آية الله السيد هادي المدرسي لـ(الهدى):
لا يجوز للنخبة ان تغرد خارج سربها وخارج جماهيرها، كما لا يجوز للجماهير أن تكتشف القائد بعد وفاته
كتبه: السيد حسين الرضوي
حرر في: 2012/05/02
القراءات: 5416

*هل صحيح ما يقال: ان الثورات في البلاد العربية، لم تنجح في تحقيق حلمها باستعادة حريتها واسقاط اصنام الديكتاتورية، إلا بالاستعانة بالدعم الخارجي...

 *وكيف يمكن للشعوب الاسلامية ان تعيد صياغة هويتها من جديد بعد ان شوهها الحكام؟

*وما مدى صحة نظرية "المؤامرة"، وما هو السبيل لحصول شعوبنا على حقوقها وتحقيق طموحاتها؟ *ولماذا لم تشهد البحرين قيادة موحدة وواضحة لانجاح التغيير، كما حصل في البلاد العربية الاخرى؟

هذه الاسئلة، وغيرها كانت مفاصل الحوار الذي اجريناه مع سماحة آية الله السيد هادي المدرسي، فجاءت الاجابات من سماحته شافية كافية.

الهدى: الشعوب العربية والاسلامية عاشت ردحاً من الزمن في ظل ثقافة الديكتاتورية والفردية ، كيف يمكن ان تتحول بسلام الى الثقافة الجديدة من خلال التحول السياسي الراهن؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه اجمعين محمد وعلى اهل بيته الطيبين الطاهرين..

** هنالك جدلية بين التغيير السياسي والتغيير الثقافي، فاحيانا يكون التحول السياسي سببا لتحول ثقافي، واحيانا يكون السبب في التحول السياسي، هو التغيير الثقافي. ليس المهم أيهما يبدأ اولا،إنما المهم، ان احدهما يؤثر في الآخر. وبما ان الانسان يتحرك بناءً على قناعاته مدفوعا بمصالحه، الدنيوية تارةً، والاخروية تارةً اخرى، فان اي تغيير هو - في الحقيقة- نتاج تغيير رؤية الانسان انطلاقاً من تلكم المصالح.

إن المشكلة في عملية التغيير تكمن في الفهم العميق للمصالح والمفاسد، فربما يظن البعض ان مصلحته في قبول الديكتاتورية وحكم الفرد،لذا نجده يقبل بالنظام الديكتاتوريولا يعارض الحاكم المتفرد في السلطة، ظناً منه، انه الخيار الأصلح، لكن حينما يكتشف - هذا البعض- خطأ هذه الرؤية ،لسبب او لآخر، فانهم يثورون على الواقع السياسي القائم.

 الهدى:الآن وقد حدث التغيير السياسي في بعض البلاد، فهل سيؤدي ذلك الى تغيير في ثقافة الامة ؟او ان الدكتاتورية ستعود وتنتج نفسها من جديد؟

** الواقع ان التغيير قد حدث. واصبح الباب مفتوحاً على كل الاحتمالات، ولا مجال لغلق هذا الباب من جديد، لذا يجب العمل والاهتمام بأمرين: الاول:الاصول، والثاني: المتغيرات، ويجب ان لا نخلط بينهما،فنحن بحاجة الى تغيير الرؤية، والى تغيير الواقع العملي، إلا ان هذا لا يعني ان تتغير الاصول الثابتة التي نتحرك وفق ثوابتها.

ان مسألة التغيير الثقافي يشبه العلاقة بين "العربة والسكة"،فمن اجل ان يكون لك قطار يحملك من مكان الى مكان آخر، انت بحاجة الى أمرين: احدهما ثابت لا يتزعزع ولا يتحرك قيد انملة، وهي السكّة. والآخر، يتحرك بسهولة وهو العربة. فاذا كانت السكّة متحركة، فان العربات تسقط لا محالة. واذا جعلنا العربات ثابتة، فلا يمكنك التنقل من خلالها من مكان الى آخر.لذا؛ونحن نبحث عن ثقافة جديدة، يجب ان نضع هذه القاعدة نصب أعيننا، لاسيما فيما يرتبط بالنظام السياسي، فالامة بحاجة الى ان تتطبع على الواقع الديمقراطي، والحؤول دون ظهور طاغوت جديد، وذلك من خلال عدم التسامح مع الحكام في اخطائهم الاولى، وعدم السماح بان يتجمع المتزلفون حول الحكام الجدد، لكي يصنعوا منهم اصناما جديدة تُعبد من دون الله في الامة. وإذن؛ نحن بحاجة الى العودة الى اصولنا، واستلهام العبر من تاريخنا، وتشخيص الارضية التي تنمو وتظهر منها الدكتاتوريات، وهذا الامر هو الذي دفعني لان اكتب كتاباًبعنوان "شخصية الطاغوت دراسة في نمط العلاقة بين الحاكم والمحكوم في ظل الاستبداد" ، حيث بحثت في هذا الكتاب، مطولاً، عن طريقة قيام الطاغوت، وكيف يمكننا ان نمنع ولاية الطغاة في بلادنا.

 الهدى: أيهما أسبق على مسرح التغيير في البلاد العربية والاسلامية... الثقافة أم السياسة؟

** اعتقد ان الثقافة تسبق السياسة. والتغيرات التي حدثت مؤخراً خير دليل على ذلك.إذ لولا الحركات الاسلامية، والحركات الشعبية التي كانت تعمل لمنع قيام الدكتاتوريات، ونضال الشعوب وجهاد المجاهدين الذين تحملوا الكثير من العنت والعذاب خلال المئة سنة الماضية،لما شهدت بلادنا كل هذا التغيير.

مثالٌ على ذلك، السيد جمال الدين الافغاني الذي رفع راية الخلاص من الاستعمار، وجاب البلاد الاسلامية طولا وعرضا، لضرورة التخلص من حالة القبول بالاستعمار، وثقافة الاستعمار، صحيح انه مات دون ان يحقق احلامه، او يرى نتائج دعوته تلك، لكن لا شك في ان دعوته سبقت تخلص البلاد الاسلامية من الاستعمار، الا ان شعوبنا خرجت من بئر الاستعمار ووقعت في مستنقع الاستبداد، فلابد من وجود ثقافة جديدة تقوم على دعامتين: رفض الاستعمار الاجنبي من جهة، ورفض الاستبداد الداخلي من جهة اخرى. لقد عانت شعوبنا كثيرا من تلك الحركات التي رفعت في البداية شعار النهضة ضد الاستعمار، لكنها لم تنهض ضد الاستبداد، فتحولت هي الى حركات تنتج المستبدين والطغاة في الامة، ولكن على كل حال، أُأكد على أن الثقافة تسبق السياسة.

 الهدى: ماالذي دعا النخبة المثقفة لان تنتظر او تستند الى السياسة للقيام بدورها الثقافي؟ وماهي نقطة التباعد بين المثقف والثقافة بشكل عام وبين الساحة والجماهير؟

** انا لا ارى ان التغيير هو فعل النخبة وحدهم،كما هو ليس فعل الجماهير وحدهم، انما التفاعل ما بين النخبة والجماهير، هو الذي يصنع التغيير.احيانا تكون النخبة مثل طائر يغرد لنفسه بعيدا عن اقرانه، فلا يمكن ان ينتفع به احد. ودعني استعن مرة اخرى بمثال القطار... فالعربات على السكة لا تتحرك الا بوجود محرك لها، وهو الآلة او الجهاز الذي يتصدر العربات الاخرى، لكن الفاصل بينه وبين العربات قليل جداً، بل هو فاصل قصير، فهو ليس ملتصقاً بالعربات تماما، لكنه متصل بها ومتقدم عليها. فاحيانا؛ يكون القائد صالحا لكي يقود امته، لكنه يتقدم عليها بمسافة طويلة وبعيدة،لذا لاتستمع له، ولا تتأثر به، فالقيادات التي تتأخر عن الجماهير تكون مثل محرك عربات القطار الذي يكون في آخر عربة، وليس في المقدمة...! والقيادات التي تتقدم على الجماهير مسافة طويلة لا تستطيع ان تقود الجماهير،من هنا لابد من ان يكتشف الناس قياداتهم في الوقت والمكان المناسبين. في بعض الامم، يكون اكتشاف القادة بعد رحيلهم، فتعرف هذه الجماهير قيادتها كما يعرف البعض قيمة الشمس بعد غروبها، وفي بعض الامم يكتشفون القادة في الوقت المناسب فينتفعون بها.

وإذن؛ لا يجوز للنخبة ان تغرد خارج سربها وخارج جماهيرها، كما لا يجوز للجماهير أن تكتشف النخب المثقفة بعد رحيلهم من هذه الحياة. ونقطة التباعد بين المثقف والثقافة بشكل عام، هي نقطة التأخر في اكتشاف النخب لجمهورها واكتشاف الجمهور لنخبها.

 الهدى: مارأيكم بنظرية المؤامرة...؟وهل الترويج لها يُعد تعبئة سياسيةاو التنكر لها دعوة للميوعة السياسية والثقافية والاستسلام للامر الواقع؟

** لاشك ان هناك مؤمرات على الامة في كل زمان، وهذه ليست خاصة بامتنا، بل كل الامم الضعيفة تتعرض لتآمر الاقوياء عليها، وهذه طبيعة البشر وطبيعة الحياة، لكن لست ممن يرى ان اي تغيير يحدث هو نتاج مؤامرات، من قبل هذه القوة او تلك، ولذلك أودّ الاجابة على السؤال التالي: بأن هناك مقولة بأن التغييرات الحاصلة في البلاد العربية جاءت مدعومة من الغرب... وأنا لا اعتقد بذلك.فالتغييرات لم تأت من الغرب، لكن حينما اكتشف الغرب ان التغييرات قادمة لا محال، رأى مصلحته في ان يصطف الى جانب الشعوب، وليس الحكام، والغربيون لم يقفوا في تونس وفي مصر وفي ليبيا الى جانب الناس لسواد عيونهم، وانما لان مصالحهم اصبحت في خطر ان لم يكونوا قد اصطفوا الى جانب الشعوب،لان التغيير كان يحدث على كل حال. فالمؤامرة تتجسد في الوقت الحاضر، اي بعد حصول الشعوب على بعض التغييرات في انظمة الحكم،فقد بدأت تحاك المؤامرات، لان الغرب حاول ان ينتج مستبدين جدداً وحكاماً يؤمنون له مصالحه على حسب الشعوب . فالتغييرات الحاصلة اليومليست نتاج مؤامرة، إنما هنالك مؤمرات لقطف ثمار هذه التغييرات ومن ثم العودة مرة اخرى الى عهد الاستعمار واستنزاف الشعوب الاسلامية لمصلحة البلاد الاجنبية.

 الهدى: علماء الدين الشيعة لهم سجل حافل في قيادة الثورات والحركات الاصلاحية عبر التاريخ، فما هو السبب بعدم حظوة البحرين – الشيعية غالباً- بقيادة موحدة و واضحة لحركة التغيير ؟

** أما ان علماء الشيعة لهم سجل حافل في قيادة الثورات فهذا صحيح وحقيقة ثابتة، والسبب ان علماء الشيعة لم يكونوا موظفين لدى الحكومات ، وأما ان البحرين لم تحظَ بقيادة موحدة، فالسبب في ذلك هو نوع الدكتاتورية القائمة في البحرين، ومحاصرة هذا البلد من قبل "البحر" ومن قبل "آل خليفة"،وبعبارة اخرى، نظراً للظروف الخاصة في هذا البلد، لايمكن ان تقوم قيادة موحدة و واضحة ومعروفة في البحرين، لانها تتعرض للابادة بسهولة. لذا من مصلحة ثورة الشعب في البحرين أن تكون ثورة لا مركزية في قيادتها.أي تقودها الفكرة الواحدة، لا الرجل الواحد، او مجموعة رجال، حتى لايمكن اخماد هذه الثورة من خلال اعتقال، او قتل الرجال، او التأثير فيهم بطريقة او باخرى، فمن مصلحة الثورة اليوم ان تكون هنالك اكثر من قيادة، ولكن في الاتجاه الواحد، وان تكون الفكرة هي التي تقود الشعب هناك .

 الهدى: الشعوب العربية والاسلامية تبحث عن مفهوم وقيمة عالية تتشبث بها للخروج من مآزقها ومشاكلها، فكان الربيع العربي.... هل تجدون لهذا الشعوب التوّاقة الى التغيير من سبيل الى خروج يضمن لها حقاً حقوقها ويحقق طموحاتها؟

** يقول الامام علي سلام الله عليه "لا يصح الا الصحيح". هذه الشعوب تبقى تتقوق الى التغيير والتبديل والتطوير والتحول الى الاحسن حتى تحصل على حقوقها. وبعبارة اخرى، ان القيم التي تحرك الشعوب، هي قيم العدالة، والحرية، وتبقى الحقوق هي التي تؤثر في هذه الشعوب حتى ترسو سفينتها على بر الامان. واعتقد ان التغيير بدأ، ولن ينتهي،أي ان رحلة الالف ميل الى التغيير الحقيقي بدأت بالخطوة الاولى، ويجب ان لا يتوقف عند هذه الحدود الدُنيا مما حدث، فلا يكفي ان يتغير الحاكم، بل لابد ان يتغير النظام. وقد كانت الشعوب ذكية، حينما رفعت شعار "الشعب يريد اسقاط النظام". يبقى أن نشخّص البديل الحضاري لكل مفردة من المفردات التي قامت عليها الانظمة المستبدة. فاذا كنّا ضد الاستبداد في المعنى العام للكلمة، فلا بد ان نكون ايضاً، ضد من يستفرد بالحكم،وبمقدرات هذا الشعب او ذاك، مهما كان صالحاً، و ان يكون هنالك توزيع لمصادر القوة والقدرة في الشعب، حتى لا يستطيع احد ان يستغني عن الآخرين، والا فـ "إن الانسان ليطغى ان رآه استغنى" (سورة العلق -6)، وهذه سنة الهية،فحينما تكون هنالك جهة، او شخص، او حزب بيده عوامل القوة كلها، فان الطغيان سيأتي قطعاً، فلو ان حاكما تغير وسقط، وجاء حاكم آخر من صفوف المعارضة، ثم استطاع ان يجمع حوله مجموعة من المتزلفين، وان يعتمد على حزبه الخاص ثم يستولي على القضاء، ثم على الاوقاف، ثم يستولي على اللجنة التي تشرف على الانتخابات، ثم على المال، ثم على مجلس النواب، فلا شك انه سيستبد برأيه، ومن ثم فكأننا لم نفعل شيئا،وبذلك يكون الاستبداد قد انتج نفسه بصيغة اخرى.

وإذن؛ علينا ان نتبع القيم والافكار والمثل، وليس الافراد والاشخاص والاحزاب.

 الهدى: كيف يمكن للشعوب صياغة هويتها من جديد بعد ان شوهها الحكام؟

** في اعتقادي ان التغيير يبدأ من آخر و أضعف شخص، وبشكل حقيقي،وهو التغيير الذي يكون في الاساس ويُبنى عليه اساس جديد وصحيح، باعتبار ان الانسان هو المادة الصحيحة السليمة للتغيير،فلابد من الاعتماد على تغيير الانسان مهما كان مستضعفاً ولا قيمة له في الظاهر، ومن ثم نصنع الانسان الرسالي الذي يحمل رسالة التغيير باتجاه الافضل.


ارسل لصديق