زينب والإعلام الثائر
كتبه: رباب عبد الحسين
حرر في: 2016/11/10
القراءات: 373

في عالم واسع، نتيه بين النماذج؛ نأخذ من هذا وذاك كيما نُنهي تجميع قطع الصورة المبعثرة لشخصياتنا.

قد يستغرق منّا ذلك عمراً، وقد يضيع العمر ولا تكتمل الصورة لدينا.

وفي هذا التيه، قد نعي الصورة النهائية ونسعى من خلال هذا الوعي لإكمالها، او يلهينا الجمع عن اختيار ما يجب اختياره، فلا نحصل بعده على سوى صورة مشوهة لا ترغب العصور بالاحتفاظ بها.

ولطالما كان العمل المتقن محطاً للأنظار وملفتاً للعقول، فكيف إذاً بعمل من صنع الله وتسديده؟!

إن اللوحة التي رسمتها السنين لشخص العقيلة زينب، عليها السلام، مثار للإعجاب ودعوة للتأمل والانبهار، فلم تكن زينب، عليها السلام، لتُصنع في يوم كربلاء، وبلا خطة إلهية مسبقة وحكيمة.

هذه اللوحة التي أبدعتها أنامل الزهراء وعلي، عليهما السلام، ومنها علمت ان لها دوراً لا ينوء بحمله غيرها، علمت مسبقاً بالمصاعب، وأدركت قيمة الهدف، وبُشرت بالعاقبة فاختارت أن تتحمل العبء وتستعد للتضحية و﴿...اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. (سورة الأنعام، 124). زينب، عليها السلام، جمعت خلاصة التجارب لتصل الى الصورة الكاملة التي تمثل دورها، فكانت اللسان الصارخ في وجه الظلم والطغيان في كل الازمنة والأمكنة؛ كانت وزيرة الإعلام للثورة الحسينية.

 

 لسان الثورة الناطق

لما كان الامام الحسين، عليه السلام، عارفاً بأساليب اعدائه الملتوية في إغواء الناس وتضليلهم، ولما عرف من مكرهم، وثقته بانهم سيسعون بعد قتله الى تشويه صورة ثورته المقدسة، كان لابد له من التفكير في صناعة إعلام ثوري مقابل اعلام العدو؛ فكان، عليه السلام، في كل خطواته وبمرأى من زينب، عليها السلام، يوضح أهداف ومنطلقات ثورته ويكشف انحرافات الأمويين وفسادهم، ويؤكد على المسؤولية الملقاة على عاتق المسلمين للوقوف أمام هذا الانحراف، وذلك؛ منذ خروجه من المدينة والتقائه بجموع الحجيج، ثم التخلّي عن إحرامه في مكة، وحتى انطلاق مسيرته نحو العراق، ووقوفه على أرض كربلاء، حتى آخر لحظات عمره الشريف، لم يغفل لحظة واحدة عن إفشال المخطط الاعلامي الأموي، ومساعيه التضليلية، وإيصال رسالته المقدسة منطلقاتها الى الجماهير، ولأن استمرار إعلام الثورة بعد الواقعة أهم، كان اختياره الحوراء، عليها السلام، لصحبته في هذه المهمة الإلهية، أمراً لا بد منه، فهي بذرة سيد البلغاء التي استقت منه الحكمة والبلاغة، وهي؛ «عالمة غير معلمة، وفَهمة غير مفهمة»، كما وسمها الإمام زين العابدين، عليه السلام، في حديث دار بينهما بعد الواقعة.

 

 زينب تفرغ عن لسان أبيها أمير المؤمنين

في أصعب المراحل وأمام أنظار المئات، وربما الآلاف، وفي مجلس الطغاة الظالمين، كانت مثال الشجاعة، والبيان الرصين، والبصيرة النافذة الذي يتفجر بلاغة وحكمة ليغرقهم في العار، ويرسي سفينة الثورة على ارض الشموخ والخلود، وكان منها، عليها السلام، ما سجله التاريخ:

 1- فضح أهل الكوفة وإفساد احتفال النصر

في المدينة التي كانت يوماً سيدة زمانها (الكوفة)، دخلتها زينب هذه المرة، أسيرة وسط احتفال النصر الأموي على من وصفتهم السلطة بمن «شقّوا عصا المسلمين»، و»الخارجين على الحكم والنظام»، فنطقت بما كان ضربة في الصميم؛ بكل هيبتها بدأت، فأومأت الى الناس ان اسكتوا، فارتدت الانفاس و سكنت الاصوات!

واجهت اهل الكوفة بمسؤوليتهم المباشرة في وقوع الجريمة، وكشفت لهم حقيقة نفوسهم الدنيئة، وإيمانهم المهزوز، وازدواجيتهم، كما بينت لهم الابعاد الحقيقية للفاجعة، وانها ليست حركة تمرّد على حاكم وتم القضاء عليها، كما اراد بنو أمية الإحياء بذلك الى الأمة، وذكرتهم بمكانة الحسين، عليه السلام، في الاسلام وعند رسول الله، صلى الله عليه وآله، وانهم بقتله، قد اعتدوا على ذات الرسول الأكرم، وأنذرتهم بالانتقام الالهي منهم.

2- زينب تسقط هيبة ابن زياد

وسط نشوة الانتصار ورغبته في الشماتة وإصراره على افقاد الحوراء، عليها السلام، جرأتها لتنهار فيتمكن من ادخال الرعب في قلوب كل من يأبى مبايعة يزيد، جاءت كلماتها، عليها السلام، بعد تجاهل حكيم لاستفزازاته لها لتنبئه عن فشله وتسقط هيبته بكل شجاعة، فكانت غاية البلاغة، فيما تحول ابن زياد الى إنسان أبكم.

وقفت بشجاعة لتعلن له امام كل من جاء ليشهد نصره، انها لا تشعر بالهزيمة، وما حدث إنما هو من «الجميل»، لأنه استجابة لأمر الله في الجهاد ضد الظلم وأن المعركة بدأت للتو، وأن نهايتها يوم القيامة وهناك يكون النصر الحقيقي.

3- زينب تحطم كبرياء يزيد و تصيبه بالحيرة

بعد مهرجانات النصر في الشام، واستعراض «السبايا» في عاصمة الدولة الأموية، ادخلوا عيال الإمام الحسين، عليه السلام، وذرية النبي الأكرم، الى مجلس الطاغية يزيد - لعنه الله- وهم في حالة يرثى لها من التقييد بالحبال والحديد، فيما كان الطاغية متربعاً على سرير جبروته، ينكت الثغر الشريف بقضيب له، بعد أن وضعوا الرأس أمامه، وهو يترنم بأقواله:

 

ليت اشـــــــياخي ببدر شهدوا   

جزع الخزرج من وقع الاسل

لأهـــــلوا واســـــتهلوا فـــــرحا      

ثم قـــــالـوا يا يـــــزيد لا تـــــشل

 

هنالك قررت العقيلة، عليها السلام، ان تضع حدّاً لهذا التعالي المصطنع، وتسجل أروع مواقف الدفاع عن الحق.

وبشجاعة لم يعهدها ذلك المجلس سابقاً، وقفت وبكل حزم، وبكل هيبة وشموخ لتبين لكل من حضر عنده لمشاهدة نصره، خلفيات تلك المعركة؛ تدين الجرائم الاموية بحق أهل البيت، وتوضح مظلوميتهم، وتوبخه على أقواله التي جاء فيها الكفر والتنكر للوحي المنزل من السماء، وللدين بشكل عام، وتبين للجميع أصوله الشركية المعادية للدين، وما قام به أجداده من محاربة الاسلام ومحاربة الرسول الذي يدّعي أنه خليفته، وتتوعده بمصير اسلافه في جهنم.

وفي جانب آخر، تشيد امام الجميع بأهل البيت، عليها السلام، و تفخر بهم وتذكر يزيد بفضل جدّها عليه وعلى أبيه وجده بمناداته: «يا ابن الطلقاء...»! و تؤكد له انه بالرغم من النصر الزائف إلا انه ملطخ بأوحال الهزيمة، وتتحداه في ان يحقق اهدافه في طمس ذكر اهل البيت، عليهم السلام: «...فكد كيدك، واسعَ سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، وما أمرك إلا بدد، وأيامك إلا عدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على القوم الظالمين».

كل ذلك؛ وهي ترى أنها أكبر وأسمى من أن تكلمه او تخاطبه لولا ما فرضته عليها الظروف؛ «... ولئن جرت عليّ الدواهي مخاطبتك، إني لاستصغر قدرك واستعظم تقريعك واستكثر توبيخك».

ولنا ان نتصور ما لهذا الاستخفاف والتوبيخ والتحقير لفاجر مثل يزيد من أثر، أمام الجموع التي اراد ان يتباهى بنصره الزائف أمامهم.

ولكن كيف يتصرف؟ لقد حطمت كبرياءه بذكاء حاد، فألجمت لسانه عن الرد، وكبلته بالحيرة.

4- (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ).

بكل حنين وألم؛ وبكل ذكاء وفطنة لتخليد القضية، تعود زينب، عليها السلام، الى أرض الفاجعة لتقف على القبر الشريف وكأنها تخبره انها قد ادت الدور وتوعده بالاستمرار على النهج.

تعود لتلهب مشاعر المتقاعسين عن نصرته، بالمزيد من الأسى لعظيم ما حدث، ولتدعو الناس للتفكّر في هذه الثورة المقدسة وضرورة مراجعتها لأخذ الدروس والعبر منها، علّهم يحظون بشيء من التغيير والخلاص من واقعهم الفاسد.

5- خرجت بعزها وعادت بقضية

إن العودة الى الموطن بعد هزيمة عسكرية او خسارة مادية معينة، تفرض على أي إنسان مشاعر الضعة والانكسار، إلا زينب، شقيقة الحسين، عليهما السلام، فهي عادت الى مدينة جدّها منتصرة بالقضية الحسينية.

وفي وقفة ذكية على مشارف المدينة، جاء القرار بالتوقف لفترة معينة، وإرسال من ينعى الحسين، عليه السلام، لأهالي المدينة عند مسجد رسول الله، فلا يدخلون البيوت بصمت الذليل، بل بقضية بدأت بفاجعة لآل البيت وخلدت بهم.

وحين أجاد الدور؛ ذلك الشاعر المفوّه (بشر بن حذلم) بتكليف من الإمام السجّاد، عليه السلام، واجتمع الناس على الخبر، دخلت العقيلة زينب بشموخها، مع سائر أفراد الأسرة النبوية لتنسف التضليل الإعلامي لآل أمية.

ومنها عادت القضية الى المدينة لتتحول الى جذوة نار متقدة، كما حصل الشيء نفسه في كل بقعة نزل بها موكب «السبي».

 

 أراد اسكاتها فخلُدت

كان قرار إبعاد السيدة زينب، عليها السلام، من المدينة الى الشام، قراراً يفتقر الى الحكمة.

ان عودتها الى ارض من أصدر الحكم بتصفيتها وأهلها وتشويه صورة ثورتهم عليه، قد فتح عقول وقلوب الشعب المضلل في بلاد الشام، فخلد صوت زينب وانطفأ صوت الأمويين.

لذا فعند قبتها يكمن انطلاق العقل، ليميز الزائر بين العبقرية الاعلامية للثورة المقدسة، انه الاعلام المسدد سماوياً؛ {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}.


ارسل لصديق