في يوم المبعث نستذكر حاجتنا الى «الأخلاق»
كتبه: الحسن حيدر العامري
حرر في: 2016/05/05
القراءات: 574

في السابع والعشرين من شهر رجب تمر علينا ذكرى المبعث النبوي الشريف وهو يعد من الأيام العظيمة، نستذكر أبرز معلم في شخصية خاتم الانبياء والمرسلين، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله؛ وهو الاخلاق.

كانت الاخلاق في شخصية النبي الأكرم، تجسيداً حيّاً، بل كانت الاخلاق - بالحقيقة - تسير على قدمين، منذ نعومة أظفاره، وحتى شبابه، ومن ثم بعثته نبياً ورسولاً هاديا.

وهذه تحديداً، كانت من الحلقات الضائعة لدى المؤرخين والمفكرين الغربيين الذين بحثوا في شخصيته، وفي تاريخ الاسلام، وكيفية نشوئه وتقدمه، ودائماً كان التساؤل يؤرقهم: كيف تمكن النبي الاكرم، من تحويل قبائل وشعوب عاشت بعيدة عن القيم الانسانية والاخلاقية، وكانت تحكمها مفاهيم القوة والقسوة، الى شعوب تنشر السلام والمحبة والرقي الى أصقاع العالم؟

الاجابة عن سؤال كهذا، ليس اليوم، إنما لدينا منذ الايام الاولى من تاريخ الاسلام، حيث نقل لنا الامام علي بن أبي طالب، عليه السلام، صفات وسلوك النبي الاكرم، كما نقل المؤرخون عن مواقفه وسلوكه بين الناس، قبل وبعد البعثة، وكيف واجه القسوة والغلظة بالابتسامة، والعداء والبغضاء بالصبر وطول الأناة. فبالرغم من الانتصارات التي حققها النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، وكانت برعاية من الله - تعالى- إلا أن ذلك كان اقتراناً بعوامل عديدة، ومن أهم تلك العوامل هو سمو أخلاقه، صلى الله عليه وآله، لدرجة أنها أثرت في نفوس ألدّ أعدائه. ففي فتح مكة وعندما هُزم المشركون واستسلموا أمام النبي، صلى الله عليه وآله، ورغم كل جرائمهم وعدائهم للإسلام والمسلمين، وإلى شخص النبي بالذات وإلى أهل بيته، عليهم السلام، إلا أن نبي الرحمة والإنسانية أصدر أمراً بالعفو العام عنهم جميعاً، وغض الطرف عن جميع الجرائم التي ارتكبوها، وهذا شكّل مفاجأة كبيرة للمشركين المتبقين في مكة، إذ كانوا يتوقعون الانتقام او رد الإساءة بمثلها، ولكن لم يحصل مثل هذا مطلقاً، فكانت السبب في دخول الكثير منهم في دين الله أفواجا، فنزلت الآية الكريمة: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}، (سورة النصر).

وجاء في الحديث عن الإمام الحسن، عليه السلام، قال: سألت أبي أمير المؤمنين عن رسول الله كيف كانت سيرته في جلساته؟ فقال: «دَائِمَ الْبِشْرِ، سَهْلَ الْخُلُقِ، لَيِّنَ الْجَانِبِ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلا غَلِيظٍ، وَلا صَخَّابٍ وَلا فَحَّاشٍ، وَلا عَيَّابٍ وَلا مُشَاحٍ، يَتَغَافَلُ عَمَّا لا يَشْتَهِي، وَلا يُؤْيِسُ مِنْهُ رَاجِيهِ وَلا يُخَيَّبُ فِيهِ، قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلاثٍ: الْمِرَاءِ وَالإِكْثَارِ، وَمَا لا يَعْنِيهِ، وَتَرَكَ النَّاسَ مِنْ ثَلاثٍ: كَانَ لا يَذُمُّ أَحَدًا وَلا يَعِيبُهُ ، وَلا يَطْلُبُ عَوْرتَهُ، وَلا يَتَكَلَّمُ إِلا فِيمَا رَجَا ثَوَابَهُ، وَإِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ، كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ، فَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا لا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ، وَمَنْ تَكَلَّمَ عِنْدَهُ أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ، حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَوَّلِهِمْ، يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ، وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ عَلَى الْجَفْوَةِ فِي مَنْطِقِهِ وَمَسْأَلَتِهِ حَتَّى إِنْ كَانَ أَصْحَابُهُ وَيَقُولُ: إِذَا رَأَيْتُمْ طَالِبَ حَاجَةٍ يطْلُبُهَا فَأَرْفِدُوهُ، وَلا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلا مِنْ مُكَافِئٍ وَلا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَجُوزَ فَيَقْطَعُهُ بِنَهْيٍ أَوْ قِيَام».

وجاء في الكثير من الروايات عنهم، عليهم السلام، أنه، صلى الله عليه وآله، قال: «أدبني ربي فأحسن تأديبي»، وقد جاء المديح الإلهي من السماء تتويجاً لهذه المنزلة العظيمة: {وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}.

ولو لم تكن هذه الأخلاق العظيمة والكريمة، وهذه الملكات الفاضلة، لما أمكن تطويع تلك الطباع الخشنة و القلوب القاسية، ولما أمكن تليين أولئك القوم الذين كانت قلوبهم أقسى من الحجر. أولئك الذين كانوا منغمسين في الجهل والتخلف، بل لولا تلك الأخلاق الفاضلة، لتفرق عنه الناس، يقول - تعالى-: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}.

وهذا يمثل لنا درساً كبيراً وبليغاً لأن نلتزم القيم الاخلاقية في حياتنا اليومية،وفي مختلف علاقاتنا الاجتماعية، وايضاً على مستوى العلاقة بين المجتمع والدولة وبين الحاكم والمحكوم. فمن يدّعي أنه يحب رسول الله، صلى الله عليه وآله، عليه اتباع سيرته، ومنها الجانب الاخلاقي في هذه السيرة العطرة.


ارسل لصديق