إعمار العراق والعقلية العراقية
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2018/02/26
القراءات: 279

قبل ان يسمع المشاركون في مؤتمر الكويت الدولي لإعادة الإعمار في العراق الذي عقد مؤخراً، المعطيات الأخيرة على الساحة العراقية وحاجته الى الإعمار والبناء، لابد انهم يستذكرون فوراً الأرقام المهولة التي أنفقت خلال السنوات الماضية، وربما تصل الى ترليون دولار (الف مليار)، على إعادة بناء العراق، ولكن ما يزال يعيش التخلف والحرمان، يضاف اليه حديثاً؛ الدمار الواسع في حرب مفروضة تحت عنوان «الحرب على داعش».

بعد ستة اشهر فقط من انهيار النظام الصدامي، وفي ظل إدارة مدنية لقوات الاحتلال الأميركي في العراق، رعى الأميركيون مؤتمر مدريد للمانحين، تحت شعار إعادة إعمار العراق، بمشاركة 73 دولة، وعشرين منظمة دولية، وقد تعهد المشاركون آنذاك بتقديم 33مليار دولار لإعمار العراق، ولم ينصرم عام 2003، حتى أقيم مؤتمر مماثل في طوكيو وهناك تعهد المشاركون بتقديم حوالي 14مليار دولار لنفس الغرض، هذا فضلاً عن وعود أميركية ودولية بمنح العراق (الحكومة العراقية) مليارات أخرى.

ولكن؛ مشكلة العراق ليست في الأموال، فهو بلد غني، كما أفصح عن ذلك وزير الخارجية الكويتي في افتتاح مؤتمر الكويت، بل و» ان دول المنطقة عاشت على خيرات العراق، فالعراق بلد غني بكل قطاعاته...»، انما المشكلة في العقلية التي تستفيد من هذا الغنى الوافر، فهل من المعقول ان نبحث عن مبرر لجذب الاستثمارات والإسهامات لإعادة بلدنا، كأن يكون، الدمار الذي سببه صدام، ثم نأتي الى الدمار الذي سببه داعش؟! فهل كنا ننتظر احتلال داعش لمدن الرمادي والفلوجة والموصل وغيرها، ثم تدمرها حتى نستنفر جهودنا وندعو العالم الى إعادة بناء هذه المدن؟ وهل كانت هذه المدن عامرة بالصناعة والزراعة والطرق والمواصلات، حتى جاء الإرهاب ودمرها، طبعاً؛ الأمر ينسحب على مناطق الوسط والجنوب ايضاً؟ بل العكس أكدته الوقائع والأيام، من أن البطالة وتدافع أصحاب الشهادات الجامعية وأصحاب العقول المبدعة على أسواق العمل التجاري بحثاً عن لقمة العيش، هو الذي أسهم في إنعاش الإرهاب الطائفي والتكفيري، وتسبب في كل هذه الويلات والمآسي.

البعض وصف مؤتمر الكويت هذا، بانه نوع من «الاستجداء»، وربما لا يكون الوصف دقيقاً، بيد أن الأخطر من استقطاب الأموال؛ استقطاب العقول والأفكار لتحقيق ما يتحدث عنه المسؤولون العراقيون من إعادة بناء العراق، وكان الأجدر بالحكومة العراقية، وبشخص الدكتور حيدر العبادي عقد مؤتمر موسع يستقطب العقول العراقية من جميع أنحاء العالم، ممن يدينون بالولاء والحب لوطنهم الأم، من المختصين في شؤون التجارة والصناعة والتخطيط والإدارة والبناء وغيرها، للاستفادة من أفكارهم وتجاربهم والبدء بعملية انتقال العراق من حالة الحرمان والتخلف الى مصاف الدولة النامية والمتطورة، حتى وإن استغرق ذلك سنوات، ولو كانت الطبقة السياسية التي طالما نثرت الوعود بعراق مزدهر بعد تاريخ 9-4-2003، قد بدأت بهذا المشروع من تلك الأيام، لكانت اليوم، وبعد خمسة عشر عاماً، قد بلغت بالعراق الى مراتب يعتد بها، ولم يكن العراق اليوم مثقلاً بخسائر مادية وتضحيات جسام من خيرة أبنائه كان يفترض ان يأخذوا مكانهم في مشاريع التنمية والتطور لحاجة البلد الى الأيدي المخلصة والأمينة.

ان الذي يبني العراق، ليس المال فقط، وإنما العقل أولاً؛ كما اتبع هذه الحكمة عديد الدول النامية التي نهضت من انقاض الحروب والتخلف لتصل اليوم الى مصاف الدول المتقدمة، مثل كوريا الجنوبية والصين والهند، فهؤلاء وغيرهم، لم تكن لديهم المليارات ولا خيرات العراق التي طالما يغبطوننا عليها، بل هي دول فقيرة بالأساس، انما انطلقوا من ذواتهم الخيّرة ونواياهم المخلصة وجهودهم وتضحياتهم من اجل تقدم وتطور بلدهم.


ارسل لصديق