خطوات نحو الاستضاءة بالقرآن الكريم
كتبه: السيد حسين الرضوي
حرر في: 2015/07/22
القراءات: 890

كما بدن الانسان الرقيق والحساس بحاجة الى عوامل الدفاع عنه من الأذى الخارجي من مخاطر عديدة، والأضرار الداخلية من أورام وتلف في الخلايا والأنسجة وعطل في وظائف الغدد والكلية وغيرها، فان نفس الانسان بحاجة أيضاً الى منظومة دفاعية تقيه شر الهجمات العنيفة التي من شأنها أن تفتك بها على حين غفلة وتحيلها الى الانحدار والموت.

فكيف يقوي الانسان حصونه أمام محاولات اختراق أعداء الفضيلة، وفي نفس الوقت يحطم القيود المفروضة على عقله ومعارفه، فيكون دائماً، على بصيرة من أمره؟

نعرف إن الله - سبحانه وتعالى- وهبنا العقل المضاد للهوى، والعلم المضاد للجهل، والهدى المقابلة للضلالة، لكن المهم، الآلية والسبيل الى ذلك، فالعقل والعلم والهدى، لن يأتوا الى الانسان وهو نائم في مكانه يتأمل السماء والأرض، دون أن يحرك ساكناً؛ إنه القرآن الكريم الذي أثبت للعالم وللانسانية إنه خير ملجأ للانسان عندما تشتد به الفتن، فالانسان المؤمن يتلوه عندما يجد نفسه تكاد تنهار، ويستعيذ به المجتمع الاسلامي، عندما يرى نفسه محاصراً من قبل الاعداء.

جاء في الآية الكريمة: {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً}. (الإسراء /9)

وللأسف فإننا قد لا نستطيع في بعض الأحيان الاستفادة من هذه النعم، فالقرآن الكريم بين أيدينا ولكن الشيطان في أنفسنا، وغشاوة الهوى على أبصارنا، فيما بلادنا ما تزال تعيش الحرمان والتخلف، فكيف يجوز لنا ونحن مع القرآن الكريم، أن نعيش التمزّق دون الوحدة، والاختلاف دون الاتحاد؟ وما هي العقبة التي لا تدعنا نستفيد من القرآن الكريم كأشخاص في مجال تزكية الذات، وكشعب وأمة في تحقيق طموحاتها وأهدافها؟

 

 لنفهم باطن القرآن الكريم؟

إضافة الى تلك التساؤلات هناك تساؤل مهم آخر يطرح نفسه؛ كيف نحصل من آيات القرآن على تلك المعاني التي ينبغي لنا وعلينا أن نحصل عليها منه؟ فنحن نقرأ القرآن المرة بعد الأخرى ولكننا لا نستطيع أن نقرأ ما وراء السطور، ولا نستطيع أن نفهم باطن القرآن، وحتى لو راجعنا التفاسير فإننا لا نحصل على مزيد من المعلومات.

السبب بكل بساطة هو أننا لم نخترق بعد، الحجاب الفاصل بيننا وبين القرآن الكريم، حتى ننتفع به في مجال إصلاح الذات، وكذلك إصلاح المجتمع، وبالنتيجة تحقيق الغلبة والنصر على الأعداء، لأننا بذلك سنجعل القرآن الكريم، راية نخوض في ظلها المواجهة، ونجعله ضياءً نجاهد على هداه، وخطاً دفاعياً مانعاً بيننا وبين العدو، ولكن المشكلة تتمثل في أننا لا نكاد نفهم القرآن، ولا نكاد نتدبر في آياته وكأن بيننا وبينه حجاباً مستورا.

 

 عوامل وجود الحجب

هنالك أسباب وعوامل أدت الى فقداننا الجسور مع القرآن الكريم أو وجود الحجب العالية، ومن دون إزالة تلك الأسباب فان الحجب والهوة تبقى على حالها ربما لعقود وقرون أخرى من الزمن، وهذا ما يجب أن نستعيذ الله منه:

أولاً: معرفة قيمة القرآن الكريم

كخطوة أولى، يجب أن ندرك ونعرف قيمة القرآن الكريم، فمن حفظه وقرأه دون معرفة مسبقة به فإنه لن يعطيه شيئاً، فالذي يجهل حق القرآن، سيجهله وينساه، بل إن هذا الكتاب سوف يتحول الى ضلالة بالنسبة الى من يجهل حقه، كما يشير الى ذلك تعالى في قوله: { وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً}، (سورة الإسراء /82).

لكن بمعرفة القرآن الكريم، فانه يكون شفاءً، وضياءً، ونوراً، وهدى للمؤمنين، فهم يزدادون إيماناً وتقوى بالقرآن، بينما بالنسبة للآخرين، ضلالة وحجاب وخسارة ومزيد من التوغل في الفساد، وقد أكد النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، كثيراً على قيمة القرآن، وعظيم منزلته قبيل إلتحاقه بالرفيق الأعلى قائلاً: «إني تارك فيكم الثقفين؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي»، كما أكد على أن أحدهما أعظم وأكبر من الثاني، ألا وهو كتاب الله الذي استشهد أهل البيت، عليهم السلام، من أجله.

ثانياً: الإيمان بمنزلة القرآن الكريم

من حيث الظاهر، لايوجد من يشكك في مصداقية القرآن الكريم، وإنه من عند الله العزيز القدير، وفيه السنن والحكم والتعاليم والنظام المتكامل للحياة، لكن الانسان يكون على المحك في الظروف الصعبة، وحينما يكون عند مفترق طرق مع مناهج فكرية واتجاهات ثقافية أخرى.

وهذا، ربما يجعله، على حين غفلة، بعيداً عن هذا الكتاب المجيد، وإلا فمن المستحيل أن يوجد شخص يعرف القرآن الكريم حق معرفته، ثم لا يفهم آياته، فالمؤمن لا يملك إلا أن يزداد إيماناً بتلاوة القرآن الكريم كما يقول تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. (سورة الأنفال /2)

ثالثاً: التلمذة عند القرآن الكريم

إن من حق القرآن الكريم علينا أن نحترمه، سواءً أ كان خلال استماعنا لتلاوة بعض الآيات في المجالس العامة أو حتى الخاصة، أو عندما نريد تلاوته، بأن نتوجه بكل خشوع وخضوع لله، ونستقبل القبلة في حالة نفسية خاصة، لأن القرآن الكريم هو بالحقيقة المعلّم الأول للانسان، لذا يجب الجلوس والانتباه والتدبّر في آيات الكتاب المجيد، لا أن نحمّله أفكارنا وتصوراتنا، فالانسان دائم الخطأ والسهو، الامر الذي يجعله دائماً بحاجة الى المعلم وهو القرآن، فيوسف الصديق، عليه السلام، على عظمته ومنزلته لم يبرئ نفسه، فقال: { وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ}. (سورة يوسف /53)

رابعاً: خلوص النيّة

كثيرٌ من الناس يتلون الكتاب، ويتحدثون عن آيات الله ويشرحون فيها ويستخرجون الافكار المضيئة ويقدمونها للناس، بشكل مسموع او مكتوب، وهو دور ومسؤولية مهمة، لكن لمن كل ذلك؟ اذا كان الجواب لله - تعالى- ولخدمة الدين ونشره وتكريسه، فصاحبه على خير، أما إن كان يقرأ أو يكتب ليكسب استحسان الناس ومراءاتهم، فان النتيجة أن المستمعين سيذهبون الى الجنة، فيما يذهب هو الى النار، والحديث الشريف عن رسول الله، صلى الله عليه وآله: «يطّلع قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون: ما أدخلكم النار وقد دخلنا الجنة لفضل تأديبكم وتعليمكم؟ فيقولون: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله». وفي حديث آخر: «رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه». ونرجو أن لا نكون من الملعونين يوم القيامة من قبل القرآن الكريم.

وهنالك عوامل أخرى قد تزيدنا بعداً عن القرآن الكريم، لكن في نفس الوقت يجب العمل على قلب المعادلة لتكون لصالح علاقتنا بالكتاب المجيد، فالعوامل والاسباب ليست كل شيء، ولا يجب أن تكون سبب للتشاؤم والتراجع، فهذا الكتاب السماوي لا يمكن الاستغناء عنه بأي حال، لذا يجب البحث عن أفضل الطرق والاساليب للاستفادة منه، وهو ما أوصانا به أمير المؤمنين،  عليه السلام: حيث قال ضمن أواخر وصاياه قبل استشهاده: «الله الله في القرآن، لايسبقنكم بالعمل به غيركم».


ارسل لصديق