الأمة تحيا بالتنافس البنّاء
كتبه: سامي الحاج
حرر في: 2017/05/10
القراءات: 41

من الضروري ان يتعرف الانسان المسلم على الرؤية الاسلامية الاصيلة تجاه الخلافات البشرية القائمة التي تنعكس احيانا على الخلافات الدينية كالخلاف بين الأديان السماوية أو بين المذاهب التي تتبع دينا واحدا أو الخلاف بين الفقهاء والمراجع الذين يتبعون هم بدورهم منهجا واحدا، ومن ثَم الخلاف بين التيارات المختلفة للحركات الثورية في الاتجاه الاسلامي الواحد.

ان وجود هذه الرؤية لدى الانسان المسلم تنفعه لسببين:

1ـ انها لا تدعه ينساق وراء الخلافات الى الحد الذي يفقد فيه دينه وقيمه، بل تجعله يحدد الخلاف الذي يتصارع ضمن إطاره وفق قيمه العامة، ووفق التزامه بالشريعة والدين، ولا تدع هذا الخلاف يسيطر عليه، ويجعل سلوكه رد فعل للأطراف الأخرى فيكون كما قال تعالى: {وَلاَ يَجْـــرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى اَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْـوَى}، (سورة المائدة: 8)، فالبغض والحقد، والخلاف القائم في طرف يجب ان لا يترك اثره في الطرف الاسلامي فيخرجه عن اطار قيمه.

2ـ ان تمتعنا بهذه الرؤية يجعلنا لا نفقد الثقة بالدين، فهناك الكثير ممن ضعف أثر الدين في نفوسهم عندما رأوا الخلافات المذهبية الطائفية او الخلافات داخل الطائفة الواحدة بين الحركات المختلفة، فتركوا على أثر ذلك الدين واخذوا يتجهون يمينا وشمالا، ولو كانت لديهم رؤية إسلامية ورسالية متكاملة عن الخلافات وسببها لأصبحوا متسلحين بهذه الرؤية، ولما خرجوا من حدودها، ولما ضعف الإيمان في قلوبهم.

ترى ماهي هذه الرؤية؟ وما هي تفاصيلها ومفرداتها؟

القرآن الكريم يحدد هذه التفاصيل والمفردات في سورة المائدة وذلك بما يلي:

أولا: يـرى القـرآن الكـريم ان الخـلافـات الموجودة بين البشر هي خلافات فطرية أرادها الله تعالـى، فهي كلها ليست ناشئة من إرادة الشيطان، فالله عز وجل الذي خلق الناس بألسنة مختلفة، وتطلعـات متباينة، وفي أراض متعـددة، زودهم بأغراض وأهداف يختلف بعضها عن البعض الآخر، فهـو تعالى لم يخلق البشر امة واحدة بل خلقهم امما متفرقة.

وهكذا فقد خلق الله تعالى الانسان على أساس الاختيار الحر، واودع فيه تطلعات متباينة، وفضل كل إنسان على الآخر بميزة معينة لا توجد إلا في أفراد معدوديـن، فهـذا مزود بميزة الكتابـة والآخر بالخطابة والثالث بالحزم والإرادة والرابع بالعلم وهكذا، لتتكامل الحياة عن طريق هذه الميزات المختلفة، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ اُمَّةً وَاحِدَةً، (سورة المائدة: 48).

فهو قادر على ان يجعلنا امة واحدة ولكنه خلقنا مختلفين، فعندما نـرى الخـلافات فيجب علينا ان لا نتعجب لأنها سنة الله تعالى ـ، والمجتمع الذي تنعدم فيه الاختلافات هو مجتمع ميت.

واذا كانت الخلافات فطرية وطبيعية فلماذا جعل الله تعالى بعض الناس يختلفون عن بعض في تطلعاتهم وميزاتهم الروحية؟، فـي هذا المجال يقول القرآن الكريم : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً، (سورة المائدة: 48)، وقد جاء في تفسير القرآن الكريم لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي ان «شِرْعَةً» تدل على المناهج المادية المختلفة في الحياة؛ مناهج الاقتصاد والسياسة، والسلوكيات الاجتماعية والشخصية، فهذه كلها شرعة، أما «مِنْهَاجاً» فتدل على الثقافات المختلفة عند الامم.

ثانيا: ان اللـه تعالى لم يخلق افراد البشرية مختلفين عن بعضهم البعض إلاّ ليتصارعوا، ولكي يستخرج كل واحد منهم، وكل فئة وفريق؛ كل ما يمتلكه في ذاته من طاقات وقدرات، فالإنسان هو كالأرض، التي تخزن في جوفها المعادن، فكما ان هذه المعادن بحاجة الى من يستخرجها، فان الانسان بحاجة ايضا الى استخراج معادنه وكنوزه التي يصورها الامام علي، عليه السلام، في قوله:

«أتحسب انـك جـرم صغيــر *** وفيـك انطـوى العالـم الأكبر»

فالعالم منطو فيك ايها الانسان، وذخائرك لا تنتهي، وآفاقك لا تحد، فأنت خلقت للبقاء لا للفناء، وأنت في الكمالات قادر على ان تصبح في عداد الصديقين الذين يلون الأنبياء في الدرجة، فالإمام الصادق، عليه السلام، يقول فـي أصحاب النـبي، صلى الله عليه وآله: «كادوا من الفقه ان يكونوا أنبياء»، والنبي، صلى الله عليه وآله، يقول عن سلمان - رض -: «سلمان منّــا أهل البيت»، فرفعه الى درجة قريبة من العصمة والنبوة.

وفي هذا المجال يقول المؤرخون الجدد ان الحضارات انما نشأت وتطــورت على أساس من التحديات المتقـابلة، فأي امة من الأمم كانت تتعرض الى هجوم عسكري وتريد ان تـدافع عن نفسها، فإنها تقـوم بتفجير طاقاتها، واستنفار إمكانياتها، فتصنع حضارة، وبناء على ذلك فان الحضارة الرومانية مثلا نشأت لأنها تصارعت مع قـوة اخرى.

وهكذا فان الامم انما تستطيع تفجير طاقاتها، وبناء حضارتها بالصراع مع الأمم الأخرى، ونحن نعلم ان عدداً كبيرا من الاختراعات الحديثة إما توصل الانسان اليها في أوقات الحرب، او في أوقات الإعداد لها، فالــدبابـة صنعت قبل السيارة، والطائرات لم تخترع في البدء لنقل الناس وإنما لحمل القنابل المدمرة، وذلك لان الانسان يحاول في حالة الحرب ان يكسبها لصالحه بأي طريقة، فيتحرك من اجل تفجير طاقاته.

ثالثا: يرى الإسلام ان الصراع يجب ان يوجه نحو البناء لا الهدم، وعلى ضوء ذلك علينا ان لا نفكر بالهجوم لكي نحطم مزرعة العدو او مصنعه، بل علينا ان نفكر في كيفية بناء مزرعة جديدة لكي نمتلك مزرعتين في حين ان العدو لا يملك الا مزرعة واحدة ، وفي هذه الحالة سنكون اقوى منه.

وفـي هذا المجال هناك منطقان؛ منطق يقول: اهدم تغلب العالم، وآخر يقول: ابن تغلب العالم، فالصين على سبيل المثال تصنع القنبلة الذرية، أما اليابان فإنها تطور صناعاتها وتكنولوجيتها لتصبح أول دولة في العالم من حيث التصدير في حين انها لا تمتلك قوة عسكرية، وعلى هذا فان اليابان تستطيع ان تهزم الصين لان الصينيين يعتمدون في تأمين حاجاتهم على اليابان، ولذلك فانهم يمدون ايديهم اليها عاجزين. ان القرآن الكريم يحثنا على التسابق والتنـافس في ميدان الإنتاج والإبداع في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات...، (سورة البقرة: 148)، فلنستبق في سبيل استخراج ما نملكه في ذواتنا من قدرات وإمكانيات، ولنبدأ في البناء، فهذا هو الذي يجعلنا ننتصر على أعدائنا.

ولو كان العالم يتصارع مع بعضه البعض عن طريق البناء والتنمية لانتهى هذا الصراع بتقدم الجميع، ففي هذه الحالة سيتقدم العالم الى الامـام، فالأصل ان المجتمع البشري ميت بدون هذه الصراعات، وهذه هي فلسفة الخلافات في الاسلام.

ونحن عندما نريـد ان نبني فان علينا ان نسبق الآخرين بالعمل والجد والاجتهـاد، وفي هذا المجال يقول الامام الصادق، عليه السلام: «كونوا دعاة لنا بغير السنتكم»، وبالتأكيد فانه، عليه السـلام، يقصد ان نطبق التعاليم الاسلامية على انفسنا.

وقد كان الشيعة في ايام الامام الصادق، عليه السلام، معروفين بإيمانهم وصدقهم وتقواهم وزهدهم وبجميع الصفات الخيرة، وبهذه الصفات استطاعوا ان يجذبوا الآخرين الى صفوفهم، أما اللسان فهو ليس مقياسا بل ان المقياس الاساس هو العمل الجاد وبذل التضحيات ومواصلة المسيرة الجهادية من خلال الاجيال التي ستأتي بعدنا.

وفـي هذا المجال يقول الامام أمير المؤمنين، عليه السلام: «الا وان بقية السيف اكثر عددا واقوى...»؛ أي ان الذين يتبقون في طريق الجهاد بعد ان تسبقهم الطلائع الى الشهادة، فان جذوة التحدي، وشعلة الامل ستتأججان في نفوسهم، فينتصرون على عدوهم لانهم سيصبحون اقوى واكثر عددا. والتاريخ يشهد لنا بهذه الحقيقة؛ ففي كل قرية، وعلى رأس كل جبل نرى مقرا ومزارا للسادة الشهداء، واذا ما سألنا انفسنا من اين جاء هؤلاء السادة من ذرية أهل البيت، عليهم السلام، الى أعالي الجبال وأقاصي الارض، لوجدنا السبب في ذلك انهم كانوا يطاردون فيهربون الى الجبال، وبعد وفاتهم تقام على قبورهم مشاهد وقباب تبقى مع الزمن لتحدثنا عن البطولات والتضحيات التي قام بها هؤلاء الذين طُوردوا وقُتلوا من اجل مبادئهم وقيمهم، فتحدوا بذلك القتل والتصفية الجسدية، فكان هذا التحدي سبب بركتهم وخلودهم. ونحن عندما تقتل طلائعنا من العلماء والمفكرين، فعلينا ان نكون بقيتهم، وان نستمر في الطريق الذي ساروا فيه من قبل، فالثورة عمل واستباق للخيرات؛ أي ان نتصارع من اجل صنع الخيرات، وان نتنافس تنافسا بنّاء، وحينئذ سيكون النصر من نصيبنا.


ارسل لصديق