الإمام علي عليه السلام والتعايش السلمي
كتبه: د.خالد جواد العلواني
حرر في: 2000/11/30
القراءات: 323

ما برح الامام أمير المؤمنين، يفرغ من علمه الإلهي الجمّ ما تتلاقفه الأمم الأخرى على مدار الأجيال ليصادر فكره بين ظهراني كثير من المسلمين الذين لم يألوا جهداً في حرف المسار الصحيح الذي رسمه، عليه السلام، لهم كي يعيشوا في أرضهم بسلام وأمان، والتعايش من بين المفاهيم التي اكتنزها فكر أمير المؤمنين، عليه السلام، فنادى بها ووضع لها مواثيق كانت امتداداً طبيعياً لتلك المواثيق التي وصفها الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، على غرار وثيقة المدينة المنورة التي رسمت أول دستور للمواطنة تتيح لغير المسلم الاندماج في المجتمع الذي ينتمي اليه دون قهر ديني: ﴿لا إكراه في الدين.

ومن يراجع كلام الامام علي، عليه السلام، وفي مواضع ومناسبات متعددة يجده حافلاً بالوصايا والمواعظ بل والأوامر التي تصب في مفهوم التعايش السلمي، ففي عهده الشريف الى مالك الأشتر حينما ولاه على مصر يقول: «ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فانهم صنفان؛ إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق»، فالرعية عند الامام علي، عليه السلام، لابد أن تكون موضع رحمة الحاكم بغض النظر عن جنسياتهم او دياناتهم.

 

 جسور التعايش السلمي مع الأعداء

ما كان أمير المؤمنين، عليه السلام، مع أعدائه من دعاة الحرب، كما لم تكن غايته إراقة الدماء وإزهاق النفوس، بل كان دائماً يدعو لوأد الفتن والاحتكام الى الرأي السديد، فكان مصداقاً لقوله تعالى: {أدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، (سورة النحل: 125)، ولم يبدأ أحداً بقتال، وكان يقول: «فو الله ما وقعت الحرب يوماً إلا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة لتهتدي بي وتعشو الى ضوئي وذلك أحب إليّ من أن أقتلها على ضلالها وإن كانت تبوء بآثامها»، بل كان عليه السلام، ينهى عن سبّ الأعداء وشتمهم؛ اذ بلغه أن قوماً من اصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين فقال، عليه السلام:

«إني أكره لكم ان تكونوا سبّابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول، وابلغ في العذر، وقلتم مكان سبّكم إياهم؛ اللهم احقن دماءنا ودماءهم، واصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغيّ والعدوان من لهج به».

ولعل هذا النهج الذي يطفح رحمةً وإنسانية، وهذا التعامل السامي لم تشهده الحروب قديماً او حديثاً، ومن ذلك التسامح والتساهل في التعامل مع الاعداء بيد أنه لم يخسر معركة واحدة قط، وكان يدعو دائماً الى الصلح؛ اذ كان يقول:

«ولا تدفعنّ صلحاً دعاك اليه عدوك، لله فيه رضا، فان في الصلح دعةً لجنودك وراحة من همومك وأمناً لبلادك»، فكان اذا وضعت الحرب أوزارها، عامل أعداءه معاملة باقي رعيته، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، ومن دون ان يترك الحبل على غاربه، فان العدو لا يؤمن جانبه بعد الصلح؛ إذ لا نعرف نواياه الحقيقية من الصلح، فلذا أوصى، عليه السلام بقوله:

«لكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه، فان العدو ربما قارب ليتغفّل، فخذ بالحزم، واتهم في ذلك حسن الظنّ...».

ولا شك أن هذه المواثيق والعهود التي تبرم مع الاعداء تُعد أسساً وقواعد تحفظ بها أرواح الناس من الطرفين، وبذلك تكون بذرة طيبة في التعايش السلمي في أرض الله - عزّ وجلّ - مع الحرص الكبير على نبذ كل ما من شأنه خلق التوترات العصبية والطائفية او السياسية.


ارسل لصديق