أنا والأنا
كتبه: مجتبى التميمي
حرر في: 2017/05/10
القراءات: 73

ليس من الخفي علينا حبنا لذواتنا، رغم أن الله - تعالى- أراد للإنسان أن يكون خليفته في الأرض، ويكون مسؤولاً عن دواب الأرض وهوامها، وشرع له من التشريعات، وفرض عليه من الأحكام ذات البعد الاجتماعي ليكون بعيداً عن العزلة والانطوائية على الذات، مثل صلاة الجماعة، وحقوق الجار والصديق والجهاد في سبيل حفظ أرواح الناس.

إن حب الذات يُعد مما غُرز به الانسان، بيد ان طغيان هذه الحالة على السلوك يتحول إلى حب الأنا ، فيصل لدرجة يرى فيه الإنسان نفسه؛ ليس الوحيد فقط، وإنما الافضل! وما سواه دونه، ولابد من تحقيق مصالحه مهما كان الثمن.

هكذا فكّر إبليس حينما بدد عبادة آلاف السنين حين أجاب الله - تعالى- رافضا السجود لآدم بأن: ﴿أنا خيرٌ منه...، وهكذا يفكر ويتصرف من يسير على خطاه من بني البشر، من الحكام الطغاة في العصر الحديث والقديم، بل وايضاً المستأثرين بالمال وسائر القدرات الأخرى؛ فالأنا تأتي حتى ولو على أجساد الملايين من البشر.

في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي البلد المتقدم في مجال البيانات والإحصاءات الدقيقة، أجري إحصاء حول الكلمة الأكثر استخداماً خلال الاتصالات الهاتفية وكانت النتيجة «أنا»،

وحتى شركات انتاح المصاعد الكهربائية استخدمت في أول إنشائها لتلك المصاعد الصور لتسلية المستخدمين للمصعد أثناء عمله، ثم تحولت إلى بث الموسيقى داخل غرفة المصعد، وبعد فترة اكتشفوا عدم رغبة الزبائن، فجاءت فكرة نصب المرايا ليرى كل انسان نفسه داخل غرفة المصعد ولو للحظات بسيطة، ونجحت الفكرة، وما تزال جارية على معظم غرف المصاعد التي تنتج في العالم.

أما الإسلام فقد عالج هذه الحالة النفسية الخطيرة بالمساواة بين الناس، فتراه قد ساوى بين مصعب بن عمير، وهو السيد المعروف النسب في قريش، والثري والجليل القدر في قومه، مع بلال؛ ذلك العبد الزنجي، وأجلسهما تحت سقف واحد، يدعوان الى الله سراً، ثم علنا في مكة، ويأكلان طعاماً واحداً، ويشتركان في كثير من الامور، وهكذا تحولا - وغيرهما من الأصحاب - الى نماذج خالدة في النجاح والتفوق الحضاري على مر الزمن.

وإمامنا الكاظم، عليه السلام، يذكر تلميذه؛ هشام بن الحكم، بلقمان الحكيم، وكيف أنه عدّ التنازل عن الأنا، والتواضع للحق، المعيار الحقيقي لأفضل البشر فيقول: «تَوَاضَعْ لِلْحَقِّ تَكُنْ أَعْقَلَ النَّاسِ».

ترى هل سمعنا بهذا في بعض أوساطنا العلمية حينما يتفاخر بعض طلاب العلم بإلحاقه الهزيمة بالطرف المقابل، فيما يمكن وصفه بانه «جدال بغير علم»، اكثر مما يصفه البعض بانه نقاش علمي؟ ثم؛ هل ان الانتصار في «المعركة اللفظية» يُعد دليلاً على عقل صاحبه؟ هذا هو إمامنا أمير المؤمنين، عليه السلام، يقول: «إِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِ عَقْلِهِ»، وفي حديث آخر يقول، عليه السلام: «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ : شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ».

وبالعودة لانعكاسات ظاهرة الأنا على الفرد والمجتمع، نجد من يحمل هذه الصفة من الصعب عليه تقبّل آراء ونصائح الآخرين، بدعوى «الأفضلية»، مما ينتج تعطيلاً للعمل والإنتاج بسبب عدم إطاعة المدير والقائد، وما أكثر انتشار هذه الظاهرة في مؤسساتنا ودوائرنا ومراكز عملنا!.

والتاريخ يشهد أن انحرافات خطيرة وأحداثاً كارثية حصلت بسبب استفحال هذه الظاهرة المرضية، فهناك من آمن بالله - تعالى- ولم يؤمن بدين أو نبي مرسل، أو هناك من آمن بهم، ولم يؤمن بإمام، لذا علينا الحذر من تكرار عاقبة مشابهة لما حصلت لذلك الكافر الذي أنكر على النبي الأكرم أحكامه الصادرة من السماء، فنزلت به الآية الكريمة: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ، (سورة المعارج: 1) لأنه لم يبتعد عن النبي إلا واستجاب له الله دعاءه بحجارة من السماء أردته صريعاً في الحال، وربما يكون العذاب بأشكال مختلفة جراء الخوض في التشكيك والتجديف بالعقيدة وأساسيات الدين. 


ارسل لصديق