البهتان من محاولة للتسقيط الى سلاح للقتل المعنوي
كتبه: ياسر عبد الأمير
حرر في: 2016/08/11
القراءات: 438

إشاعة روح المحبة والمودة بين افراد المجتمع الإسلامي؛ من الأهداف العليا لمبادئ الإسلام، ولذا تناولت النصوص الإسلامية من آيات وأحاديث، المواضيع الأخلاقية وجعلتها في مقدمة أولوياتها، لأن الغاية؛ هي إشاعة وتكريس روح التسامح، وتأسيس المجتمع الفاضل.

بيد أن هذه الفضيلة والسمة الاخلاقية، تواجه تحدياً كبيراً على الصعيد النفسي (الفرد)، وعلى الصعيد الاجتماعي، وهذا التحدّي أشبه ما يكون بالفيروس - من بين فيروسات عديدة تضرب المنظومة الاخلاقية- ألا وهي «البهتان».

وقد عالجت النصوص الإسلامية هذا الموضوع بشكل دقيق ومكثف، فقد جاء التحذير صريحاً في العديد من الآيات القرآنية منها: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِيناً}، (سورة الأحزاب: 58)، وفي آية أخرى: {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}. (سورة النساء:112)

 

مرض نفسي هدّام

ما نستشفه من الآيتين الشريفتين أن الشخص الذي يتهم الناس بما ليس فيهم، هو مصاب بمرض نفسي، وهو الشعور بالوضاعة، وقد أصيب بهذا المرض لأسباب عديدة منها: فشله في تحقيق الافضل من الاعمال الصالحة في شتى الميادين، وسواءً لنفسه وأهله أو للآخرين، وايضاً عدم الصبر على الازمات والمنغّصات في حياته، هذا فضلاً عن انعدام الورع وتقوى الله، مما يدفعه على ارتكاب هذا الفعل الشائن، فيحاول عن طريق إلصاق التهم بالآخرين، التغطية على ما فيه من ثغرات وعوامل فشل.

فمن سوء حظ المرء أن يتورط في الخوض في أعراض الناس، وخاصة المؤمنين منهم، فليس لهؤلاء محامٍ وناصر غير الله، فمن يتعرض لهم بظهر الغيب بلسانه أو بيده، فإنه سيجد الله ناصرهم عليه، وقبل أن يفضح أمرهم سيكون هو المفضوح، لأنه في واقع الأمر يعلن الحرب بذلك على الله.

وهنا تحديداً يكمن الخطأ في تصور البعض ممن يمارسون البهتان، فشعور الإنسان بالنقص لا يكون علاجه من خلال اتهام الآخرين بأنواع التهم والرذائل، فليس مثل هذه التهم ما يشوه سمعة أولئك، كما لن يحل مشكلة هذا الانسان، ولن يرفع النقص عنه، بينما المحصلة النهائية، يكون محلاً لغضب الله، ومحطاً للذنوب والخطايا.

والبهتان هو من أعظم الذنوب وأشدها سوءاً، وقد وعد الله - سبحانه وتعالى- مرتكبها بأشد العذاب والألم، فعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «البُهتان على البريء أثقل من الجبال الراسيات»(1).

وهذا وصف لحجم البهتان العظيم، فقد وصف بأنه أثقل من الجبال الراسيات، وذلك أن مرتكبه يتهم أحدهم تهمة ولا يعلم حتى أين وكيف ستضره، وربما استمر ضررها سنوات وسنوات.

يُحكى أن رجلاً كان يرغب بتزويج ابنه من ابنة جاره، وقد تقدم غيره لخطبتها، فسألوه عن حالها، فنعتها بأسوأ النعوت والأوصاف، واتهمها في عرضها حتى لا يتجرأ أحد على خطبتها، وتظل هي طوع إرادة ابنه حتى يتزوجها وقتما يشاء، ولمّا بلغ الابن مبلغ الرجال، فاجأ الجميع بعزوفه عن الزواج بها.

فظلّت الفتاة عانساً حتى بلغت الشيخوخة، نتيجة لاتهام ذلك الرجل لها في عرضها وعزوف الخطاب عن التقدم إليها لما عرفوا عنها سوءاً.

وهنا يجب أن نسأل: كم سيتحمل هذا الرجل من الآثام باتهامه فتاةً بريئة في عرضها.

وسبب لها كل هذا الإزعاج النفسي والروحي؟ وما هو العقاب المناسب الذي يستحقه الرجل، لأنه حرم فتاةً غضةً من الزواج والتمتع بالحياة؟

وعليه؛ ليس هناك من مبالغة في وصف البهتان بالجبال الراسيات، لأنه كما يتبين، أثقل منها.

فمن يحكمونه بالإعدام فإنهم في الواقع يعدمون بدنه، بينما من يتعرض للاتهام زوراً وبُهتاناً، فانه يتعرض لقتل معنوي وربما مادي في آن واحد.

كما حصل مع تلك الفتاة المسكينة التي لم تتذوق حلاوة الحياة، بسبب قول بهتان لمصلحة شخصية.

وبعد هذا لن يغفر الله لهذا المرء ذنبه، لأن الفتاة هي صاحبة الحق، ولن تترك هذا الرجل حتى تلقي على كاهله بكل سيئاتها وتأخذ منه ما بقي من حسناته وتدخله حر الجحيم.

فليس لانسان من امل يوم القيامة في ان يغصب حق آخر ويقول: سيعفو عني، فهناك حيث نار جهنم والعذاب الشديد لايقول المرء غير (وانفساه).

 

آثار اجتماعية واسعة

إن البهتان أحد الذنوب العظيمة التي لا يعرف الناس تبعاته، ويظنون أنه مجرد كلمة تقال على شخص أو تهمة يتهم بها، ولايعرفون أن التهمة الواحدة قد تؤدي إلى ضرر يستمر لسنوات وسنوات.

وكل تبعاته تقع عليهم، وانهم سيحاكمون على هذا الضرر في الدنيا والآخرة.

وحول العذاب الذي سيعذب به الإنسان يوم الحساب الأكبر نتيجة لهذا الذنب العظيم، يقول الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، «من بهت مؤمناً أو مؤمنةً أو قال فيه ما ليس فيه أقامه الله تعالى يوم القيامة على تلٍّ من نار حتى يخرج مما قال فيه»(2).

فهذا التصوير لوضع مرتكب هذه الجريمة وإن كان على سبيل التشبيه لتقريب الصورة.

فإن الغرض من ذلك بيان عظمة هذه الجريمة وتحذير الناس منها، لإن ثقلها في الميزان يُطيح بالكثير من الأعمال الحسنة.

من هنا فان على المرء ان لا يغتر بما عنده من مكانة اجتماعية وعلاقات ليطلق عنان لسانه بما يريد ويرغب وما يحقق مصالحه، وعليه أن يتذكر دائماً أن اللسان وضعه الله - سبحانه وتعالى- في سجن الفم حتى لا ينطلق من دون عنان، يهدر ويهذر، فمن جعله أمامه قاده إلى نار جهنم، ومن وضعه وراء عقله وجعله في خدمة فكره وعقيدته قاده إلى جنة عرضها السموات والأرض.

إن إشاعة مثل هذه الآثام في صفوف المجتمع الإسلامي، تؤدي إلى تفتيته وتقويض روابطه الحسنة لأنها تساعد على نشر عدم الثقة بالآخرين، والتشكيك في سمعتهم ومصداقيتهم، كما أنها ذات أثر على الأفراد الذين تقع عليهم التهم، فهؤلاء سيتعرضون إلى الضغوط النفسية والى العزلة الاجتماعية خاصة إذا أشيع ما اتهموا به على نطاق واسع في المجتمع، فهؤلاء سيرجحون عزلة الناس حتى لا يلاحظوا نظراتهم وهي تلاحقهم بالإزدراء.

لقد وصف الله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}، (سورة الأحزاب: 58)، فقد وصف عزّ وجل، البهتان بالأذى، ولابد هنا أن نصل إلى المرتبة التي نستطيع أن نميز بها مقدار الأذى الذي يصيب الإنسان عندما تتوجه إليه التهم الباطلة، فهل نملك القدرة على تشخيص مقدار الأذى؟

لا أحد يستطيع أن يزعم بأنه يعرف بدقة مقدار ما تسببه الكلمات البذيئة من ضرر نفسي وحياتي على الناس، والضرر الذي يلحق بالروح، أشد وقعاً وتأثيراً من الأذى الذي يصيب الجسم، فأذى البدن يبرأ وأذى الروح قد يمتد ويطول مع العمر كله.

------------

(1) بحارالانوار/ ج7 / ص192

(2) بحارالانوار/ ج75 / ص194.


ارسل لصديق