(القصاص والدِّية والعفو) في التشريعات الإلهية والقانون الوضعي
كتبه: أحمد السيد عبدالله حيدر الشرع
حرر في: 2017/01/01
القراءات: 448

إن النسبة إلى سائر التشريعات الإلهية، تختلف بين إثبات تشريع القصاص والإلغاء، ففي التشريع اليهودي اعتبر الحكم في الجنايات هو القصاص، ولم يُسن للعفو والدية أحكام، إلا في حالات معينة، كما ورد في التوراة في الفصل الخامس والثلاثين، وذُكر في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}، ( سورة المائدة: 45).

وأما التشريع في الدين المسيحي، فلا يُرى في موارد الجنايات إلا العفو والدية، وليس للقصاص فيه سبيل إلا في موارد خاصة.

وأما في سائر التشريعات - سواء كانت وضعية أو غيرها - فهي تختلف في هذا الحكم، ولا يمكن جعلها تحت ضابطة كلية، وإن كانت لا تخلو عن القصاص في الجملة. وإن الإسلام اختار الطريق الأمثل، وسلك مسلكاً وسطاً بين الإلغاء والإثبات، فحكم بالقصاص، ولكن ألغى تعيينه، فأجاز العفو والدية بلحاظ جميع جوانب هذا الحكم، وأحكمه أشد الإحكام، وسدَّ باب الجدال والخصام، وأبطل شبهات المعترضين.

مع ذلك فقد اعترض على تشريع القصاص في الإسلام خصومه؛ فادَّعوا أنه خلاف إنسانية الإنسان؛ وقد استُدل على إلغاء هذا الحكم بأمور هي:

أولاً: إن تقرير حق الاقتصاص؛ إقرار للعادات السيئة التي كانت سائدة في الشعوب الجاهلية، والأقوام البدائية. وهذا باطل لأسباب منها:

1- لأن نظرة الإسلام في هذا الحكم هو تربية الإنسان على الصلاح، ويرفض معها كل ظلم وانتقام، ولم يكن ينظر إلى تقرير عادة أو إبطالها.

2- إن حب الانتقام غريزة من غرائز الإنسان، والإسلام إنما أراد تهذيبها وكبح جماحها، خلاف ما كانت الأقوام وقت نزول القرآن.

3- إن فائدة تشريع القصاص إنما ترجع إلى الجماعة والصالح العام، شأنه شأن غالب التكاليف الإلهية.

ثانياً: إن القوانين الوضعية التي وضعتها الأمم الراقية لا ترى جواز عقوبة الإعدام مطلقاً، وترفض إجراءها بين البشر، معتمدين في ذلك على أن القتل مما ينفر عنه الطبع، ويستهجنه وجدان كل إنسان؛ وأن القتل على القتل يكون فقداً على فقد، وأن القتل بالقصاص فيه من القسوة والانتقام زيادة على نفس القتل الواقع من الجاني، ولابد من إزالة هذه الصفة من الناس بالتربية العامة، وعقاب القاتل بما هو أدون؛ كالسجن والأعمال الشاقة.

ثالثاً: إن المجرم إنما يكون مجرما وأقدم على جرمه لأجل عذر له، إما لجهله أو عدم التربية الصالحة أو لمرض عقلي أو ماشابه ذلك، فيجب في هذه الحالة أن يكون له علاج؛ إما بالتربية الصالحة أو بمعالجة مرضه. وإن إبقاء الفرد الجاني أولى من إفنائه، لأن في إبقائه منفعة للمجتمع، ولا ملزم لأن تقبل عقوبة القصاص إلى الأبد، فيعاقب الجاني بما يعادل القتل، وفي نفس الوقت نستفيد منه، فيكون توفيقاً بين حق المجتمع وحق أولياء الدم وغير ذلك من الوجوه. ولأجل ذلك عدلت القوانين الوضعية عن القصاص والقتل إلى عقوبات أخرى لردع الجناة، أشدها عقوبة السجن، سواء كان محدوداً بوقت أم غير محدود، مع الأشغال الشاقة مثلاً، كل ذلك لا يمكن أن يصمد أمام التشريع الإسلامي ومبادئه ولأمور عدة:

1- في تشريع القصاص تهذيب للطبيعة الإنسانية في حب الوجود وملاحظة الجانب التربوي في هذا التكليف، بل جميع تكاليف الإسلام وقوانينه، إنما وضعت لأجل ذلك، ولذا حث على العفو، ولم يكن الإسلام ليمنع من رفع هذه العقوبة بعد التربية الصالحة، وإعداد الأفراد في صالح المجتمع، ونبذ التخاصم والانتقام؛ والأمم الراقية إنما ذهبت الى ذلك بعد جهد جهيد في تربية الأفراد وتنفير القتل بينهم، وهذا شيء حسن لم ينكره أحد، وهو مما يريده الإسلام.

2- الإسلام إنما لاحظ في هذا التشريع، الصالح العام ومصالح النوع، كما هو شأن كل قانون، سواء كان شرعياً او وضعياً، ويعتبر أن الاعتداء على الفرد كالاعتداء على الأمة بأكملها، قال تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}، (سورة المائدة: 32). لاشك ولاريب أن الدفاع عن الأمة والجماعة أمر غريزي، ولذا نرى أن الأمة تتأهب لدفع الأعداء ومن يريد السوء والفتك بها، فلا يتهاونون عن الدفاع عن امتهم، فكيف يمكن القول بالرأفة في هذه الحالة، فهل تقبل الإنسانية مثل هذه الرأفة؟! بل لا تكون إلا إبادة للأمة واختلالاً للنظام.

3- ما ذُكِر في تبرير قتل القاتل إنما هو في الحقيقة تبرير لتطبيق قانون العقوبات، لا أنه عيب في نفس القانون، فكم هو الفرق بينهما، مع أن الإسلام قد لاحظ جميع الخصوصيات في القتل، كما هو مفصَّل في الفقه، فلا يبقى عذر بعد ملاحظة ذلك، مع أن ذلك تلقين للمجرم وإعطاء السلاح بيده كما يقال.

وأخيراً؛ فإنَّ تبديل هذه العقوبة إلى عقوبة أخرى أنفع للمجتمع وللفرد، فإنَّه يُسأل منهم: هل كانت هذه العقوبة ناجحة في ذلك؟! وهل رفعت الفساد الأخلاقي؟! وهل كان الحبس مطلقاً ناجحاً في رفع المشكلات وتقليل الجنايات؟! مع أنَّ تطبيق هذه العقوبة (السجن للقاتل) قد يؤدي إلى نتائج خطيرة وجلبت مشاكل كثيرة، منها؛ قتل الشعور بالمسؤولية في نفوس المجرمين، وخلق حالة من السلطنة والغطرسة لديهم، وإفساداً لهم، وتوجب انعدام قوة الردع، وإلى غير ذلك من المشاكل.

لعمري أنه لا يمكن تفضيل أي قانون على القانون الإسلامي، لما عرفت من أنه يُراعى فيه جميع جوانب الحياة، وما أُورد عليه يكون من قبيل الشبهة في البديهيات، قال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}، (سورة الحج: 46).

-----------

* طالب في كلية القانون


ارسل لصديق