الأئمة، عليهم السلام، والسبيل الى الاقتداء الحقيقي بهم
كتبه: الشيخ عبد الله الصالح
حرر في: 2017/09/07
القراءات: 99

{فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ}، (سورة الأنعام: ٩٠).

يقول بعض المفسّرين: إِنّ المقصود منه الاقتداء بصبرهم وقوة تحملهم وثباتهم في مواجهة المشاكل.

ويقول آخرون: إِنّ المقصود هو الاقتداء بهم بـ: «التوحيد وإِبلاغ الرسالة».

الاقتداء يشمل التوحيد وسائر الأُصول العقائدية، كما يشمل الصبر والثبات وسائر الأُصول الأخلاقية والتربوية.

فبلاشكّ؛ الغرض من ذكر تجارب الأنبياء وسيرهم وقصصهم هو الاقتداء بهم والتخلّف بأخلاقهم، وإلا ما قيمة إنسان مؤمن لا يسلك طريق المؤمنين في سلوكه وفكره ولا يقتدي بهم؟ فكيف بالإنسان الموالي، الذي لابد وأن يكون قدوته وأسوته؛ الأنبياء والأئمة، عليهم السلام.

 

 كيف نقتدي بأئمتنا؟

في شهر رمضان المنصرم، أقام الأخوة الرساليون في قم المقدسة، وضمن برامجهم الرمضانية، أسبوعاً خاصاً بأمير المؤمنين، عليه السلام، تضمن فعاليات ثقافية، وتعريفية، وندوات حول شخصية الامام علي، عليه السلام، ومعارض كتب، وشارك في الندوات نخبة من العلماء والمفكرين، ابرزهم؛ آية الله السيد هادي المدرسي، وفضيلة الشيخ الدكتور عصام العماد، في كلمته التي القاها في هذه الأمسية الرمضانية، تحدث الدكتور الشيخ عصام العماد، عن ضرورة انفتاح الانسان المؤمن على أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، عليه السلام، فبمقدار ما يتأثر به ويكتسب منه، يصلح به توجهاته وإيمانه ومعارفه وشخصيته.

وتحدث الدكتور والداعية من اليمن، عن تجربته الشخصية مع الامام علي، عليه السلام، وكيف تبلور لديه مفهوم الاقتداء، وقال انه كان يسمع عن الإمام علي، ويقرأ عنه لكنه لأنه لم يكن منفتحاً عليه، ولم يكن يرى عنده جديداً! ولكن؛ بعد الاستبصار حصل الانفتاح على هذه الشخصية العظيمة، وبان الأثر الكبير الذي تركته شخصية الإمام علي، عليه السلام، على شخصيته، وهذا يعني أن إشعاعات شخصية الامام علي، وسائر المعصومين، عليهم السلام، لن تصلنا ولن نتأثر بها ما لم نقبل بأنفسنا وقلوبنا عليهم.

وفي سياق الحديث عن القدوة والاقتداء بالأئمة المعصومين، تحدث سماحة السيد هادي المدرسي عن شخصية أمير المؤمنين بأنه «بمقدار اقتداء المؤمن بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليه السلام، بمقدار ما يتعرف عليه ويتزيّن به، أي: بالاقتداء به نتعرف عليه أكثر، وينعكس هديه علينا».

بمعنى أن مجرد أن نقرأ او نسمع عن الشخصيات الكبيرة في تاريخنا، فهذا لا يكفي لأن نكتسب التأثير المطلوب في حياتنا، انما المطلوب انفتاح جميع الابواب لدخول تلكم الإشعاعات السَّنيّة الى النفس والقلب لتتحول فيما بعد الى منهج للسلوك وأساس للفكر والمعتقد.

 

 الحثّ على الاقتداء

ومَنْ أقرب مِن النبي، صلى الله عليه وآله، إلى الله، والله - عز وجل - يحثّ المؤمنين على الاقتداء بالنبي، صلى الله عليه وآله، أليس هو القائل: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}، (سورة الأحزاب: ٢١).

وهذا هو رسول الله، صلى الله عليه وآله، يخاطب الناس في حجة الوداع قائلاً: «أيها الناس، والله ما من شيء يقرّبكم من الجنة ويباعدكم عن النار إلا وقد أمرتكم به، وما من شيء يقرّبكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم عنه، ألا وإنّ الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحمل أحدكم استبطاء شيء من الرزق أن يطلبه بغير حلّه، فإنه لا يُدرك ما عند الله إلا بطاعته».(1)

وفي حثّه للناس بالاقتداء بأهل البيت، عليهم السلام، والتمسك بهم، يقول زيد بن الأرقم: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وآله يقول: «إنِّي تاركٌ فيكم ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا بعدي، أحدُهما أعظمُ من الآخَر: كتاب الله؛ حبْلٌ ممدودٌ من السَّماء إلى الأرض، وعِترتي أهل بيتي، ولن يفترقَا حتى يرِدَا عليَّ الحوضَ، فانظروا كيف تَخلُفوني فيهما».

وهذا أمير المؤمنين، عليه السلام، في نهج البلاغة، الخطبة ١٨٢، يعاتب المسلمين على عدم الطاعة والاقتداء والاتباع فيقول: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ الَّتِي وَعَظَ بِهَا الاْنْبِيَاءُ أُمَمَهُمْ، وَأَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ الاْوَصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا، وَحَدَوْتُكُمْ بالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا، لله أَنْتُمْ! أَتَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطَأُ بِكُمُ الطَّرِيقَ، وَيُرْشِدُكُمُ السَّبِيلَ».

وقد اتفق الناس جميعاً، مسلمين وغيرهم، أن النبي، صلى الله عليه وآله، وأمير المؤمنين، عليه السلام، هما أقرب وأكثر من جسَّد المعنى الحقيقي للإسلام، والاقتداء بهما - عقلاً- هي من أعقل وأحمد الأعمال.

 

 الاقتداء والحُب

الاقتداء ليس هو الحب المجرّد، بل هو المودة التي تعزز الاقتداء الى جانب الحب، قال تعالى: {...قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ}، (سورة الشورى: ٢٣).

وجاء عن الامام الصادق، عليه السلام يقول: «ما أَحَبَّ الله عز وجل من عصاه»، ثم تمثل فقال:

تعصي الاله وأنت تظهر حبه

هذا محال في الفعال بديعُ

لو كان حبك صادقا لأطعته

إن المحب لمن يحب مطيعُ

لذلك نجد الإمام الباقر يقول لجابر بن عبد الله الأنصاري: «يا جابر! أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبنا أهل البيت! فو الله، ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يُعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشع والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، والبرّ بالوالدين، والتعهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة، والغارمين، والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكفّ الألسن عن الناس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء، قال جابر: يا بن رسول الله، ما نعرف اليوم أحداً بهذه الصفة، فقال الامام عليه السلام: يا جابر! لا تذهبنّ بك المذاهب، حَسْبُ الرجل أن يقول: أحبّ علياً وأتولاه، ثم لا يكون مع ذلك فعّالاً، فلو قال: إني أحب رسول الله، صلى الله عليه وآله، والرسول الأكرم، خير من علي، عليه السلام ثم لا يتبع سيرته، ولا يعمل بسنته ما نفعه حبه إياه شيئاً، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحب العباد إلى الله عزّ وجلّ وأكرمهم عليه أتقاهم وأعملهم بطاعته، يا جابر! فو الله ما يُتقرّب إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطاعة، وما معنى براءة من النار، ولا على الله لأحد من حجة، من كان لله مطيعاً فهو لنا وليُّ، ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدوّ، ولا تنال ولايتنا إلاّ بالعمل والورع».(2)

من هنا؛ ينبغي على المؤمنين الرساليين أن يهيئوا انفسهم ويروضوها على طاعة الله - عز وجل - ثم الاقتداء بهدي النبي محمد، صلى الله عليه وآله، وهدي الأئمة الأطهار، عليهم السلام، وأن يصبروا على الطاعة والإيمان والأعمال الصالحة، فهذه وغيرها من موجبات الاقتداء لا تمضي دون ثمن او تحديات وعقبات وابتلاءات، والقرآن الكريم هو الذي يوصينا بذلك: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، (سورة الحج: 78).

---------------------

(1)- الكافي للكليني/ ج٢/ ص٧٤.

(2)- نفس المصدر.


ارسل لصديق