التماسك الاجتماعي ودوره في مكافحة الإرهاب الطائفي
كتبه: حيدر الرماحي
حرر في: 2016/12/29
القراءات: 549

قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، (سورة الحجرات: 10)، وورد عن أمير المؤمنين، عليه السلام، أنه قال: «الناس صنفان، إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق».

دلّت الآية المباركة، وقول أمير المؤمنين، عليه السلام، على مبدأ سامٍ من مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، إذ أشارت النصوص الواردة إلى الأخوة الإيمانية وكذا المساواة في الخلق، وهو من المبادئ الإنسانية الرفيعة، تضع كل إنسان في العالم في خط واحد فيما يتعلق بالحقوق والواجبات.

هذا المبدأ السامي تتصدع أمامه مختلف النظريات والافكار الداعية إلى الفرقة والتشتت، إذ إن هذا المبدأ هو الذي يحقق لنا وحدة الأمة بمختلف توجهاتها وانتماءاتها، لأن القيمة العليا لهذا المبدأ تكمن في آثاره التي يحققها على أرض الواقع، من تعاون على البر والتقوى، والمحافظة على النسيج الاجتماعي بطابعه الإيمانية، ونمو الأمة وازدهارها وتطورها ورقيها.

وعندما تكون مفاهيم مثل الأخوة والمساواة والتكافل، عامل بناء وتلاحماً مجتمعياً يجعل الأمة كالبنيان المرصوص، لن يبقى مكاناً لمن يبحث عن دور من النكرات في الأمة، ممن يُحسبون على الإسلام، ويعد نفسه الأكثر فهماً وعلماً واستيعاباً لقيم الدين وأحكامه، لذا نجدهم يصطنعون التطرف والتعصّب الطائفي وتحويلها الى نار يقذفونها في اوساط الأمة لتحقيق الهدف المرسوم، وهو التفرقة والتشرذم، وذلك من عبر صياغة نظريات باطلة تم انتاجها بقالب ديني والدين منها براء، في محاولة منهم لإضفاء الشرعية على اعمالهم الاجرامية وخداع اكبر عدد ممكن من ابناء الأمة عبر لباس الدين وعناوين المذهب والطائفة.

هذا التوجه لم يكتب له النجاح منذ نطفته الأولى، فقد تعرض لمواجهة شجاعة من لدن علماء الأمة ومفكريها ومثقفيها، فتم ضرب الأسس الفكرية والعقدية للتطرف المذهبي الذي يقف عليه دعاة الذبح والحرق والإبادات الجماعية، ومن ثمّ إفشال كل مخططاتهم الداعية إلى عودة الأمة الى حقبة ما قبل الإسلام، حيث التشرذم والخوف والتخلف.

 

الشعور بالمسؤولية ثمرة التعقّل

كما هو معروف؛ ليس من السهل تحقيق النجاح في أمر التقريب بين المذاهب، وتحديداً بين المذهب السنّي والمذهب الشيعي، بسبب وجود اختلافات جوهرية في قضايا عدّة، بيد أن جهوداً جبارة بُذلت أواسط القرن الماضي، من قبل فقهاء من المدرستين كان لها الأثر الكبير في التقارب ونبذ الخلافات، إذ عمل السيد عبد الحسين شرف الدين، والشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد جواد مغنية وغيرهم على التقارب المذهبي وتوحيد صفوف الأمة، وكان لجهودهم الأثر الكبير في تقارب الأفكار وتوجيه الأمة الوجهة السليمة.

وها نحن اليوم نرى بوضوح تحركات عقلاء الأمة لنبذ التطرف في الفكر والسلوك، ونشاهد بجلاء بوادر النهضة الإسلامية على مختلف المستويات والتوجهات، بعد أن ادرك ابناء الأمة أن وراء الإرهاب الطائفي، ليست دوافع دينية او مذهبية، بقدر ما هنالك رؤى ضيقة في بعض الادمغة ضمن جماعات منظمة ترعاها أجندات سياسية، لذا لا يفرقون بين سين وصاد، ولا يهمهم الانتماء، إنما يركزون على فرض الهيمنة والتسلّط على الجميع، لفرض نمط التفكير الذي يرغبون به وينسجم مع طباعهم ونفسياتهم المريضة، فيكون الجميع تحت إمرتهم كرعايا أو عبيد، ومن يخالفهم يقتل مهما كان انتماؤه.

وهذا ما دفع بأن ينهض كل من تفطّن لمخططهم الاجرامي إلى مواجهة هذا التطرف البغيض، وعملوا على رفضه وإعلان البراءة منه ومن القائمين عليه، وهذا ما أثمر لنا تعزيز التكاتف والتعاون الاجتماعي بين أفراد المجتمع، إذ إن أول نقطة مركزية عمل عليها التكفيريون؛ عزل الأمة عن إسلامها الحقيقي، ثم صياغة نظريات بديلة تؤدي الدور الذي رسموه، وشحن العقول بالأفكار المسمومة، ليجعلوا الأمة منقسمة على ذاتها، وتتوزع إلى تكتلات مذهبية ثم يحدث الانقسام الداخلي بين أبناء الأمة، ليوجهوهم لنفي الطرف الآخر من الوجود تحت ذرائع باطلة، وأنهم وحدهم من يملكون الحق المطلق، و»كل من يخالفهم على باطل، والباطل مصيره النار...»! وبهذا تحول المُغرر بهم بهذه الخرافات إلى أداة قاتلة بيد الإرهاب الإجرامي، وهذا ما يشكل سابقة خطيرة جداً رغم حدوثها المتكرر في مفاصل التاريخ، إلا أن ما يحدث اليوم يمثل إرهاباً عالمياً بغيضاً، يمثل نوعاً آخر من الاجرام ليس له نظير، وهذا ما يستدعي الوقوف الجاد للبحث عن المعالجة الناجعة لهذا الأمر الخطير.

وفي العراق؛ أكد أبناء الشعب العراقي للعالم أجمع عبر ثقافتهم العالية، وحسهم الوطني، وشعورهم بالمسؤولية، وحبهم لوطنهم، ورفضهم مخططات الصهاينة الداعية إلى التقسيم والتقاتل المذهبي، والعنصر المهم في هذا النجاح؛ وحدة أبناء الوطن تحت لواء الأخوة؛ هذا القاسم المشترك بين الجميع، هو الذي دفع نحو مواجهة التطرف الداعي إلى ضرب أُسس الوحدة الاسلامية، وتوجد شواهد تاريخية كثيرة على وحدة الأمة وتمسكها بأهدافها النبيلة وقيمها العليا، وكذا توجد شواهد معاصرة تدل على ذلك.

فمن الشاهد التاريخي؛ قضية الإمام الحسين، عليه السلام، إذ لم تنطلق هذه الحركة من جزئيات المسائل وصغريات العناوين لكي توصف بأنها حركة مذهبية قام بها أهل البيت، عليهم السلام، واتباعهم، إنما انطلقت النهضة الحسينية من عناوين كبرى في الإسلام والإنسانية، لذا نلاحظ مشاركة المسلم والمسيحي واليهودي في إحيائها، لأن الجميع يلتقون مع شعار الثورة المباركة وقيمها العليا الداعية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورفض الظلم مهما كان مصدره، هذه القيم النبيلة التي ثار من اجلها الثائرون هي ما خلّد هذه الثورة وجعلها صورة ثابتة في أذهان البشر.

أما الشاهد المعاصر، فيتمثل بنهضة العراقيين الأصلاء لمحاربة العصابات التكفيرية، من منطلق الدفاع عن النفس المحترمة ورفع الخطر الإرهابي عن أبناء الشعب، لذلك نرى نداء المرجعية يتسم بالطابع الإنساني في الدفاع عن جميع العراقيين بعيداً عن التوجيه المذهبي أو الفئوي أو العرقي، وهذا ما يكشف لنا عن حسن النوايا وصدق السريرة، ومن خلال ذلك يتضح لنا أن فتوى الدفاع المقدس لم تنطلق من العناوين الضيقة، بل انطلقت من العناوين الكبرى والقيم العليا في الإسلام، وهذا ما عزز من وحدة النسيج الاجتماعي وتلاحم أبناء الأمة، وهو عامل القوة المتين الذي منع من اختراق نسيجه المتشابك بروح الوطن وقوة العقيدة وثبات القيم.

وفي الختام؛ ندعو إلى العمل المشترك على بث مفاهيم الوحدة الإسلامية وثقافة التعايش والاحترام المتبادل في ظل مشتركات ونقاط التقاء عدّة، ليكون لنا جيل متعقّل خالٍ من التطرف والتعصّب المذهبي.


ارسل لصديق