الانتصار لمن يصمد في ربع الساعة الأخيرة
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2018/01/02
القراءات: 170

لو التقيت بعراقي؛ قال لك: ماذا حصلنا من الديمقراطية؟ ولو التقيت بمصري او ليبي او حتى يمني، قال لك: وماذا حصلنا من زوال الديكتاتورية؟! وعندما تلتقي بمن يعيش مخاض التغيير في البحرين والسعودية، قال لك: متى نتجاوز مرحلة المخاض القاتل ونتنفس الحرية والكرامة؟

لقد سبق العراقيين وشعوب «الربيع العربي»، شعوب أخرى بهذا السؤال العفوي والمحيّر، فالتضحيات الجسام؛ من أرواح، وممتلكات، وتشريد ويتم وترمّل ودمار شامل... جربته شعوب خاضت ثورات؛ ضد الاستعمار، وضد الأنظمة الديكتاتورية، ولكن النتيجة لم تكن مطابقة لآمالهم وتطلعاتهم، بل كانت عكسية ومرتدة عليهم، لدرجة أن يندفع الرئيس الجزائري الأسبق، واحد رموز الثورة؛ احمد بن بلا، بالقول في مذكراته: أن «سكان أحياء الصفيح حول العاصمة، هم ضحايا حرب التحرير»! 

نعم؛ قدمت الشعوب كل شيء في صراعها المرير مع الديكتاتورية لاستعادة حريتها وكرامتها، إلا شيئاً واحداً؛ وهو الاستقامة على طريق ﴿ذَاتِ الشَّوْكَةِ، (سورة الأنفال: 7)، التي يسقط في اختبارها الكثير، فالمواجهة مع الحاكم الجائر والظالم، او ما يسمى بـ «الحراك الجماهيري» احد أشكال الحرب، تنطبق عليه بعض قواعده، ومنها؛ الانتصار لمن يصمد في ربع الساعة الأخيرة، وإلا فان الدماء والجهود والإمكانات المبذولة تُداس بأقدام الهزيمة.  ولمن يسأل عن النتائج الملموسة على الارض لما قام به آية الله الشيخ النمر طيلة خلال خوضه المواجهة مع النظام السعودي، سيشير فوراً الى حي «المسورة» التابع لمدينة العوامية والتي سويت مع الارض، كما لحق دماراً هائلاً بمدينة العوامية بفعل الحرب الاستفزازية التي فرضها النظام الحاكم على أهالي المنطقة، ويأتي هذا بعد حوالي عام واحد من تنفيذ حكم الإعدام الجائر بحقه، والبلدة المستهدفة، هي مسقط رأس الشهيد، وكان القرار الحكومي بهدم الحي بذريعة تنفيذ مشاريع عمرانية حديثة وما الى ذلك من ادعاءات.

ولكن؛ لو سألنا الشيخ النمر - رحمه الله - في تلك الأيام عن توقعاته بما يحصل من وراء كلماته اللاهبة في خطب الجمعة، وفي مناسبات أخرى؟ لكان جوابه نفس ما أعلنه مرات عدة لأبناء بلده وللعالم بأنه يتطلع الى تحقيق الكرامة الإنسانية واستعادة الحقوق المشروعة لجميع المواطنين في بلده، وبدون استثناء، ولم يحدد مدة زمنية لذلك؛ هل يكون خلال شهر، او سنة، او ربما سنين.

لقد مضى الشهيد النمر الى جوار ربه، أما نحن فعلينا سؤال انفسنا عن تجربة التغيير في السعودية تحديداً، هل من المعقول ان نتوقع نتائج سريعة من تحرك شخص واحد، مثل الشيخ النمر، ليغير نظام حكم قائم على طباع القبيلة الموغلة في الزمن، تمتد لمئات السنين، أو أن يُجبر الحكام القبليين على تفهّم مطالب الشعب والاستجابة لهم؟

لا يشك أحد في الأصداء المدوية لاستشهاد الشيخ النمر في العالم، وما تركه من آثار نفسية في الشارع السعودي بشكل خاص، والشارع الشيعي والإسلامي بشكل عام، وايضاً تعبئته للآراء والأفكار النهضوية، وايضاً ما كسبه من تضامن إعلامي وسياسي وجماهيري عبر العالم، فهل يكون هذا الصدى كل شيء في الساحة، أم ينبغي وجود أصداء أخرى مماثلة؟

إن اهم ما قام به الشهيد النمر، تحطيمه جدار اليأس الوهمي الذي رسمه حكام القبيلة السعودية أمام أعين الناس، بأنهم عاجزون ولا ملجأ لهم إلا اليهم، وأن الشيعة في مأمن مازالوا يعيشون في قبضتهم، وإلا فان التكفيريين والإرهابيين سيقضون عليهم! وهذا ما فعله تحديداً؛ جميع المصلحين والثائرين في تاريخنا الاسلامي، حطموا جدار اليأس والإحباط في النفوس ليتطلع الناس دوماً الى التحرر والتقدم. ولعل أجمل ما نُقل عن الشهيد الشيخ مجتبى نواب صفوي، ذلك الثائر الإيراني الذي قاد حراكاً مسلحاً ضد نظام الشاه في خمسينات القرن الماضي، وعندما سألوه في المحكمة عما يريد فعله في المستقبل من وراء معارضته للشاه، فقال: أريد ان أخرج يومياً في الصباح الباكر، وأرى التلاميذ الصغار متوجهين الى المدرسة، فيما يشتغل عمال البلدية بتنظيف الشوارع.


ارسل لصديق