حاجاتنا الى الإصغاء والتحديات الثقافية
كتبه: سيف الدين الصفّار
حرر في: 2017/03/28
القراءات: 328

{الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}.

أشار الباحثون في علم النفس، إلى مسألة الإصغاء الى الآخر على أنها سبيل لتسوية المشاكل التي تعترض الانسان وتعكّر صفو علاقاته الاجتماعية، وتبني له جسور العلاقات الحسنة والبناءة من خلال الحوار ويكون الإصغاء أحد العوامل الحاسمة لنجاحه، وهذا ينصرف الى مجمل العلاقات بين الانسان والآخر، الذي يبدأ من الإبن الصغير والزوجة، ثم الى أفراد العائلة والجوار والاصدقاء، بل وحتى غير الاصدقاء ممن يختلفون في الرأي والعقيدة والسلوك.

فاذا كان افراد المجتمع يحتاجون الى الإصغاء لتقويم وتحسين العلاقات البينية، فانهم يحتاجون هذا الإصغاء لصناعة الوعي وبلورة الثقافة السليمة لما من شأنه تقويم السلوك والعادات، وهذا لن يتوفر إلا بالإصغاء الى ما يقدمه الآخر من افكار وملاحظات في مجالات شتّى.

واذا القينا نظرة خاطفة على مكانة الإصغاء في ثقافتنا العامة، نجدها تتعرض في كثير من الاحيان الى التهميش والتجاهل لوجود مشاعر تنتاب البعض بالاكتفاء الذاتي من ناحية الفكر والثقافة والمعرفة، او انه قادر لوحده على التوصل الى ما يريد دون الحاجة الى الغير، وربما يستشعر البعض أن جلوسه وإصغاءه لمتحدث، في أي مناسبة او مجلس ما، يمثل منقصة لمستوى وعيه وثقافته وحاجته الى التعلّم من الآخرين! فعنده كل شيء مسموع ومكرور ولا جديد في الساحة!

وهذا لا يعد سبباً منطقياً لغياب الإنصات من ثقافتنا، لان المهتمين بهذه المسألة يشيرون الى أسبابٍ أخرى لها مصاديق على ارض الواقع تحتاج معالجة لتجاوز هذه الازمة والخروج من دائرة الذات المعرفية - إن صحّ التعبير- الى الأفق الواسع للمعرفة، ومن هذه الاسباب :

1- عدم التحلّي بالصبر واستعجال الامور تبعاً للحالة السائدة في حياة اليوم، فالإصغاء الذي هو حضور ذهني يتطلب استقرار بدني ونفسي في آن، لذا نلاحظ ظاهرة سرعة التلقّي تلاحقها سرعة الاستنتاج وإصدار الأحكام.

2- الارهاق البدني الناتج من سلبيات المحيط الاجتماعي والاقتصادي، وهذا ما نلاحظه في عديد بلادنا، ومنها؛ العراق، حيث يخصص الكثير من الناس وقته لتلبية مختلف سبل العيش واحتياجات البيت، لاسيما في ظل عجز مريع لمؤسسات الدولة لبعض الخدمات مثل الكهرباء والماء الصالح للشرب وغيرها.

3- الاحكام المسبقة إزاء الشخص المتكلم، على أن الخطاب أو الفكرة غير مجدية او خاطئة او ربما يكون الشخص المتحدث في نظر صاحب الحكم المسبق غير جدير بالاحترام فضلاً عن الإصغاء كونه - في نظره- أحد عوامل التدهور الحاصل في الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية وحتى الثقافية.

وطالما تستوقفنا آيات كريمة و روايات عن المعصومين، عليهم السلام، تحثّ على الإصغاء والإنصات والاستماع، لاسيما من العالم والحكيم، ثم التمكّن من بوصلة الحديث المسموع، لأن الحديث المطروح يبقى نتاجاً ذهنياً على المحك، وهذه وسائل الاعلام والاتصال السريعة تلقي علينا على مدار الساعة وابلاً غزيراً من المعلومات والافكار في اتجاهات شتّى، فهل كلها صحيحة يؤخذ بها؟

الإمام الصادق، عليه السلام، واضح جداً في هذا المجال في حديثه: «من أصغى الى ناطق فقد عبده، فإن كان ينطق عن الله، فقد عبد الله، وإن كان ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان»، وهذا الحديث الشريف يشير الى حقيقة وجود الكلمة المسموعة دائماً، وعدم امكانية الافلات منها، لاسيما وأننا أمام تنافس محموم على تسويق الافكار بأساليب مختلفة  وبعضها ملتوية وغير مشروعة، تميل الى التزييف والإغراء وحجب الحقائق وغيرها من مفردات تضليل الرأي العام وتشويش الرؤية.

وعليه؛ كلما أتقن الواحد منّا فن الإصغاء، كان أقرب الى الحقيقة والصواب، لا أن تكون آذانه منفذاً لكل ما يقال، مما يُعبّر - في بعض الاحيان- عن شخصية المتكلم وهمومه وعواطفه، لا ما يعيشه الانسان وسط ازماته ومشاكله التي يبحث لها عن حل.

ولذا نجد الآية الكريمة التي توجنا بها المقال تقرن اتباع الأحسن من القول بصفة «أولي الألباب»، وهي صفة عالية الشأن لا تكون إلا لمن يحكّم عقله وضميره وقيمه قبل أي شيء آخر، لتمحيص ما يستمع اليه واستخلاص المفيد منه.


ارسل لصديق