنكر لكل عمل حركي إسلامي، وقد كان لهذا الاتجاه دوره المؤثر في تاريخ المسلمين وحاضرهم، بعد ان تشكلت معظم الأنظمة السياسية في البلاد الاسلامية وفق هذا المنظار، منذ محمد علي باشا في مصر، ومصطفى أتاتورك في تركيا، مرورا بمعظم الأنظمة الحالية.

2ـ ثمة نظرة ثانية على النقيض تماما، ترى ان الحل يكمن في الرجوع الى التاريخ، وتقديسه ونقله الى واقعنا المعاصر بكل تفاصيله، فلا صلاح إلا بما صلح به «السلف الصالح» لهذه الأمة، ويصف هذا الاتجاه كل جديد من معطيات الحضارة الحديثة، بالبدعة المحرمة! ورغم ان هذا التيار تخللته اتجاهات منفتحة حاولت التعاطي مع الواقع، إلا انها هي الأخرى لم تستطع الخروج من محنة التاريخ، والمتتبع لكتابات الصحوة الاسلامية في مصر يلاحظ ذلك جيدا.

ومن اهم الأخطاء المنهجية لهذا الاتجاه؛ النظرة القدسية للتاريخ، وهذا ما ينافي طبيعة البشر وطبيعة التاريخ نفسه، لان التاريخ هو نتاج لإيقاع حركة البشر، وصور شكلتها رؤى متباينة وثقافات متعددة، وفق ظروف ومقتضيات فرضتها المرحلة، فيكون الخطأ نتاجاً طبيعياً لتلك الحركة.

3ـ ونظرية ثالثة ترى بان الطريق الأجدى هو الأخذ بأصالة القيم وثوابت الدين، والانفتاح على الواقع والتعاطي معه على ضوء الثوابت القيمية، بخلق حركة حضارية وبناء تمدن إسلامي وفق تلك الثوابت، وبذلك فقط يمكننا ان نصنف مسيرة المجتمعات بانها مسيرة وفق الرؤية الدينية، كما يمكن ان نصف النتاج الثقافي بانه نتاج إسلامي مئة بالمئة، فقد صنف هذا الاتجاه النظام الاسلامي الى خط ثابت وخط متغير، فالثابت هو المرتكزات القيمية التي لا تتغير بتغير الزمان، وإنما يتغير بها الزمان، والجانب المتغير هو ما يتعلق بالوسائل والمواضيع المتجددة الحادثة، فحركة الفكر عند هذا الاتجاه هي ربط الفروع المستحدثة بالأصول الثابتة، مما جعلته في حاجة الى نوعين من المناهج، مناهج تؤصل تلك القيم وتشكل في ما بينها منظومة هرمية مترابطة، ومناهج تبحث عن المتغيرات في محاولة ربطها بالنظام الهرمي للقيم.


ارسل لصديق