الشعائر الحسينية وتقوى القلوب
كتبه: زهير ابراهيم حمودي
حرر في: 2016/11/13
القراءات: 562

طالما نبحث عن العلاقة الوثيقة بين إظهار مختلف أشكال الحزن على الإمام الحسين، عليه السلام، من بكاء ولطم على الصدور وإدماء الظهور والرؤوس جزعاً على المصاب الجلل، مع سائر أشكال الشعائر الحسينية، وبين تقوى الله - تعالى- فالجميع يتوقعون ممن يقيم الشعائر الحسينية أن يكون من المتقين، وصاحب قلب نظيف ونزاهة نموذجية، كونه يربط سلوكه وأعماله بقضية مثل قضية الامام الحسين، عليه السلام.

في سورة الحج، ثمة آيات كريمة تتحدث عن أحكام الحج وسمها القرآن بـ «الشعائر»، ومنها الآية الكريمة: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}، (سورة الحج: 32) فهي توثق العلاقة بين شعائر الله - تعالى- وبين التقوى التي لن تكون في سوى القلب.

وأن يكون القلب مكمن التقوى؛ مسألة تستوجب التوقف والتأنّي، فقد بين العلماء أن التقوى، مثلها مثل سائر الملكات والخصال النفسية، ترتبط بعُرى وثيقة مع شخصية الانسان، فهي تمثله وتطبع شخصيته في الواقع الخارجي، وهذا ما أضاء اليه سماحة الفقيه الراحل السيد محمد الشيرازي - قدس سره- في كتابه «الشعائر الحسينية»، بأن التقوى، كبقية الملكات والصفات الطيبة، محلها القلب، كما أن الصفات السيئة، محلها القلب أيضاً، ويستشهد سماحته بحديث النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، عن التقوى بأنها «ها هنا...» ويشير الى صدره المبارك، بمعنى أن التقوى قبل أن تكون في جوارح الانسان؛ من لسان ويد وعين، تكون في صدره وقلبه، كما هي الشجاعة والكرم والحلم.

وجود التقوى في القلب له مردود إيجابي على الفرد والمجتمع يمكن اختصاره بمسألتين:

الأولى: الثبات والارتكاز في الثقافة والسلوك.

فما ينبت في القلب ليس من السهل تغييره، فـ «الخصلة» عكس «الحالة»، قابلة للتغيير والتحوّل من حال الى آخر، تبعاً للظروف، لذا لا يُعقل أن يتحوّل إنسان شجاع الى إنسان جبان فجأة.

كما لا يُعقل أيضاً، أن يتحول إنسان كريم الى إنسان بخيل مرة واحدة، بينما نجد التفاعل مع الأحداث العامة في المجتمع، وما تفرزه هذه الحالة من حالات أخرى مثل الاحتجاج او نقيضه؛ التأييد والتصفيق وغيرها كثير، فإنها قابلة للتغيير، وربما لا تدوم سوى أيام، فالتصفيق والهتاف بحياة هذا الزعيم او ذاك، يتحول بعد فترة وجيزة الى لعنات وسباب وتسقيط.

ومن أجل ذلك، يكون الانسان المتقي، فرداً مميزاً ومحورياً في المجتمع، لان دائماً تكون الحاجة اليه، فهو البوصلة والمعيار لكل الفضائل، ومحل ثقة عالية بين الناس.

والمسألة الثانية: الانعكاس على صعيد الواقع، وهذا - لعمري- يجسد أهمية التقوى ودورها وتأثيرها في الحياة، فالصفات الذاتية والباطنية التي تكون جزءاً من شخصية الانسان، لابد وأن تظهر في الواقع الخارجي، فاذا تعرض البلد الى عدوان خارجي، كما حصل في العراق -مثلاً- وكانت الحاجة الى صفة الشجاعة والبطولة في صد هذا العدوان، فلابد من ظهورها اذا كانت حقاً في نفوس الشباب والرجال، ففي هذه الحالة يفتخر هذا البلد أو ذاك الشعب بأبطاله الشجعان الذين سطروا ملاحم النصر بدمائهم وتضحياتهم.

ومن جملة مظاهر التقوى، ما تناولته الآية الكريمة المشار اليها: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ...، فالذي يعظم شعائر الله، يكون بالضرورة حاملاً لملكة التقوى في نفسه، كون شعائر الله - تعالى- تمثل علائم وطرقاً تهدي الانسان الى الله - تعالى- كما هي الشعائر المذكورة في القرآن الكريم، بخصوص مناسك الحج، وكما هي ايضاً؛ المسجد، فهي شعيرة من شعائر الله، فالذي لا يعظّم المسجد، فهذا دليل عدم وجود التقوى في قلبه، او ربما ضعف هذه الخصلة والملكة وعدم تجذرها في القلب.

فاذا كان المسجد او الصفا والمروة، وهي من الجمادات، لها هذه القدسية والمنزلة حتى باتت من شعائر الله - تعالى- فان الامام الحسين، عليه السلام، وهو سبط رسول الله، خاتم الأنبياء، وكان في يوم عاشوراء، آخر ابن بنت نبي في الارض، لهو جديرٌ بأن يكون خير الشعائر الإلهية، لما يمتاز به من تجسيد للقيم الدينية والإنسانية والأخلاقية، وكل ما جاء به الأنبياء وما دعت اليه السماء.

وأجدني ملزماً بالإشارة - استطراداً- في هذا السياق الى من يتساءل عن وجاهة تسمية مجالس العزاء والرثاء على مصاب الامام الحسين، عليه السلام، بأنها «شعائر حسينية» بدعوى الرؤية القاصرة بأن الشعائر المذكورة في القرآن الكريم، خاصة بالفرائض الدينية مثل الصلاة والصوم والحج، كما لو ان إحياء ذكرى عاشوراء لا علاقة لها بالدين والشريعة...!!

من هنا؛ نكون جميعاً أمام الحقيقة الكبرى في أمر الشعائر الحسينية، بأنها تمثل القمة في التديّن والالتزام بالأحكام الشرعية، فضلاً عن القيم الأخلاقية والإنسانية التي طالما تعلمناها من مدرسة كربلاء.

إن إقامة الشعائر الحسينية في جميع أنحاء العالم، لاسيما في عراق المقدسات وتحديداً في مدينة الحسين، عليه السلام، له طابع اجتماعي بارز، حيث تلتحم جهود الشباب في المواكب الراجلة وإعداد التكيات والإضاءات وإعداد الطعام، مع جهود خطباء المنبر الحسيني في طرح الموضوعات المحورية والمهمة، ومع جهود كبار السن في إدارة المواكب وتهيئة المستلزمات، وهو ما يضع الجميع أمام مسؤولية دينية وأخلاقية لإظهار التطابق بين تقوى القلب وبين الشعائر الحسينية، من خلال الورع من كل ما يخالف الشريعة والأحكام، حتى الأمور الجزئية البسيطة.

لنفترض أن أحدنا في ضيافة مسؤول كبير في الدولة، بحضور عدد كبير من المسؤولين والشخصيات البارزة، كيف يكون سلوكنا وتصرفاتنا؟ هل تبدر منّا حركة طائشة او كلام غير محسوب؟ ربما في أماكن كهذه، يكون الواحد منّا فاقداً للحركة والكلام، إلا عند الضرورة والحاجة التي يراها.

ونحن في أيام محرم الحرام وصفر الخير، في محضر شخصية يقر جميع شخصيات العالم على أنه الرمز الخالد للحرية والكرامة والتصدي للظلم والفساد. بما يعني أن نكون بالمستوى الذي يعطينا مصداقية الانتماء الى مدرسة الامام الحسين، عليه السلام، ونهضته، وإقامة الشعائر الحسينية هذه الأيام تمثل الفرصة الوحيدة كل عام لتقويم السلوك الإنساني والوصول الى المستوى المطلوب من تقوى القلب.


ارسل لصديق